الحوثي وصالح تحالف مرهون بعداء
ميساء شجاع الدين
ميساء شجاع الدين

بعد ست سنوات من الحرب بين الجيش اليمني في عهد الرئيس السابق علي عبد الله صالح وجماعة الحوثيين؛ تشهد العلاقة الآن بين الطرفين تحالفاً سياسياً وثيقاً.

وعلى الرغم من التباينات والعداوات القديمة التي تجعل من هذا التحالف هشّاً؛ فإنه استمرّ لمدة عام ونصف حتى الآن بالتزامن مع الحرب التي يقف فيها الطرفان سوية ضد مجموعة خصوم محليين وتحالف إقليمي. هذه الاستمرارية لا تنفي تعرّض هذا التحالف لهزات سياسية امتصّها الشعور المشترك بالخطر، ناهيك عن تحولات داخل التحالف، حيث كان في البداية مركز الثقل فيه من نصيب صالح، وتحوّل فيما بعد إلى رجحان تامّ لصالح الحوثي.

قبل سقوط العاصمة صنعاء في 21 أيلول/سبتمبر عام 2014 ثم اجتياح الحوثي للجنوب والتدخل العسكري السعودي في 26 آذار/مارس 2015؛ كانت المسارات السياسية كلها تتجه لوضع هذين الطرفين في سلة واحدة منذ توقيع المبادرة الخليجية في 23 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2011، التي أضرّت بمصالح علي عبد الله صالح، ولم تشمل الحوثي.

وعلى الرغم من ذلك فإن الطرفين لم يشهدا إقصاءً سياسياً تاماً، حيث شاركا بمؤتمر الحوار الوطني الذي دام عشرة أشهر منذ آذار/مارس 2013 حتى كانون الثاني/يناير 2014، لكن هذه المشاركة كانت تتربص بلحظة الانقضاض على اتفاق سياسي، رغم هشاشته الواضحة. لأسباب عديدة تتعلق بطبيعة تركيبة كلا الطرفين وتفكيرهما. إذ جمعتهما العصبية الواحدة، والاعداء المشتركون، ورفض الفيدرالية.

العنف مسار إجباري:

جماعة الحوثي هي جماعة عقائدية تعتنق مفاهيم زيدية أصيلة. تجيز التمرد المسلح ضد الحاكم الظالم. وتؤسس لشرعية الحكم بمفهوم الغلبة بشكله الراديكالي المنتمي للعصور الوسطى. الأمر الذي ينمي شعورها بالخطر تجاه أي مسار سياسي يخرج عن مفهوم الغلبة. ونشأت الجماعة ضمن حروب ستة، الأمر الذي غلّب عليها الطابع العسكري-الأمني. في حين بقي جناحها السياسي هشّاً ولا وزن حقيقي له.

وإذا كان زعيم جماعة الحوثي عبد الملك الحوثي يمثل القرآن بصفته قائد المسيرة القرآنية؛ فإن أنصار علي عبد الله صالح يلتفون حول شخصه كمصدر أمان لمصالحهم بسبب حالة الفوضى التي عمّت البلاد بعد تركه السلطة. ويرون أنه الأحق بالسلطة، وأن ما جرى عام 2011 لم يكن أكثر من انقلاب ومؤامرة لا يعترفون بنتائجها. وكان السلاح بالنسبة لهم هو المُرجِّح النهائي. وقد سهّل من ذلك استمرار ولاء جزء كبير من الجيش اليمني لعلي عبد الله صالح. لأسباب عديدة أبرزها عملية هيكلة الجيش التي قام بها الرئيس عبد ربه منصور هادي. التي أظهرت عداءه للحرس الجمهوري، المكوّن الأكبر والأكثر كفاءة داخل الجيش والذي كان تحت قيادة ابن الرئيس السابق صالح "أحمد"، الأمر الذي عزّز من انقسام الجيش اليمني.

هذه الفكرة المركزية لديهما تجعلهما على عداء لأي دعوة للمشاركة السياسية، حتى لو كانت مشاركة بمفاهيم المحاصصة أكثر منها بمفاهيم الديمقراطية. وقد تعززت هذه الفكرة مع الأداء السياسي الباهت لهادي، الذي عوّل على شخصيات فاسدة وعديمة الكفاءة داخل الجيش ما أدى لفقدان الثقة فيه كرئيس دولة. وخاصة بعد تخليه عن دعم أحد أكبر ألوية الجيش اليمني (لواء 310) في قتاله المنفرد لمدة ستة أشهر بمحافظة عمران شمال صنعاء، حيث لم ترسل فيها الدولة أي دعم جوي حقيقي لقواتها المسلحة في معركتها ضد الحوثي حتى سقط اللواء وقُتِل قائده حميد القشيبي في 8 تموز/يوليو 2014.

دافع الانتقام والعداء:

ساهمت العقوبات الأممية التي تمّ فرضها بعد معركة عمران، في 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2014 على الرئيس السابق صالح وابنه أحمد إضافة لقياديين حوثيين؛ عبد الخالق الحوثي وأبو علي الحاكم، في جعل الطرفين في خندق واحد ضد المجتمع الدولي والإقليمي الراعي للمبادرة الخليجية. كما شكّل حزب التجمع اليمني للإصلاح، وهو حزب يجمع تحالفات قبلية ودينية "سنية" من أخوان وسلفيين؛ عدواً مشتركاً أكثر إلحاحاً لدى الطرفين، وحّدهما وأجّل تصفية الحسابات القديمة بينهما.

فالحزب بالنسبة للحوثي هو الجماعة السياسية الأكثر منافسة في مناطق نفوذه. حيث تحوّلت بعض القبائل من موالاة الزيدية لموالاة حزب الإصلاح. أما بالنسبة لعلي عبد الله صالح؛ فالحزب كان حليفه لوقت طويل حتى بدأت العلاقة تفتر تدريجياً بعد هزيمة الحزب الاشتراكي عام 1994، ثم انتقلت لمرحلة التجاذب منذ عام 2006 بعد رفض بعض القيادات القبلية للحزب وحلفائه العسكريين لخطة توريث ابن الرئيس، أحمد. ناهيك عن شعور صالح أن حزب الإصلاح خدعه بعد مرحلة تحالف طويلة، وخاصة بعد محاولة اغتياله.

لحزب الإصلاح تحالفات عسكرية مهمة داخل الجيش اليمني، أبرزها مع علي محسن الأحمر قائد الجيش اليمني حتى ظهور أحمد علي عبد الله صالح عام 2000. وعلي محسن من قبيلة علي عبد الله صالح وقريته ذاتها. وقد توترت العلاقة بينهما بعد ظهور ابن الرئيس، وانتهت بخصومة عندما انشق علي محسن عن النظام معلناً انضمامه لثورة 2011. إن طبيعة التقارب القبلي وتداخل المصالح الطويل بين هذه الأطراف زاد من حدة الخصومة والعداء، الأمر يفسر رغبة صالح القوية في الانتقام.

الطابع الانتقامي كان واضحاً منذ معركة عمران، عندما فجر الحوثيون منزل آل الأحمر في شباط/فبراير 2014. ثم عندما دخلوا صنعاء واستهدفوا بدرجة رئيسية خصوم الرئيس صالح، كاقتحام منزل محمد قحطان بعد إسقاط صنعاء، وهو أحد قياديي حزب الإصلاح، وصاحب التصريح الشهير أثناء ثورة 2011: إن صالح لم تعد سيطرته تتجاوز غرفة نومه! الأمر نفسه حدث في المناطق التي كان ينتشر فيها حزب الإصلاح في أقصى الشمال، أو عرفت بمعارضتها لصالح. حيث دخلها الحوثيون ونكّلوا بشكل واسع بالأهالي، كتفجير المنازل الذي حدث في منطقة أرحب، في حين مر الحوثي بهدوء من مناطق نفوذ صالح، ولم يحاول السيطرة عليها أو استعراض وجوده فيها.

مشروع الفيدرالية ودوره في تعزيز العصبية:

ينقسم اليمن بين زيدية/شيعية وشافعية/سنية، وهذا الانقسام هو في الأصل انقسام مناطقي بين شمال صنعاء وشرقها والمناطق المحيطة بها، والتي يغلب عليها المذهب الزيدي؛ وبين مناطق الوسط والجنوب والغرب، والتي يغلب عليها المذهب الشافعي.

وقد سهّل هذا التكوين قيام التحالف بين صالح والحوثي، فمناطق عصبية نظام علي عبد الله صالح هي ذاتها مناطق الحوثي مع فارق طابع العصبية القبلية المناطقية لدى صالح والطابع المذهبي لدى الحوثي.

منذ تأسيس الجيش اليمني بداية القرن العشرين؛ غلب على تكوينه الزيود بحكم أن الإمامة الزيدية هي التي كانت تحكم اليمن آنذاك وتستند شرعيتها وعصبيتها على الزيدية. لم يتغير الأمر جذرياً بعد ثورة 26 أيلول/سبتمبر عام 1962 التي كانت تحركاً عسكرياً من الجيش، استطاع تغيير نظام الحكم من الملكي-الإمامي إلى الجمهوري.

ومن اللافت أن رؤساء الشطر الشمالي من اليمن كلهم زيود وعسكر باستثناء القاضي عبد الرحمن الارياني، الذي لم يكن ينتمي للمؤسسة العسكرية. وقد تفاقم هذا الوضع مع وصول صالح للسلطة وتعيينه أبناء قبيلته قيادات عسكرية.

بعد ثورة 2011، وصعود قوى مناطقية جديدة كالجنوب بسبب الحراك الجنوبي، ووصول هادي لمنصب الرئاسة، حيث كانت المرة الأولى التي يصل فيها جنوبي لسدة الحكم في صنعاء، وبروز دور تعز بسبب نشاطها ودورها المركزي أثناء الثورة؛ تضاعفت عوامل القلق لدى القيادات السياسية المستفيدة من تركيبة الحكم المناطقية في اليمن.

وقد برز هذا القلق جلياً حين رفض كلا الطرفين قرار الفيدرالية. بغض النظر عن الطريقة الاعتباطية وغير الديمقراطية التي اتّخذ فيها القرار. حيث اتخذ في آخر يوم من أيام مؤتمر الحوار.

إن صيغة الفيدرالية التي تحمّس لها بعض أبناء الجنوب وتعز وغيرهما؛ كان من شأنها إضعاف قوة صنعاء المركزية في وقت تصاعدت فيه اللهجة المناطقية الحادة ضد مركزية الحكم المناطقية في اليمن. وصار تداول تعبير "المركز المقدس" ويُقصد به صنعاء وشمالها شائعاً، وغالباً ما كان يرد في سياق النقمة والتهجم ضد سلطة صنعاء.

إن التقسيم الفيدرالي الذي تم تخطيطه وتقديمه في سياق مناطقي نافر بوضوح من صنعاء وشمالها؛ أثار ردّ فعل عكسي، حيث عزز من عصبية تلك المناطق. ففي القرار تمّ تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم، وكان إقليم آزال إقليماً بنكهة مذهبية صريحة.

حيث شمل جميع المحافظات ذات الغالبية الزيدية وبدون منفذ بحري. الأمر الذي كشف الرغبة في عزل المنطقة الزيدية وهي منطقة فقيرة الموارد الاقتصادية باستثناء العاصمة صنعاء.

مسارات التحالف:

بعد معركة الحوثي في عمران بدأت تتضح ملامح تحالف الحوثي/صالح مستفيداً من الوضع الداخلي المتردي، والوضع الإقليمي المعادي لحركة الإخوان بعد سقوط الرئيس محمد مرسي بمصر. ويمكن القول إن تحالف الحوثي/صالح بدأ بمرحلة التنسيق، حيث كان الرئيس السابق صالح هو الطرف الأقوى في البداية.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها صالح جماعة الحوثي للتخلص من خصومه. فعلى الرغم من أن حرب صعدة في تموز/يوليو عام 2004 بدأت بقرار من صالح؛ إلا أنه سعى لاستمرارها من خلال دعم الحوثيين بشكل خفي. رغبة منه بالتخلص من القائد العسكري علي محسن وقواته بعد أن زجّ بهم في تلك الحرب، حتى يخلو الأمر لابنه أحمد.

وهذا الأسلوب كان معتاداً عند صالح حيث استخدم قبل ذلك التيارات الإسلامية ضد الحزب الاشتراكي في حرب 1994.

لكن العملية هذه المرة بدأت تخرج عن سيطرته تدريجياً. حيث بدأ الحوثيون يظهرون كقوة سياسية وعسكرية تمتلك النفوذ الكافي لتعيين مواليها في المناصب الحكومية وفقاً لتفاهمات مع حكومة الشراكة الوطنية التي تم تشكيلها بعد سقوط صنعاء، أو من خلال القوة عن طريق نشر مندوبيها المسلحين للوزارات وأقسام الشرطة، حيث كانت ترسلهم اللجان الثورية لحركة الحوثي بحجة المراقبة ومكافحة الفساد.

فبعدما دخل الحوثيون صنعاء التي تسيطر عليها معسكرات الحرس الجمهوري، التي تدين بالولاء شكلياً للرئيس هادي، وتتبع حقيقة للرئيس صالح؛ أخذوا يسيطرون على هذه المعسكرات، الواحد تلو الآخر. الأمر الذي أنذر باقتراب مواجهة مسلحة بين الطرفين. وقد وقعت هذه المواجهة بالفعل وبشكل محدود في معسكر صباحة جنوب صنعاء إثر مقاومة بعض أفراد المعسكر لسيطرة الحوثي.

وفي يوم 21 أيلول/سبتمبر 2014 سقطت العاصمة صنعاء بيد الحوثيين. وقد مهّدت لهذا السقوط عوامل عدّة أهمها:

- أداء رئيس الجمهورية، هادي وحكومته الباهت والضعيف. ناهيك عن ممارسة سياسات صالح ذاتها بعد أن نجحت ثورة 2011، والتي كان من المفترض بها تفكيك منظومة الحكم.

- زيادة تفشي الفساد بشكل يخالف تماماً سقف توقعات الناس. والذي ارتفع بشدة بسبب طبيعة الخطاب الثوري الحالم الذي تبنته الأحزاب المعارضة أثناء ثورة 2011، ثم تبناه جهاز الدولة الرسمي أثناء فترة مؤتمر الحوار.

- التدهور الشديد في مستوى الخدمات وتردي الوضع الاقتصادي.

- الحرب المشتعلة بلا توقف في المحافظات الشمالية، والتي لم يتطرق لها مؤتمر الحوار الذي أصبح عالماً منفصلاً عن أرض الواقع.

- طبيعة الدولة اليمنية التي كانت ضعيفة بالأساس بسبب ميل الرئيس السابق صالح لشخصنة الإدارة.

كما توترت العلاقة سياسياً بين الطرفين، بعد إصدار الحوثيين بشكل منفرد الإعلان الدستوري في فبرابر2014، وهو الأمر الذي عارضه فريق صالح. كان فريق صالح يطمح منذ البداية إلى تقويض العملية السياسية لإجراء انتخابات عاجلة، حيث كان يتقن لعبة الانتخابات من خلال سيطرته على المجالس المحلية واللجنة العليا للانتخابات إضافة لشبكة معارفه القبلية والمناطقية الواسعة داخل اليمن. فجاء الإعلان الدستوري ليحل مجلس النواب الذي يتمتع ببعض الصلاحيات ويغلب على تركيبته أفراد حزب المؤتمر التابع لصالح.

طول المواجهة العسكرية مع السعودية وانهيار تفاهمات الحوثي مع السعودية أدى لمزيد من التقارب بين الطرفين حيث أعلنا تشكيل مجلس سياسي لحكم البلاد في 14 اغسطس السابق، بموجبه تنازل الحوثي عن الاعلان الدستوري وتعطيله لمجلس النواب الذي دعي للانعقاد حتى يصوت على قبول المجلس. بالطبع اللجوء لمجلس النواب محاولة لسحب بساط الشرعية من الحكومة اليمنية في الرياض للحصول على اعتراف دولي كسلطة أمر واقع، مما يفسر عرض الرئيس السابق صالح لروسيا بالاستفادة من موانيء ومطار اليمن في حرب مكافحة الارهاب، لكنه قوبل بتجاهل.

أي تحرك سياسي داخل اليمن يكشف حاجة الحوثيين لخبرة صالح وشبكة نفوذه السياسي بالداخل، بعكس الحال في أي تحرك سياسي للتسوية مع السعودية أو الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض حيث يتعزز نفوذ الحوثي المستند على طبيعة الصراع الإقليمي – المذهبي.

لازالت محاولات تشكيل حكومة من قبل تحالف الحوثي- صالح متعثرة، مما يجعل من خطوة تشكيل المجلس السياسي -حتى الآن- مجرد ورقة ضغط اضافية في مفاوضات التسوية اكثر من كونها خطوة في مسار تثبيت الوضع الحالي. يظل هذا التفسير اكثر وقعاً بحكم طبيعة التحالف الهش والمشوب بالشكوك والقلق بين الطرفين والتي لا تسمح بالسير في هذه الخطوة حتى النهاية.

إيران والحوثي:

كان اليمن في السابق ساحة للنفوذ السعودي، ولكن صعود إيران كقوة إقليمية غير من هذا الوضع، فأصبح اليمن ساحة صراع إقليمي-مذهبي. فعلى الرغم من التباين المذهبي بين الحوثيين كجماعة شيعية زيدية، وبين إيران بنظامها الشيعي الاثني عشري؛ فإن هذا الاختلاف لم يمنع قيام تحالف سياسي بينهما. حيث كانت إيران مرجعاً للحوثيين أثناء المفاوضات السياسية قبل سقوط صنعاء. والتي أسفرت عن توقيع اتفاق السلم والشراكة عشية سقوط صنعاء في 21 أيلول/سبتمبر 2014.

اعتبرت إيران سقوط صنعاء نصراً لها، وأطلقت جسراً جوياً لصنعاء بمعدل رحلتين يومياً منذ 5 آذار/مارس 2014 في وقت لا توجد فيه صلات تجارية أو غيرها تستدعي هذا العدد من الرحلات. إن تصاعد الدور الإيراني في اليمن أدى إلى توتر علاقات اليمن مع محيطه الخليجي، وزاد من تحديات الوضع السياسي؛ لأنه يعمق حدة الطابع المذهبي للصراع، مما سيعزز دور القوى الإقليمية في اليمن ويضعف القوى الداخلية.

السعودية والحوثي:

حاولت السعودية في البداية استمالة الرئيس السابق صالح؛ ليتخلى عن تحالفه مع الحوثي، بعد استشعارها الخطر من توسع الحوثيين في اليمن. وقد تحدث بعض الدبلوماسيين والسياسيين اليمنين عن لقاء جمع أحمد علي صالح مع محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي ووزير الدفاع الذي كان يدير العمليات العسكرية لعاصفة الحزم، حيث عقد هذا اللقاء قبل ساعات من اندلاع عاصفة الحزم، في محاولة سعودية أخيرة للتخلص من الحوثي. ولكن يبدو أن اللقاء تعثر رغم موافقة السعودية على رفع العقوبات الأممية عن صالح.

عملت عاصفة الحزم بشكل غير مباشر على تقوية تحالف الحوثي-صالح، ليتجاوز الطرفان خلافاتهما تحت وطأة الشعور بالخطر المشترك. كما ساعدتهما على كسب المزيد من المؤيدين، مستفيدين من الغضب الشعبي في الجزء الأكبر مما كان يُعرف بالشطر الشمالي من اليمن، رداً على التدخل العسكري السعودي.

مرت أكثر من سنة على انطلاق عاصفة الحزم دون أن تنجح في تحقيق ما سعت إليه السعودية، بل إن العملية لم تنجح في وقف هجمات الحوثيين على الحدود السعودية. وهكذا بدأت الحرب تستنزف ميزانية السعودية وتحرجها أمام المجتمع الدولي بسبب انتهاكات حقوق الانسان واستمرار معاناة بلد فقير كاليمن بسبب الحرب، الأمر الذي اضطر السعودية لبدء مفاوضات سرية مباشرة مع الحوثي منذ آذار/مارس 2016.

ورغم انهيار هذه المفاوضات مؤخراً مع تعثر مفاوضات الكويت؛ فإن مخرجاتها أثمرت توقفاً في الضربات الجوية السعودية على اليمن عموماً وصنعاء خاصّة. كما أثمرت هدوءاً على الجبهة الحدودية. ومهّدت لإعلان بدء التفاوض بين الحوثيين وأنصار صالح من جهة، مع الحكومة اليمنية المعترف بشرعيتها دولياً من جهة أخرى في الكويت.

تُعدّ المفاوضات بين الحوثيين والسعودية اعترافاً سعودياً/إقليمياً بالحوثي، بوصفه قوة سياسية في اليمن. كما تعني عزل صالح إقليمياً ودولياً في وقت تصاعد فيه دور اللاعبين الخارجين في اليمن مع ضعف القوى الداخلية وانقسامها. ويعد هذا تغييراً هائلاً في ميزان القوى لصالح الحوثي، يقابله تغيير داخلي ظهر من خلال وراثة الحوثي بعض مناطق نفوذ صالح القبلية. إضافة لاستيلائه على مؤسسات الدولة والسيطرة على بعض المعسكرات وأسلحتها.

وقد لعبت هذه المفاوضات دوراً آخر؛ إذ تسببت في توتر كبير في العلاقة بين الحوثي وصالح تصادف مع ذكرى مرور عام على اندلاع عاصفة الحزم في 26 آذار/مارس 2016. حيث دعا صالح بهذه المناسبة أنصاره للاحتشاد في ميدان السبعين، مما تسبب في توتر كلامي ملحوظ بين الطرفين. إذ كان الحوثي ينوي الدعوة للحشد، وشعر أن صالح قطع عليه الطريق، الأمر الذي اضطرّه للتراجع عن دعوته للحشد الشعبي خشية المقارنة بين أنصار الطرفين.

شعبياً، لايزال صالح يشكّل قيادة سياسية قادرة على الحشد داخل اليمن. فالرجل رغم محاولة اغتياله التي نجا منها بأعجوبة في 3 حزيران/يونيو 2011، ورغم استهدافه المتكرر من قبل الطيران السعودي؛ خرج ليخطب وسط أنصاره في ميدان السبعين. الأمر الذي لا يمكن أن يفعله منافسه عبد الملك الحوثي، أو غريميه عبد ربه منصور وعلي محسن.

إن غياب قيادات سياسية بديلة، وضعف خصوم صالح؛ عزز من مكانته الجماهيرية، خاصة مع قدراته على تقديم خطاب شعبوي حماسي، وامتلاكه لكاريزما جيدة نسبياً. فالرئيس الحالي عبد ربه منصور لم يعتبره أحد خصماً، بل تعامل معه الجميع بهامشية نظراً لضعف وضعه السياسي وتواضع قدراته الشخصية والسياسية. إلى جانب ذلك فإن القاعدة الشعبية لصالح اتسعت كرد فعل من قبل الغاضبين من تدخّل السعودية العسكري، وتعبهم من حالة الحرب وعدم الاستقرار التي عصفت بالبلاد بعد رحيله عن السلطة.

انقلاب السحر على الساحر:

كشفت مفاوضات الكويت أن القرار بالنسبة للفريق الذي يمثل الحوثي وصالح أصبح بيد الحوثي كلياً. وذلك

لأسباب عدة:

1- استطاع الحوثي من خلال لجانه الثورية الاستيلاء على مؤسسات الدولة عامة، والمؤسسة الأمنية خاصة.

2- نجح الحوثي من خلال استمالة بعض كبار ضباط الجيش بالسيطرة على بعض المعسكرات. وقد ساعدته في ذلك طبيعة تركيبة الجيش القبلية والمناطقية التي تلتقي مع الطبيعة المذهبية للجماعة.

3- القرار الدولي والإقليمي القاضي بإقصاء صالح من المعادلة اليمنية، بعد رفع الغطاء السعودي عنه وسأم الجميع من تقلباته السياسية، وعدم وجود حلفاء إقليميين له، بديلين عن السعودية. إذ رغم محاولات الإمارات التحالف معه؛ لكنها لم تستطع تجاوز رغبة السعودية حتى الآن لكن هذا موقف يحتمل تغيره.

4- يُعدّ الحوثي أكثر مناسبة بالنسبة للأطراف الدولية الفاعلة في اليمن، للمرحلة السياسية المقبلة. حيث يمثل الحوثي طائفة أو جماعة من اليمنيين، في حين يمثل صالح مرحلة سابقة كانت تعتمد على الزعيم الأوحد.

في المقابل ما يزال صالح قوة لا يستهان بها، قادرة على التشويش في حال عدم شمولها بالمرحلة السياسية المقبلة. لكن قوته تقلّصت بعد فقدانه قسماً من قوته العسكرية، مع استمرار ولاء بعض الوحدات العسكرية له، وخاصة على مستوى الجنود.

يظل صالح أقوى شعبياً، حيث تساعده تحالفاته القبلية الواسعة التي تتسم بالتخفف الإيديولوجي، كما أن أنصاره متنوعون مناطقياً ومذهبياً. وهي قوة لا تورث، وعلى الرغم من أن الحوثي قد ينجح في وراثة بعض مؤيدي صالح ممن يقعون في دائرة نفوذه المذهبي؛ فإن البقية سيتوزعون بين أطراف مختلفة. حيث ستنال الجماعات الدينية المتطرفة الأخرى المقابلة للحوثي نصيباً كبيراً منهم، وذلك يبدو جلياً في صعود التيارات السلفية على اختلاف توجهاتها في الجنوب وتعز خاصة بعد تلاشي دور الأحزاب السياسية اليمنية.

يمكن القول: إن المرحلة القادمة في اليمن ستكون مرحلة استقطاب مذهبي بامتياز، وخاصة بعد دخول اليمن بقوة في دائرة الصراع الإقليمي، الذي كانت على هامشه حتى سقوط صنعاء ثم اندلاع عاصفة الحزم. الآن، يحاول الحوثيون إقصاء صالح من المشهد السياسي، لسببين:

أولهما: عدم ثقة الحوثي بصالح، فهو رئيس الدولة التي حاربوا ضدها ستة حروب، إضافة إلى أن زعيم الجماعة ومؤسسها حسين الحوثي قتل بقرار منه بطبيعة الحال، إلى جانب خشيتهم من تقلبات صالح المعروفة.

ثانيهما: تشويش صالح على الجماعة في مناطق نفوذها. حيث تسعى الحركة لاحتكار تمثيل المنطقة الزيدية رغبة منها في تقوية وضعها السياسي. وتتجه المؤشرات كلها إلى أن نهاية هذا التحالف سواء كانت بصراع مباشر بين الطرفين، أو من خلال عامل الوقت والتدخل الإقليمي؛ ستكون من مصلحة الحوثي، مما سيعزز الطبيعة المذهبية للصراع في اليمن.

أمام هذا الواقع، يبدو من الضروري للقوى السياسية الحزبية اليمنية، باعتبارها آخر ما تبقى من قوى سياسية منظّمة في اليمن، أن تقللّ من تعويلها على الأطراف الخارجية، في مقابل الانحياز أكثر للعمل الشعبي. ولن يتأتى هذا دون مراجعة الأخطاء، وإعادة تنظيم الصفوف، ومعالجة مشكلة شيخوخة القيادة داخل هذه الأحزاب. ولا بدّ لتحقيق ذلك من الاستفادة من الصعود القوي لبعض الفئات الاجتماعية، كالمرأة والشباب، اللذين شكلا تهديداً خطيراً لطبيعة القوى السياسية التقليدية في اليمن.

إن تحقيق ذلك من شأنه أن ينهي الصراع بحالته المذهبية، ويعيد بناء الاصطفافات على أسس سياسية لا تعزز الانقسام الاجتماعي بمفاهيم هوياتية مغلقة تديم الصراع؛ بل تنقله إلى حالة من الصراع السياسي الذي قد يحسمه الاتفاق على أطر سياسية تشمل الجميع.


في الأحد 11 سبتمبر-أيلول 2016 09:00:41 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=2786