مجلس النواب اليمني ومحنة «الديمقراطية »
عبد الباري طاهر
عبد الباري طاهر

عرفت اليمن دعوات «الدسترة» منذ منتصف القرن الماضي؛ فقد دعى الأحرار اليمانيون، وهم الحركة الوطنية الأم في الشمال، وتحت تأييد الدعوات الإصلاحية العربية وبالأخص تجربة الوفد -إلى الحكم الدستوري الشوري، وساهم الأحرار في صياغة «الميثاق المقدس» - دستور حركة 1948 - في صنعاء، ومثلت رابطة أبناء الجنوب منحى ليبراليا منذ النشأة مطلع الخمسينات؛ فمن معطفها خرجت الاتجاهات الحديثة: البعث، والتيار الماركسي، وحركة القوميين العرب.

بعد ثورة 26 سبتمبر صيغ أكثر من دستور دائم ومؤقت. كانت كلها تنص على تجريم الحزبية واعتبارها خيانة وطنية . أما في الجنوب فبرغم وجود حريات عامة وديمقراطية منذ الأربعينات في عدن تحديدا وإلى حد ما حضرموت؛ فقد صاغت الجبهة القومية ميثاقا سياسيا حصر الحكم في الجبهة القومية، وفرض«الشرعية الثورية». ورغم الطابع الثوري والتحرري في الجنوب إلا أن تجريم الحزبية وتغييب الديمقراطية ومصادرة الحريات وتحديدا حرية الرأي والتعبير التي كانت غائبة في الشمال ومزدهرة في الجنوب- قد أبقى على التركيبة المجتمعية القبائلية والعشائرية وحتى البدوية رغم الإجراءات القامعة ضدها.

لم تعرف اليمن بشطريها تحولات اقتصادية – اجتماعية عميقة، وبقى الريف في الشمال والجنوب معزولا عن الخدمات وعن التعليم الحديث خصوصا في شمال اليمن وشمال الشمال؛ بسبب حرب الجمهوريين والملكيين التي استمرت قرابة سبعة أعوام.

عرفت عدن في ظل الاستعمار وعقب الحرب العالمية الثانية انتخابات البلدية والمجلس التشريعي، وكانت تقاطع من قبل الاتجاهات السياسية الثورية وبالأخص الداعية للوحدة، وبعد الاستقلال 67 كانت انتخابات مجلس الشعب الأعلى في الجنوب على محدوديتها كانت تتم بالبطاقة الحزبية شأن الانتخابات في النقابات والهيئات المدنية . أما في الشمال وتحديدا بعد ثورة سبتمبر 62 فقد كانت الانتخابات أقرب للتزكية والاستفتاء، وكان شيوخ القبائل والنافذون هم من يختارون لهذه المجالس مع وجود اسثناءات .

ربما كانت التجربة الأولى نموذجية هي انتخابات 23 أبريل 94، وحتى هذه الانتخابات كانت بمثابة صفقة بين المؤتمر الشعبي العام (صالح) والحزب الاشتراكي (البيض)؛لاقتسام البلد والسلطة بواجهة ديمقراطية بدلا عن الشرعيتين الثوريتين.

نجح الحزب الاشتراكي في الجنوب والمؤتمر الشعبي وتجمع الإصلاح في الشمال، واستخدم سلاح الأغلبية في مواجهة الجنوب «الأقلية» في نهج تبناه المؤتمر والإصلاح، وهو عودة الفرع للأصل كحكم أغلبية.

الانتخابات الصفقة والديمقراطية الزائفة لم تلغ شرعيات الحكم القديم في الشمال والجنوب؛ فانقسم الحكام وتقاتلوا على الأساس الشطري الذي سبق التقاتل عليه في الأعوام 1972 و 1978.

في حمى الصراع بين الشمال والجنوب وداخل كل شطر على حدة ضعفت ركائز وقوى «الشرعيتين الثوريتين» : سبتمبر 62 وأكتوبر 63 لصالح قوى المجتمع القديم - مجتمع ما قبل عصر الدولة- .

 قوت الصراعات الدموية هنا وهناك عضلات العسكر الخارج من رحم القبيلة ونفوذ كبار المشايخ والإسلام السياسي المتحالف معهما، وضعفت الطبقة الوسطى، وأقصيت الأحزاب السياسية الحديثة وقوى المجتمع المدني، وأصبح منطق الغلبة والقوة هو السائد، وتسيد العسكر.

حرب 94 وحروب صعدة الستة دللت على فشل خيار الغلبة والقوة، وعجز القبيلة -تركيبة ما قبل عصر الدول والوطنية- عن الحكم خصوصا بعد إقصاء الإسلام السياسي (تجمع الإصلاح)، وانفراد سنحان فخذ من حاشد بالحكم؛ فدب الخلاف بين أقطاب فخذ القبيلة سنحان: صالح وعلي محسن ، وكان جناح صالح هو الأقوى؛ فهو يسيطر على أهم وحدات الجيش قيادة أبنائه وإخوانه وأبناء إخوانه .

الثورة الشعبية السلمية قوت جناح علي محسن الموالي للإصلاح؛ لينشق على السلطة، ويعلن انضمامه للساحة الملغومة بالإصلاح وقيادات المشترك .

انشقاق محسن وشيوخ حاشد (أبناء الأحمر) ومعهم تجمع الإصلاح واللقاء المشترك - مثَّلَ الانقلاب على الساحة والثورة الشعبية المطالبة بإطاحة الحكم كله سلميا، وبناء دولة ديمقراطية اتحادية تكفل حق تقرير المصير للجنوب، وتتخلى عن الشرعيتين الثوريتين، وتنتصر لثورة الربيع العربي البديل الديموقراطي السلمي لدكتاتورية عسكر القبيلة .

انقلاب صالح وأنصار الله ليس بعيدا عن الصراع داخل تركيبة المجتمع القبائلية والسلالية، ولها أكثر من بعد جهوي ومسوح طائفية ،ولكنها في العمق تعبير عن العجز حد الإدقاع في قدرة القبيلة على حكم اليمن أو بناء دولة بأي معنى ؛ فاليمن المتنوع والمتعدد يصعب، إن لم يكن يستحيل، على قبيلة أو حتى عدة قبا ئل أو جهة ما أو حزب ومن باب أولى فرد - حكمه بالقوة، والحرب الدائرة أعجز هي الأخرى أن تحسم لصالح طرف من أطراف الصراع .

العودة الخائبة إلى الشرعية الدستورية (مجلس النواب) إعلان إفلاس سياسي؛ فهذا المجلس انتهت صلاحيته عام 2009 ، وتوافق صالح وأحزاب اللقاء المشترك على التمديد له لمدة عامين ولم تكن الأطراف كلها: الحكم والمعارضة معا عاجزون عن إجراء الانتخابات النيابية، وإنما عاجزون أيضا عن الإجابة الصائبة على الأسئلة التي تطرحها مسيرة الحياة، وقضايا المجتمع، وحياة اليمن التواقة للأمن والسلام .

مبادرة التعاون الخليجي التي مهرها صالح والمنشقون عليه وكل الأحزاب السياسية قد علقت الدستور وحصرت وظيفته في التوافق على تسيير أمور الحكم التوافقي، وصوت المجلس نفسه على انتخاب عبد ربه منصور وحكومة الوفاق حينها .

الرزية كل الرزبة أن الحكم المنشق على نفسه يتحارب كالتنين الخرافي على شرعية حكموا بها كلهم طوال ثلاثة وثلاثين عاما وثبت فشلها، وثارت عشرون مدينة يمنية، وانخرط الريف والقبائل المسلحة في ثورة شعبية أدهشت العالم سلميتها ولمدة عام .


في الجمعة 19 أغسطس-آب 2016 11:56:42 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=2738