القارب الأخير
صقر الصنيدي
صقر الصنيدي

لم يكن البحر هادئا، كانت أعماقه تشهد موجة اضطرابات، وكان على سطح ماء البحر الأحمر قارب خشبي صغير يخشى من فيه الغرق.

كان مختار الخنشلي محتفظا بحبات البُن التي جلبها في أكياس صغيرة معه من قرى حراز المطلة على البحر البعيد بما يفوق الألفي متر.

وكان خوفه على نفسه يقارب خشيته على فقدان ما لديه من ما جعلته الحرب ثروة ينتظرها زبائنه في محل للقهوة عند جادة أحد شوارع نيويورك.

وحين وصل إليهم بعد رحلة العناء الطويل سرد مختار قصة الهروب عبر البحر وعبر القارب الأخير وكيف وصلت حبات معلقة في أشجار منسية في إحدى بقاع العالم المجهول الى عالم الأضواء والايقاعات.

يعمل الخنشلي وهو شاب ولد في الولايات المتحدة الامريكية وفقا لنظرية روبرت جيه شيلر رجل الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل والذي لاحظ أن القصص هي المحرك لاتخاذ قرارات كبرى وخاصة بشأن الاختيارات الاقتصادية.

وفي دراسته بعنوان اقتصاد السرد سلط شيلر الضوء على التأثيرات التي قد تخلفها القصص على الاقتصاد.

وهو ما يمضي عليه مختار ويكرسه عبر سرد قصة منتج فريد في بلد مغلق ومشتعل بالحرب حتى أن واحدة من زبائنه قالت لتقرير بثته قناة السي بي سي الامريكية إنها تتذوق التاريخ في نكهة قهوة اليمن.

قبل أيام فقط وفي مبنى تاريخي وسط جامعة إسطنبول استحضر أستاذ جامعي قصة حاول بها مقاربة ما آلت إليه اليمن.

فحين رأى ملك بابل في منامه، كما ورد في التوراة حلما قضّ مضجعه جمع كل منجّمي زمنه وقال إن بقاءهم في الحياة مرتبط بتفسير حلمه.

ولما أرادوا سماعه كان قد نسي الحلم، وكان عليهم أولاً أن يجدوه ثم يفسروه، عندها تذكروا النبي دانيال.

اليمن دانيال الذي نُسي تماما، قال الأستاذ التركي الذي كان يلقي محاضرة حول اليمن مكررا "لقد نسيناها كما حدث مع دانيال".

كل الأحداث وكل الأحاديث التي تدار حتى على المستوى البسيط توحي أننا نحتل جزءاً في ذاكرة العالم، لا من واقعه، جزءاً ربما مشرقا لكنه يظل تاريخا.

نحضر حين يتحدثون عن الماضي وكأننا وجدنا فقط لتذكيرهم بما كان عليه البشر.

في لقاء أجريته مع رسامة فرنسية في صنعاء مطلع القرن وترجمه، نبيل قاسم قالت إن أكثر ما شدّها الى اليمن هو صورتها في أعين الناس القادمين من الماضي.

الناس الذين يرتبطون بالأمس أكثر من اليوم

قالت إن الماضي ما زال حاضرا في موقعنا الجغرافي وإن قليلاً من التغيرات قد مستنا لكنها أصلحت عبارتها 

 " لم تمسس أراوحكم الحضارة المادية "

العالم بعد الآن وحتى قبل ذلك ليس مضطرا لإصلاح عباراته وتطبيب جروحنا وقلة اهتمامه وتدني متابعته لما آلت إليه أوضاعنا يزداد يوميا 

لأننا ببساطة بالغة لا نشكل قطرة في المستقبل وإن كنا نمثل بحارا في الماضي.


في الأربعاء 22 نوفمبر-تشرين الثاني 2017 11:35:07 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=3421