ثورة اليمن .. نموذج عربي فريد
د. خالد الناصر
د. خالد الناصر
 

تحل هذه الأيام الذكرى الأولى للثورة اليمنية المباركة التي انطلقت شرارتها من مدينة تعز ذات التاريخ الحافل والمشرف في تاريخ الشعب اليمني ونضاله من أجل الحرية والتقدم والوحدة. وبالطبع فإن ثورة الشعب العربي في اليمن بالرغم من توفر كل العوامل الداخلية التي استدعتها لم تكن حدثاً معزولاً عن المد الثوري الذي اجتاح الوطن العربي من مغربه إلى مشرقه ومن شماله إلى جنوبه ؛ منذ أن شبت شعلتها في تونس بعد أن أحرق محمد البوعزيزي جسمه احتجاجاً على أوضاع الظلم والفساد وإهدار الكرامة الإنسانية السائدة في وطنه الذي أصبح مزرعة للحاكم وأسرته وبطانته والأجنبي الذي يملي عليه سياسته حسبما تقتضي مصالحه ومطامعه . الوحدوي نت

وللحقيقة فإن أوضاع كل الأقطار العربية كانت تتشابه في خطوطها العامة مع الأوضاع التي أذكت ثورة الشعب في تونس ، فكلها تنضوي تحت هيمنة القوى الاستعمارية وبالدرجة الأولى الولايات المتحدة الأمريكية وتخضع لإملاءاتها بشكل مذل ، وكلها تخضع لأنظمة حكم مستبدة فاسدة تمتص دماء الشعب وتمارس عليه كل صنوف القمع والاضطهاد ، وتتآمر على مصالح الأمة دون حياء أو خشية ، ومع ذلك لا تجد حرجاً في الترويج لاستمرارها عبر توريث السلطة من الأب الحاكم إلى الابن أو الأخ أو الصهر !..

لذلك ما أن اندلعت الثورة في تونس حتى ماجت الأرض العربية كلها لتنتقل إلى قلب الأمة مصر فتقتلع نظاماً كان يعتبر معقل الردة العربية عن كل ما مثلته ثورة 23 يوليو من قيم التحرر والتنمية المستقلة والسعي لتوحيد الأمة ، نظاماً كان الوكيل الأساسي للمصالح الأمريكية والصهيونية في المنطقة ، تقتلعه في أقل من 3 أسابيع مطلقة عقال الثورة في كل أرجاء الوطن العربي ومثبتة بالدليل النضالي العملي وحدة هذه الأمة .. وحدة مشاكلها ووحدة الأعداء الذين تواجههم ووحدة أسلوب المواجهة معهم جميعاً .

في اليمن تجمعت كل هذه العوامل من حيث وجود نظام مرتد عن الخط الوطني والتحرري منذ اغتيال الرئيس الشهيد ابراهيم الحمدي ثم إعدام القيادات القومية البارزة وعلى رأسها الشهيد عيسى سيف بعد حركة اكتوبر 1977 لتستقر الأمور منذ ذاك لعلي عبدالله صالح الذي قاد البلاد إلى الارتماء في حضن الرجعية الخليجية والتبعية للإمبريالية الأمريكية لدرجة فتح سماء اليمن للطائرات الأمريكية تنتهك السيادة الوطنية وتقتل من تشاء تحت دعاوى مكافحة الإرهاب ووجود القاعدة التي استخدمها كفزاعة لاستدامة الدعم الخارجي لنظامه المستبد . ومع استمراره في السلطة لمدة تقترب من ثلاثة عقود ونصف حول البلاد إلى مزرعة عائلية يتربع فيها أبناؤه وإخوته وأصهاره على رأس مفاصل الحكم الحساسة وبدأ يعد العدة لتوريث ابنه أحمد من بعده . والأسوأ من ذلك استمر في التلاعب بوحدة البلاد ونسيج المجتمع اليمني وهو يظهر أنه الحريص عليها ففي حين قاد القتال ضد انفصال الجنوب استمر نظامه في استمرار سوء المعاملة للمحافظات الجنوبية وإذكاء روح التمييز بين الشمال والجنوب مما أدى إلى نشوء الحراك الجنوبي الذي تطرفت بعض أطرافه للمطالبة بالانفصال ، كما استغل المسألة الطائفية في حروبه المتكررة مع الحوثيين في صعدة في حين أن جوهر المسألتين هو تراكم إهمال المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تفاقمت في كلا الجزئين من اليمن الغالي ، ناهيك عن إذكاء الروح القبلية وتأليب القبائل بعضها على بعض . يضاف إلى ذلك ترويض فصائل المعارضة وتقريب بعضها وإبعاده حسب الحاجة حيث تحالف مرة مع الحزب الاشتراكي ثم أقصاه وبعد ذلك مع الإصلاح ثم انقلب عليه ، وحتى لما تجمعت أحزاب المعارضة ضمن تحالف اللقاء المشترك رأيناه يناور معها ويلعب معها لعبة الديموقراطية الشكلية المزيفة .

 

وفي ذات اليوم الذي أسقط فيه الشعب العربي في مصر رأس الفساد حسني مبارك انتفض المارد العربي في اليمن معلناً انطلاق ثورته متجاوزاً كل التشكيلات السياسية معتمداً على شبابه وقواه الشعبية مباشرة ، رافضاً استمرار هذا النظام الذي طال جثمانه على صدر اليمن الأبي . ومنذ اللحظة الأولى كان طابع هذه الثورة سلمياً وشعبياً متجاوزاً لكل طرح ايديولوجي أو حزبي ، وبذلك أكدت التعريف الذي أطلقه جمال عبد الناصر في ميثاق العمل الوطني بأن الثورة عمل شعبي وتقدمي ، كما أكدت صحة مقولته بأن الشعب هو القائد والشعب هو المعلم .

ورغم كل الأساليب التي مارسها النظام من استخدام العنف المفرط وسقوط الشهداء كان إصرار الثوار على مقابلة الرصاص الحي بالصدور العارية والتمسك بسلمية الحراك رغم كل الاستفزاز من جهة وإغراء اللجوء إلى السلاح المتوفر كما هو معلوم في كل بيت يمني ، ورغم وجود النزعات القبلية ومحاولة النظام إذكاءها والتحريض عليها ، ورغم الانشقاق الكبير في الجيش اليمني بحيث كان مغرياً استخدام القطعات العسكرية التي انضمت إلى الثورة في حسم الصراع الذي طال كثيراً . لقد قدم الثوار بإصرارهم على سلمية الحراك وعلى الطابع الشعبي المتخطي لكل النزعات القبلية والطائفية والمناطقية والحزبية مثالاً يحتذى للثورة في أبهى صورها الأخلاقية الراقية حيث ينصهر الشعب كله في بوتقة واحدة تتجاوز كل معوقاته وأشكاله ما قبل المجتمعية التي كانت تمزقه ؛ حيث رأينا أبناء الحراك الجنوبي إلى جانب أبناء الشمال وأبناء صعدة وكل المحافظات الأخرى والقبائل ، المدنيين والعسكريين في ساحات الحرية والتغيير جنباً إلى جنب يرفعون نفس الشعارات ويواجهون نفس المخاطر ، كما رأينا المشاركة الرائعة والفعالة لنساء اليمن الممتلئات حماساً وإصراراً لدرجة أدت إلى انتزاع تقدير العالم .

والآن وقد فرضت الثورة رحيل رأس النظام الفاسد وفتحت الباب أمام التحول إلى نظام ديموقراطي تعددي سليم لم تتراخى همة الثوار لأنهم يدركون أن المطلوب رحيل النظام كله بكامل أركانه الأمر الذي تحاول التحايل عليه دول الخليج والقوى الدولية لمنعه عبر المبادرة الخليجية التي يحاولون بها إجهاض هذه الثورة العظيمة ، ولكن هيهات لأن شعب اليمن الواعي مصمم على استكمال ثورته حتى نصرها الكامل بإذن الله .

 

 

 
في السبت 11 فبراير-شباط 2012 09:42:10 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=708