فى حوار ال90 دقيقة بعد إغلاق لجان الانتخابات..هيكل: ارفعوا أيديكم عن مصر
-- الإثنين 12 سبتمبر-أيلول 2005 الساعة 02 صباحاً

محمد كريشان محطة الجزيرة: السلام عليكم ورحمة الله.. مع كل انتخابات فى العالم فما بالكم إذا كانت تعددية وتجرى لأول مرة؟ تبرز على السطح كل المشاكل والقضايا التى ظلت بلا حل أو مؤجلة أو تحتاج إلى معالجة سريعة بمجرد ظهور النتائج وانتهاء ضجيج الحملات الانتخابية... حول مجمل هذه القضايا والأحداث فى مصر تحديداً وفى ضوء انتخاباتها الرئاسية السابع من سبتمبر يسرنا أن يكون ضيفنا فى هذه التغطية الخاصة الأستاذ محمد حسنين هيكل
أهلاً وسهلاً بك يا أستاذ هيكل
الأستاذ هيكل: أهلاً بك أستاذ كريشان
كريشان: انتهت فعلياً عملية التصويت. ماذا إذا تحدثنا بلغة الأرقام نسبة الإقبال، أو النسبة المفترض أن يفوز بها المرشح الأكثر حظاً.. ما هى الأرقام التى فى ضوئها يمكن للأستاذ هيكل أن يعتبر أن العملية ذات مصداقية لا سيما وأن تجربة البلاد العربية مع الأرقام التى تتجاوز التسعين ومصر من بينها بالتأكيد تجربة معروفة.
* هيكل: دعنى أقل أمراً صغيراً فى البداية: أنا مخلوق نهارى وحضرتك دعوتنى للحوار فى عز الليل بالنسبة لى فإذا نمت منك أرجوك أن توقظنى ولكن برفق من فضلك.
لقد قامت هذه الانتخابات لتواجه ما نسميه حالة الاحتقان السياسى وهى موجودة فى كل مكان بالعالم العربي، لكن فى القاهرة بالذات وعلى الأقل فى هذه اللحظة هى تناقش بهذا القدر من الحيوية أو ربما العصبية... وأعتقد أن هذه مسألة لابد أن تسجل فى البداية.
لقد ظللت صامتاً طوال العملية الانتخابية لأنى بصراحة وبأمانة لم أعتقد أبداً أن هذه الانتخابات هى البداية الصحيحة لحالة احتقان سياسى يواجهها هذا البلد، وهى ما تقتضى فى رأيى شيئاً آخر تماماً.
لا أخفى أنّى قلق، وهذا ما جعلنى طوال الفترة الماضية راغباً عن المشاركة فى تفاصيل المهرجان الذى حدث فى مصر والذى رأيناه وتابعناه باهتمام.. والذى نعتبره فى كل الأحوال دليل حيوية.
هذا المهرجان هو أقرب ما يكون لتلاقي ناس يريدون أن يفعلوا شيئاً واحتفلوا و زيطوا وسهروا بالليل وكل من أراد أن يفعل شيئاً فعله... لكن لابد من فواتير وحقائق ستتحقق بعد فترة وأنا هنا أتحدث عن حساب القيمة وليس حساب الأرقام.
بالنسبة لموضوع تعديل مادة فى الدستور أقول أن: الدساتير لا توضع فى نهاية المراحل السياسية.. ولا فى وسطها، لكن الدساتير توضع فى بدايات المراحل.
أحياناً نتصور أن حياتنا السياسية تختلف عن حالات الأفراد، واقع الأمر أن الحياة السياسية هى تقريباً مجتمع كبير لكن العينة الأساسية فيه هى الإنسان الفرد.
مع تلمس أمثلة إنسانية كالمهرجان.. يمكننا أن نشبه الدستور ب الزواج. فالدستور هو لحظة توافق.
ما هو الفرق بين الدستور والقانون؟... الفارق هو أن الدستور يمثل التقاء مجتمع بكامله على حياة مشتركة يضع لها قواعد ويوفر لها أسباب النجاح... ثم تدخل القوانين بعد ذلك لتنظم من؟.. وكيف يتصرف؟. ومن هنا فإن من المهم جداً ألا يقام الدستور فى لحظات الشقاق والتنازع أو فى أوقات طوارئ، لأن الدستور بالطبيعة لا يمكن أن يبنى إلا على إرادة طوعية من جميع الناس... فهؤلاء يلتقون فى هذا المكان على هذه الأرض وداخل هذا الوطن ليقيموا معاً حياة مشتركة.. لها قواعد متفق عليها ومقبول بها، وبالتالى هم يقبلون الحياة على هذا الأساس الطوعى وهذه مسألة مهمة جداً..
كريشان: لكن لماذا لا يكون تعديل المادة 76 والذى سمح بهذا الحراك الجيد هو مجرد بداية... لأنه إذا افترضنا صحة ما يقال عما سيجرى بعد الانتخابات من تعديلات دستورية عديدة على الدستور المصري.. فإن ذلك سوف يكون بداية لمرحلة مختلفة..
* هيكل: ما معنى أن يصل بلد إلى ما وصفته بلاد العالم كله تقريباً بأنه حالة احتقان سياسي؟... كيف تستطيع أن تقيم حياة سياسية جديدة على أساس مختلف عليه؟!. الدساتير لا تُصنع بهذه الطريقة، الدساتير تتمثل فيها الإرادة الحرة للشعوب.. الدستور الأمريكى على سبيل المثال يقول We The People أى نحن الشعب أى نحن الأمة أو البشر مجتمعين.. هنا تتمثل الإرادة الحرة. عندما تقترب بلد حكم من الدستور وقت أزمة أنا بخاف لأن هذه ليست لحظة توافق، هذا ليس قانوناً.. أختلف أو اتفق عليه، هذا دستور..
فى مصر كانت هناك شرعيات وقعت لأسباب مختلفة وجاءت شرعية انتقالية جديدة... عندما جاء الرئيس مبارك فى بداية عهده قلت له سواء بشكل مباشر أو عبر مجموعة من المقالات لم تنشر وقتها لكنهم من المؤكد قد اطلعوا عليها قلت لهم فيها: نحن فى حاجة إلى عقد اجتماعى جديد وإلى دستور مؤسس.
فالدساتير لا تُرقع.
نعود إلى نفس المثال الزواج.. فعندما ينوى أحد الزواج يكون واضحاً أمامه ما هو مُقدِم عليه وراضى به الناس تكون سعيدة ومتهللة.. لكن مايجيش ناس متنكدين ومتخانقين مع بعض وعندهم مشاكل الدنيا والآخرة ويروحوا يعملوا عقد زواج!...
هنا أحدثك عن حساب التكاليف... أخشى أننا قد نكتشف بعدما ينتهى الفرح فى اليوم التالى مجازاً انه قد حدث استغلال لوقت الأزمة: ربما تم الإتيان برجل يرتدى زى مأذون ليتم العقد.. كذلك أنا لا أعلم ما هى طبيعة الشهود أو المعازيم؟.. كذلك هناك أمور أخري.. بكره الصبح بعد هذه العملية ستتكشف فواتير كثيرة للغاية.. خاصة أنه قد قُطعت عهود بلا حدود.
كريشان: لكن هل يمكن أن يسهل دفع هذه الفواتير؟... بمعنى أنه إذا انتهى هذا الحفل وظهرت النتائج وأصبح هناك رئيس لمصر يتم انتخابه لأول مرة انتخاباً مباشراً من بين منافسين... ألا تمثل هذه شرعية جديدة تجعل إمكانية دفع الفواتير أفضل؟.
* هيكل: لا... لأنى على هذا الوضع ليس عندى جديد، وأعتذر لأنى سأضطر إلى الاستعانة بمثال الزواج مرة أخرى حتى أضع الأمر أمام الناس بوضوح.
كريشان بمداعبة: مثال الزواج جيد على أى حال..
هيكل بأسلوب مماثل: طب كويس
* ويستطرد: الناس تتزوج عادةً وهى فى سن الصبا.. توقع عقود الزواج وهى فى سن الشباب، فإذا جاءت بعد سنوات طويلة جداً لتوقع عقوداً للزواج فإن هذا ما يسمونه زواج لتحقيق نوع من التوافق والأنس فى هذه الأيام الأخيرة... لكنّا نتكلم هنا عن أمة فى مرحلة جديدة متجددة تضع شرعية بدستور لتعلن مستقبل.
كريشان: لكن لماذا لا نعتبر أن هناك عقد زواج مؤقت لفترة مقبلة.. لقد قلت فى فترة من الفترات أنه لا مانع لديك من أن يجدد للرئيس مبارك على أن تكون هذه مرحلة انتقالية تسن فيها قوانين وتوضع فيها ترتيبات المرحلة المقبلة؟.
* هيكل: لو كان هذا جائزاً لما كان الاحتياج إلى عقد زواج... الحكم المصرى وصل إلى آخر شوط، والعقد الاجتماعى الذى قام عليه يوم 23 يوليو انتهي.
وقد روعنى أمر فى الحملة الانتخابية للرئيس مبارك وهو خطأ كبير وأعتقد أنه ليس المسئول عنها عندما يقدَم فيلم إعلانى لكى يطلعنى على عصر عبد الناصر فلا أرى من عصر عبد الناصر إلا سنة 1967، ثم يطلعنى على عصر أنور السادات فلا يظهر من عصر أنور السادات إلا مظاهرات الطعام وحادث المنصة، وبعد ذلك يطلعنى على عصر مبارك وكأنه انفتاح جديد.
هل هذا فيلم وثائقي؟!
* نعم ورأيته يعرض فى التليفزيون المصري، رأيته وروعني.. لأننى أحسست فى هذه اللحظة أننى أمام نظام يقتلع بنفسه جذع شجرة هو فرع من فروعها...
الرئيس مبارك عندما جاء كنت أتصور أنه جاء لتأسيس شرعية جديدة تؤسس لفترة انتقال ثم يتقدم جيل جديد ليعقد عقده لحياة مختلفة ومتجددة.
عندما أعلنت موافقتى على التجديد للرئيس مبارك أقرنت ذلك بأمر مهم للغاية... قلت إن ما أتمناه هو أن يصل إلى سن الثمانين أى ينتظر عامين يتسنى له خلالهما القيام بالانتقال الذى تمنيت أن يقوم به عندما تحدثت فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة منذ 3 سنوات... بمعنى أننى قلق لأنى أشعر أن هذا التعديل فى هذه المادة بهذه الطريقة وفى إطار هذه الظروف سوف يقود البلد إلى أسباب كثيرة جداً من الشك..
كريشان: هل أنت قلق لأنك تشعر أن الرئيس مبارك من خلال هذه الانتخابات يهدف إلى تحقيق شرعية شعبية تسمح له بترتيبات معينة فى نقل السلطة لابنه؟
* هيكل: هذا ضمن أسباب القلق... هذا الطرح الذى تقول وارد.. أنا شخصياً لم اكن أصدقه، ولا أزال اشك أنه ممكن، والرئيس بنفسه نفاه.. والابن الذى تعنيه نفاه... لكنى أرى شواهد تؤكد أن هذا السيناريو محتمل..
كريشان: الرئيس مبارك قال بالحرف أن مصر ليست سوريا.
* هيكل: نعم قال ذلك.. لكنى أرى على سبيل المثال فى حديث أدلى به الرئيس لجريدة كويتية.. وهو حديث سبب مشكلة كبيرة عندما تم نشره فى الطبعة الأولى ل الأهرام ثم تم رفعه من الطبعة الثانية، ثم قيل إن هذا الكلام الذى نشر فى هذه الطبعة كان دردشة من الرئيس مع المحرر... لكن فى هذه الدردشة الرئيس يقول إن ابنه مثله مثل أى أحد من الآخرين وأن من حقه ولا يستطيع أحد أن يمنعه أو يحجر عليه كمواطن هذا الحق ولقد اندهشت من هذا الكلام لأن له من ورائه دلالات.
فى السياسة من الممكن أن تخفى نواياك.. لكن أكثر ما يزعج الشعوب هو أن يحسوا أنهم يخدعون أو يغرر بهم.. وهذه من الفواتير المستحقة أيضاً فى وقت آجل.
كريشان: لكن أستاذ هيكل وعلى سبيل الافتراض السيد جمال مبارك هو رئيس لجنة السياسات فى الحزب الوطني.. إذا استطاع بطريق يمكن أن توصف بديمقراطية سلسة أن يصبح هو رئيس الحزب الوطنى وبالتالى يصبح كأى مواطن من حقه أن يترشح..
* أنا لا أريد أن أطيل أكثر من اللازم فى هذه النقطة.. هناك ما أسمعه عن هذا الشاب لصالحه... لكن هذه قضية وتلك قضية أخري..
على سبيل المثال: روزفلت الثانى كان ابن أخ روزفلت الأول لكن الفارق بين فترتى حكمهما نحو 25 سنة... بمعنى أنه لا يجوز من خلال وجودك فى السلطة أن تمهد لآخر.. ابنك، فسلطة الأب هنا لا تزال موجودة وماثلة فى كل خطوة.
من الممكن جداً أن نؤسس عائلات سياسية فى نظم جمهورية، لكنا لا نستطيع فى نظم جمهورية أن نصنع عائلات ملكية... هناك فارق كبير بين عائلات سياسية وعائلات ملكية.
أتمنى جداً لو أنه يعمل على بناء رصيد لنفسه فى الحياة السياسية، ثم تأتى رئاسة أخرى ليقدم نفسه للناس، لكن مهما حدث أو قيل فى هذه اللحظة فى ظل سلطة الأب: الابن سوف يظل وريثاً.
كريشان: من بين الحراك الجيد الذى أشرت إليه فى البداية هناك ظاهرة لافتة للانتباه بشكل غير مسبوق فى الساحة المصرية: شخصية الرئيس أو مؤسسة الرئاسة أصبحت محل انتقاد فى كل الصحف.. الحديث عن شكل الرئيس الملابس، المكياج.. إلى ابنه وزوجته، إلى ثروته الشخصية... برأيك.. هل يحسب هذا للنظام أم عليه؟. هل هناك اهتزاز فى هيبة مؤسسة الرئاسة؟.
* هيكل: أرجو أن تعطينى الفرصة للإجابة عن هذا السؤال كما يجب...
أعود للحديث عن الشرعية: شرعية يوليو تأثرت ب 5 يونيو. رهان السادات كان على السلام الذى لم يقم. الرئيس مبارك جاء ومن المفترض أن يقوم بالانتقال.. فإذا بالانتقال يستمر 25 سنة!.
أعطته الناس فرصة بعد أن قدروا هذا المشهد الدموى الذى تولى فيه الحكم فى هذا البلد، جاء فى ظرف كانت البلد فيه مهددة بحرب أهلية بعد اغتيال رئيس الدولة وسط جيشه، لذا وقف الشعب إلى جواره لتتكون بذلك شرعيته.. وفيما أعتقد فإنه ليست لديه أى شرعية سوى شرعية مرحلة الانتقال... ولا يحدثنى أحد عن الإنجازات، ولا يقول لى أحد: ضربة أكتوبر..
الضربة الجوية الأولى فى احسن الأحوال هى عمل وظيفي، أما الإنجازات فعليها استفسارات كثيرة، خاصة عندما يتم مقارنتها بما فعله الآخرون.
على أى حال.. أعتقد أن هذا الرجل جاء فى ظرف شديد الدقة وكانت لديه القدرة وقوة الأعصاب والانتظار، وأظن انه كان عاقلا مع البلد.. والبلد كانت كريمة جداً معه.
مَشينا لفترة.... لكن ما حدث هو أن الانتقال تحول إلى بقاء بقاء مدة.. مدتين.. ثلاثا وأربعا... وها نحن مقدمون على الخامسة
تحدثنى عن اللهجة التى احتدت فى مواجهة الرئيس.. هناك مثال فى الفلسفة اليونانية عن شخص يتحدث إلى إمبراطور ليرد عليه الأخير: لماذا ترفع صوتك؟ .. فيجيب: لكى تسمعني.
فما حدث هو إصرار على البقاء من جانب.. مع رغبة فى التغيير من جانب آخر. شرعية الانتقال تمتد.. بينما الانتظار يطول لتغيير وتجديد حقيقي.
أخذنا لفترة طويلة فى عقد شبه مكتوب، أو متعارف عليه: الناس تتكلم كما تشاء.. والسلطة تتصرف كما تشاء، ولكن ما حدث أنه بدأت تضيق الصدور من ذلك.
مع تحمسى لمناقشة الرئيس سياسياً.. أنا لست موافقاً على اللهجة التى تقدم ولا أدافع عنها، بل أنا لا استخدمها ولا أرضاها. لكن ما أريد أن أقول هنا هو أنه: لا أحد يقدر أن يسيئ الأدب تجاهك.. إلا إذا أعطيته مبرراً أو عذراًَ لذلك.
هناك رغبة فى إصلاح، رغبة فى تغيير من أجل حياة أخرى أفضل.. رغبة فى الحياة تحت قوانين عادية، وليس قوانين طوارئ.
لا يصح أن تبرر للعمل بقانون الطوارئ لدواعى مواجهة الإرهاب.. كل الدنيا معرضة لما نحن معرضين له.. لكن الناس تضعه فى حدوده الطبيعية ولا تستنفد كل طاقات الدولة لكى تواجهها خاصة إذا كانت الدولة بالفعل لديها ترسانات من القوانين بلا حدود...
هناك مسألة مهمة.. لقد أخذنا نردد أن تكاليف الحروب أخرت تحقيق الآمال... وليكن ذلك.. لقد انتهت الحروب، وأنت وفقاً لمنظورك لن تحارب. ومع ذلك لم يعش الناس فى ظرف طبيعي.
الناس تطلب.. والقوانين موجودة وصارمة.. والحياة السياسية شبه متجمدة.. والناس فى انتظار، يتحدثون فلا ترد.
وفى هذا الجموح وأنا.. أرفع صوتى لكى تسمعني.. ولدى الناس كل العذر فى ذلك لأنهم يشعرون بهذا التجاهل الناس تتفلق... ليس صحيحاً أن نتصور أن الحرية هى أن يتكلم الناس، إنما الحرية هى أن يتكلموا وأن يشعروا أن كلامهم منعكس على قرار، لكن لا نكون ك مستشفى مجانين: ناس من خلف الأسوار يصرخون وبيخبطوا.. وخارجها من لا يهتم ولا يسمع!.
وكذلك تبدو بعض المفارقات بين ما يقال وما يجرى وهنا مرة أخري: موضوع التوريث، فأنت تنفي.. لكن الناس تلاحظ أشياء غريبة.
كريشان: الناس غير مقتنعة بهذا النفى على أى حال.
* هيكل: هذا الموضوع من شأنه أن يؤدى بالبلد إلى مشكلة كبيرة.. هناك مظاهر أراها وأتعجب لها، على سبيل المثال: ذات مرة جاء ليتناول الغداء معى ضيف بريطانى مهم وكان معه السفير البريطانى السابق جون سوايرت الذى ذهب بعد ذلك كممثل لرئيس الوزراء فى العراق.
قال لى الرجل أمام السفير الذى لم يتدخل لك أن تسألنى سؤالاً صريحاً لأجيبك عنه، ثم دعنى أسألك سؤالاً صريحاً وتجيبنى عنه.
وافقت وبدأت أسأله: ماذا يفعل حزب العمال مع الحزب الوطني؟.. أجاب: لقد طلبوا معرفة تجارب حزب العمال لأن تجربة حزب العمال بدت لهم عملية تجديد حزبى من الداخل.. كما لو أن تونى بلير انقض ب الباراشوت على الحزب وحصل عليه... هم يريدون دراسة ماهية هذه التجربة.
اهتممت بهذا الموضوع وعندما ذهبت إلى لندن عرفت أن الحزب الوطنى اهتم جداً بقسمين فى نشاط العمال البريطانيهما: قسم الدعاية.. وآخر يسمونه ب قسم العمليات القذرة.
يستطرد هيكل: عندما رأيت فى التليفزيون مؤخراً ما حدث لرئيس أحد الأحزاب أو ما حدث لأحد المرشحين عندما وقعت به المنصة.. قلت باين عليهم بيشتغلوا فى الحكاية دى ولا ايه؟!.
لننحى هذا المشهد ذا الدلالة... لكن ماذا يقول الناس؟.. يقولون إنه كلما بدت علامات شبه رئاسية على أحد.. يختفي
يظهر قليلاً المشير أبو غزالة مثلاً... ثم يختفي، لاح اسم عمرو موسى بدت له بعض الشعبية فراح الجامعة العربية!..
كريشان يقاطع: اسم هيكل.. تردد؟..
* هيكل: لا لا لا... هل من المعقول أن أتحدث عن تجديد شباب بلد فتقول أن يتولاه رجل عنده 80 سنة! ازاى يا راجل.. معقول الكلام ده.
أنا أشكو من عمر طال جداً فى ممارسة السلطة... أنا ممكن أطلب من ناس كبار فى السن أن يعطوا آراء، لكن لا يقبل ولا يعقل أن يتحدثوا عن مستقبل بعيد المدي.. لا يوجد بلد يتحمل ذلك، وعندما قام به الاتحاد السوفيتى وقع.
يعود إلى الحوار: عمرو موسى كما قلت تواري... يظهر شخص مثل عمر سليمان ويمضى فى الموضوع الفلسطينى ومشاكل قطاع غزة.. وهكذا.
أرغب صادقاً فى أن أصدق ما يقال لي... أنا أعتقد أنه مهم جداً أن يسير هذا البلد فى مسار التقدم الطبيعى ولا يعترض بحاجات صغيرة.
فى حياة الأوطان.. أعلم أن هناك حلماً قد يتحول إلى كابوس، لكنى لا أعرف كابوساً يتحول إلى حلم!. هذا لا يصلح، حرام.
كريشان: قبل قليل أشرت إلى مسألة تضخيم الإنجازات.. هناك كذلك تورم فى موضوع الوعود: عندما يأتى الرئيس مبارك وهو مرشح الحزب الوطنى ليتحدث عن ألف مصنع جديد وعن أربعة ملايين فرصة عمل جديدة وثمانين ألف وحدة سكنية جديدة، 2 مليون فدان أرض زراعية..هكذا، ما يكتب فى تعليق الصحف المصرية واضح: انتم لم تحققوا ذلك فى 24 عاما.. فكيف لكم أن تحققوه فى 6 سنوات، وهناك من تساءل من هو مطلق هذه الوعود.. حسنى مبارك الرئيس أم حسنى مبارك مرشح الحزب الوطني...
* هيكل: عندما رأيت الإمام الخومينى فى باريس قبلما يذهب إلى إيران تحدث معى عن إعجابه بالشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر السابق فى الستينات... ثم اخبرنى أنه قلق بشدة من فقهاء السلطان.
ما أريد أن أقول هو أن السلطان قد استبدل فقهاءه ب دكاترة السلطان..!.
حزب الوفد ويجب أن نقر بهذا قدم نعمان جمعة رئيسه نفسه فى شكل محترم وبالمناسبة أنا لا أعرف الرجل. بشكل يحترم الناس.. قدّم نفسه كخليفة ل مصطفى النحاس وخليفة ل سعد زغلول، لم يقدم نفسه معارضاً متمرداً على مصطفى النحاس لأنه دخل الوزارة فى ظل حادث 4 فبراير على الدبابات الإنجليزية، أو بفضائح الكتاب الأسود... لكنه قدم نفسه خلفاً للنحاس باعتبار الأخير رمزاً للوطنية الصامدة فى مرحلة من المراحل.
الفارق فى الحملة بين الاثنين أن حملة الوفد أديرت من داخل البيت الوفدي... لكن حملة الحزب الوطنى مع الأسف الشديد أديرت بما نسميه حرس جديد.. حرس قديم.. أياً كان فإن هذا الحرس الذى ظهر أمامى ليقوم بهذه الحملة: حرس ليس له علاقة بالتاريخ.. ولا بالمستقبل، هذا الحرس يتحدث عن هذه اللحظة.. لقد تنكر هؤلاء لأساس شرعيتهم وهم فى السلطة التى لم يدخلوا فيها إلا بسبب هذه الجذور، هنا أجد أيضاً فارقا أخلاقيا.
من الظواهر الموجودة فعلاً فى المجتمع المصرى فقهاء السلطان.. ودكاترة السلطان.
كريشان: هل هذا ما يفسر بروز بعض المقارنات فى الصحف المصرية بين مبارك وناصر والسادات فيما يخص الملابس والشياكة، الكاريزما، الطلاقة فى الحديث؟... فعندما تحدثوا على أن الرئيس مبارك قد خلع الكرافتة.. تحدثوا عن عبد الناصر باعتباره كان أنيقاً ولكنه لم يكن يستورد ملابسه من الخارج.. أى أن المقارنات قد دخلت حتى فى هذه التفاصيل..
* هيكل: كل واحد فيهم يمثل مرحلة... فى مرحلة جمال عبد الناصر كنت تخجل من ركوب سيارة كبيرة، تخجل من أن تأتى ببذلة مستوردة من الخارج، القيم الموجودة تفرض نفسها على جميع أفراد المجتمع، عبد الناصر لا يدارى عندما قال: أنا أمثل الفقراء والطبقة المتوسطة وليس أكثر.
أنور السادات جاء وكان لديه اختيار اجتماعى آخر.. فى ظروف مختلفة.
أنا حزنت عندما رأيت الرئيس بدون كرافتة فكرت أن آتى لك اليوم بدونها.. حتى أكون مسايراً للعصر والموضة الآن.. لكنى لم أستطع.
كنت أتوقع أن تسألنى عن الإنجازات...
لقد تحدثنا عما تم فى السياسة خلال العشرين سنة الماضية... لكن دعنا نتحدث عن الإنجاز الاقتصادى فى هذه السنين، هى أرقام ولن أزيد عليها أرقام البنك الدولى وصندوق النقد الدولي.. تقول الأرقام: إن الناتج القومى للمغرب سنة 1982 هو 15 بليون و 2.4 دولار.. زاد خلال العشرين سنة بنسبة 183%، تونس زاد بنسبة 208.6%، أما مصر فى هذه الفترة زادت 126%... أى أن ما أنجز فى مصر هو أقل مما أنجز فى المغرب وتونس، الصين 438%، كوريا الجنوبية 712%، ماليزيا 285%، تايلاند 301%... لا يقول لى أحد إن هناك إنجازات خارقة محصلش كل ما حدث هو حراك لمواقع الثروة.
ويلفت البنك المركزى المصرى النظر إلى أمر غريب.. إلى ظاهرة لوحظت ابتداء من 1994 : 1995 وهى ظاهرة العمالة الهامشية الذين يبيعون مناديل كلينيكس أو فول أو أشياء أخرى متعددة عددهم 6 ملايين، هؤلاء الناس كان يتم استيعابهم فى الخليج، لكن بعد حرب الخليج تغيرت الأمور.
هذه الملايين الستة لا تقوم بأعمال حقيقية ربما يكون بينهم مليون على الأكثر هو الذى يقوم بعمل حقيقي.
عندما تقول لى إنك تصدر الكهرباء فأنا لا أعلم.. هذا الكلام جيد أو سيئ؟ فهذه الكهرباء تنشأ عن احتراق غاز فى محطات حرارية، لكن تعال لنحسب التكاليف!.
أنا بلد فقير فى مصادر الطاقة، فأنا احتاجها للأجيال القادمة... لا أستطيع سد عجز الميزانيات دون أن أبيع موارد واُسيلها.
بالنسبة للغاز للأسف الشديد قمنا بعقد لمدة 15 سنة مع بلدان.. مع إسرائيل. عندما أقدمت على توقيع هذه الاتفاقيات كان سعر المتر المكعب أكثر من دولار، اليوم أصبح ب 6 دولارات... ونحن قمنا بتوقيعها بأسعار ثابتة ولمدد طويلة.
بلد فقير فى الطاقة كيف يصدر غازاً وبهذا الشكل؟!... أمامى إيران وهى دولة كبيرة منتجة للبترول تقول للعالم كله إنها غير مطمئنة!.
النسب لا تقول إن هناك معجزة، ولا أريد أن أدخل فى نسب أكثر من ذلك.
أنت حتى اليوم تعيش على دخل قناة السويس وعلى اكتشافات البترول السابقة.
كريشان: تحدثنا فى البداية عن فواتير مستحقة بعد الحفل على مصر، هل من ضمن هذه الفواتير ما تدفعه مصر فى ملفات عربية وإقليمية؟
* أجاب هيكل بحديث عن احتلال العراق فى أبشع صوره الآن... وعن الحصار المتزايد لسوريا، وأضاف: لبنان لا يحكمها لحود أو سواه فعلياً... من يحكمها هو شيمون بيريز عن طريق تيرى لارسون مندوب الأمم المتحدة فى الشرق الأوسط وهو الرجل الذى قام بترتيب أوسلو هو تلميذ نجيب ومخلص جداً ل بيريز.
أننى أتمنى أن يقوم مخرج سينمائى بتصوير الأيام الأخيرة فى حياة عرفات... أنا لم أكن أعرفها، حتى قابلت شخصاً أثق أنه يعرف الحقيقة فى ذلك الموضوع...
عرفات أحس أنه سُمم، ونادى اثنين من رفاقه وقال لهما: طالوني.. طالونى هذه المرة... ثم أعطاهما كشوفات الحساب الخاصة بالسلطة الفلسطينية، فقال له أحدهما: لنفعل مثلما حدث مع خالد مشعل.. ونحاول أن نحصل على ترياق مضاد للسم.. قال عرفات: مش هينفع.. لأن خالد مشعل كان فى ضيافة الملك حسين.... فالملك حسين اعتبر أن تسميمه فى عمان إهانة له، وحينما غضب واحتج حرص الإسرائيليون على ألا يفسدوا علاقتهم معه، وهى علاقات لها خصوصيتها بالنسبة لهم
قال لهما عرفات: ..أنا لست فى ضيافة أحد مع الأسف..، فاقترحا عليه مخاطبة حكام فى العالم العربي، فأجاب لا تكلموهم.. لن يساعدكم أحد.
كان عرفات يريد أن يموت فى المقاطعة.. لكنهم ذهبوا به إلى فرنسا، وأنا أعلم أن الفرنسيين سألوا عدداً كبيراً من الدول عن علاج للسم، بما فيها إسرائيل.. التى أنكرت علمها بشيء... ليس هناك فى العالم العربى من لا يعرف أن هذا الرجل قد مات مسموماً.. ومع ذلك فالكل ساكت.
توجد دراما فى هذه الأيام الأخيرة لعرفات.. أعتقد أن فيها دراما العالم العربى كله.
عن أى استحقاقات نتحدث اليوم؟... العرب أعطوا كل ما عندهم.
كريشان: أفهم من كل هذا أنه إذا جيء بكل هذه الفواتير أمام مصر بعد هذا الحفل الذى نحن بصدده تكون إما غير قادرة على الدفع، أو غير قادرة على أن تقول لا لدفع بعض الفواتير..
* هيكل: أنا لا أريدك أيضاً أن تحرجنى أكثر من اللازم وأنا أقولها لك بأمانة، لدى الشجاعة أن أقول كل حاجة، أو ما يمكنك حتى أن تعتبره تهوراً... لكن ما يعز على فى الحقيقة هو أن اقف فى موقف صدام بهذا الشكل تضيع فيه المسافات بين مصر السياسية ومصر التاريخية.
بمعنى أن الإدارة الحالية الموجودة فى مصر لا تعنينى فى شيء، لكنى أخشى باستمرار أن أتجاوز فى حديثى عن الحد فإذ بى انتقل من مصر السياسية إلى مصر التاريخية.
مصر التاريخية تعنى عندى الكثير، تعنى وطناً يستحق أكثر بكثير مما هو فيه... عندما يطرح مثلاً منطق التوريث أجد أنه من غير المعقول أن: نبدأ دولاً.. تنتهى إلى قبائل، ثم نصبح عائلات وفروع من العائلات أيضاً.. هذا غير ممكن.
مصر التاريخية غالية جداً عندي.. أما مصر السياسية فقابلة للتغيير.. وأنا مختلف حالياً معها.
من أهم الأمور التى حدثت فى مصر خلال الفترة الماضية أنه لأول مرة منذ زمن طويل للغاية: يصبح المجتمع أقوى من نظام الحكم.
أعلم أن نظام الحكم يتصور أنه يستطيع أن يطوق أى حركة.. كما أعلم أن مهندسى تعديل المادة 76 الذين قاموا بها كانوا يتصورن منطق الدائرة: يدخلون فى الدائرة ويجرون الناس معهم إلى الدائرة... وأن ننتقل من مطلب أننا نرغب فى دستور جديد إلى تعديله.. ثم إلى تعديل إحدى مواده ووعد بالمزيد... أعلم كل هذا. لكن ما ينبغى أن نلتفت إليه هو أن الحياة السياسية المصرية دبت فى أوصالها قوة لابد أن تلاحظ..
القضاء على سبيل المثال... وعندما نتحدث عن القضاء لابد أن نلاحظ أولاً أنه لم يتطفل على موضوع الانتخابات.. إنما طلبوا منه أن يغطى هذه العملية، لكنه رفض تغطية الأخطاء، ومثله فى هذا المطلب نادى القضاة.
نادى القضاة هو المجال الذى يتحرك فيه مجتمع القضاة بعيداً عن نفوذ وزارة العدل. لذا تجد فيه نوعاً من الحياة.
رفض القضاة أن يكونوا غطاء لأى خطأ.. ثم رفضوا بشدة تعديل المادة 76 من الدستور.
العجيب أننى أجد هذه المادة 76 مناقضة تماماً لمادة أخرى فى الدستور هى مادة 68 التى تقول: لا يمكن إصدار قرارات لا يجوز الطعن فيها.
يقول أحد القانونيين المهمين عن المادة 76: أنا أمام مادة خنثي.. لا ذكر ولا أنثي.. ولا أعلم كيف يمكن التعامل معها!.
إلى جانب القضاء أرى حراكاً فى الشارع المصري، أرى حركة مثل كفاية... حتى فى مجتمع الإنترنت الذى لا نراه أقرأ موضوعات لناس لا أعرفهم.. أحدهم يكتب تحت اسم مستعار بهية لكنى حريص على قراءة أى مقال يظهر لها باهتمام واحترام.. أكثر من أى مقال لصحفيين يكتبون فى جرائد.
هنا حياة ومجتمع ينبض وشباب يتحرك... بالتالى فعندما تسألني.. هل تقدر مصر على دفع الاستحقاقات؟.. فإن ما أعرفه هو أمر واحد بشكل أساسي: إن هناك حراكاً وهناك مقاومة داخل البلد هى ما سوف تجيب عن هذه الأسئلة.
 
إعداد: محمد بدر الدين - أمير مصطفى المنفلوطي
 

Share
تعليقات:
الإخوة / متصفحي موقع الوحدوي نت نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع