لموجود والغائب في الخطاب الديني
د. عمر عبد العزيز
د. عمر عبد العزيز

يمكننا التعبير عن العنوان ذاته على النحو التالي، فنقول أيضاً العلاقة بين الوجود الظاهر والما وراء المُستتر، وهي ثنائية متفارقة من حيث الظاهر، لكنها ليست كذلك في جوهرها، فما هو مُستتر غائب سيظهر بعد حين، وماهو حاضر مرئي سيغيب بدوره، كأننا هنا أمام دورة تبادلية بين المرئي واللا مرئي، وهي الدورة التي تحدد ماهية الوجود وعلى نحو صارم، فالوجود ليس ما نراه وندركه ونعرفه، بل أيضاً مالا نراه ولا ندركه ولا نعرفه، ولهذا كان العلم قرين الغيب، ذلك أن العلم تعريفاً ليس أكثر من «علم ما لم نكن نعلم»، وبالتالي كان العلم ومازال ضرباً من الإبحار في الغيوب الغائبة والحجب المستترة، ولهذا سُمِّي: «علماً بعد جهل، ورؤية بعد عمى، وحضوراً في كنه الأشياء وجواهرها بعد غياب عنها واحتجاب عن أنوارها».

عند الإمام محمد ابن حامد الغزالي ليس العلم إلا إبحاراً في الغيب، فما لم تكن تعرفه كامن في تضاعيف الغائب المجهول، وما تعرفه بعد حين ليس إلا انكشافاً لما كان غائباً مجهولاً، وبهذا المعنى يظل المتعلم الباحث عن المعرفة في تنكُّب دائم لمسيرة لا تنقطع، ومعلومات لا تستنفد، وحقائق تنبجس تباعاً كما لو أنها سيل عارم يتدفق من دون توقف.

وعلى خط متصل يتحدث الفيلسوف الروماني الراحل «بيتري تسوتسيا» بلغة عيسوية، محدداً علاقة الإنسان بالمعرفة من خلال الحقيقة المجردة، قائلاً إن الإنسان بوصفه حيواناً عاقلاً وقابلاً للكمال النسبي، لا يمكنه معانقة الحقيقة دونما وحي إلهي يتنزَّل عليه عبر الطرق السالكة للإبحار في الغيوب، ولهذا ينزع الإنسان نحو الكمال لكنه لا يطاله، فالكمال للحق فحسب، ولهذا السبب فإن التفكير بالمعنى الديني الشائع ليس ديناً بالمعنى الصفائي المطلق، بل هو دين تشريع دنيوي يفارق المقاصد النبيلة، ومن يدعي أنه عالم دين يطال النقاء والصفاء ليس من الأدعياء المفارقين لمقاصد الشريعة، بل إنه يتحرك في إطار الحكمة، لكونه باحثاً عن المعرفة التي تتناسل دونما حد وحدود.

قال «بيتري» وهو بصدد الإشارة اللَّماحة لمعنى العوالم: إن هنالك عالمين.. عالم الحقية المطلقة المقرون بالحق، وعالم الأعراف النسبية المقرون بالإنسان، فإذا كان العالم الأول قرين الكمال، فإن عالم البشر قرين المحدودية وعدم الكمال، وهكذا يصبح الإنسان الباحث عن الحقيقة مُجبراً على التداعي مع كونه يتلقى تلك الحقيقة، فتأتيه من حيث لا يحتسب، ومن هنا كان الإنسان التواق للكمال النسبي، متصالحاً مع نفسه.. مقراً بمركزية الغيب.. مؤمناً بانه لا حقيقة من دون الحق، ولا معرفة من دون العقيدة.

ويقول أيضاً: من دون المعرفة والحق يصبح الإنسان مجرد حيوان عاقل جاء من اللا مكان ويذهب إلى اللا مكان، وهذا يتناقض مع الحقيقة الوجودية.

عند المناطقة البرهانيين الأوروبيين كانت الميتافيزيقا قرينة البُعد الآخر الموازي للوجود، وكانت بلغة الديالكتيك الفلسفي كل ما ينتمي للما وراء، وكان الما وراء بحسب الفلسفة المادية الجبرية تُعْنَى بأديان الشريعة وميثولوجيا الاستيهامات النظرية، وكثيراً من الرفض الإجرائي لدواعي العلم المادي المجرد، وبهذا المعنى قدمت المادية الجدلية مقاربة ثنائية، فعقدت مواجهة صراعية بين المادية الديالكتيكية والميتافيزيقا الدينية، وكان هذا الصراع المنعقد بينهما يتخطَّى البُعد النظري، ليتحول إلى صراع دنيوي يتدثر به المتصارعون طبقياً، فيستخدم الطرف المادي البرهاني أداة العلم والتجريب والمشاهدة، فيما يستخدم الطرف الميتافيزيقي أداة الدين، وكامل الاستتباعات المتعلقة بالدين الأرضي الذي اختطفه البشر من منابع الصفاء الأول، ليتحول إلى أداة من أدوات الدنيا.

تلك كانت معركة فلسفية تاريخية احتدمت في أوروبا منذ سافونارولا، وتوما الأكويني، وجوردانو برونو، مروراً بجان جاك روسو، ومنتسيكيو، وتواصلت تباعاً لتصل إلى ذروتها الجدالية مع ماركس وهيغل وفورباخ وإنجلز.

اليوم نتحدث عن الميتافيزيقا بمعناها الواسع الذي يتقاطع مع الرؤية المتجددة التي تستحق تأصيلاً جديداً كما قد نفعل لاحقاً.

 

*الخليج الإماراتية


في الأحد 18 ديسمبر-كانون الأول 2016 11:19:24 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=2994