وطن « القرشي »..!
صادق ناشر
صادق ناشر
غاب 32 عاماً عن وطنه وعاد إليه ليقتل فيه ويدفن في بلاد اغتراب ، إنها حكاية تلخص حياة المناضل عبدالرقيب القرشي ، الذي اعتقد أنه اختار الوجهة الصحيحة بعودته إلى أهله وأحبته ، وقبل ذلك إلى وطنه الذي لفظه بعد أن وصل إليه بـ 22 يوماً .

لم يحتمل اليمن الكبير بمساحته وأحزابه مواطناً سلبت منه مواطنته لـ 32 عاماً قضاها في سوريا ، التي تحولت إلى وطن بديلاً لوطنه الأم ، لهذا كرم أهله الوطن البديل بدفن جثمان حبيبهم فيه ، بعد أن تعذر على وطنه أن يحتضنه ويحنو عليه .

كان عبدالرقيب القرشي بسيطاً دافئ المشاعر ، التقيته في لحظات عابرة في العاصمة السورية دمشق قبل سنوات ، كان يتحدث معي كمن يعرفني منذ زمن ، وكنت أتحدث معه كشخص يقرأ كتاباً مفتوحاً ، فقد أبهرني الرجل بتفاصيل كنت أجهلها عن تأريخ الحركة الناصرية في اليمن وعن قادتها وعن أشخاص لم أكن أعرف كثيراً عن تأريخهم ، وكان يحن للعودة إلى الوطن ، ويتحدث عن العودة بشوق والتياع .

وحينما قرر العودة بعد أن تلقى تطمينات من أشخاص هنا وهناك ، كان الكثير يعتقد أن صفحة من تأريخ الخصومات السياسية قد انتهت ، وعندما عاد إلى صنعاء عاد وسط حفاوة رسمية كبيرة لافتة ، لدرجة أعتقد كثيرون ـ وأنا منهم ـ أن مرحلة جديدة من حياة عبدالرقيب القرشي ومن حياة بقية رفاقه ستبدأ ، ولم أتحدث إليه بعد أن فرض عليه جداراً من العزلة ، بعضها مقصود والبعض الآخر غير مقصود ، لكنني تحدثت عنه مع أستاذنا العزيز سلطان العتواني الذي شاطرني بعض الأفكار حول وضعه ، ولا أزال أتذكرها حتى الآن .

لا أدري ما ذا كانت حسابات الراحل وهو يعتزم العودة إلى وطن لفظه قبل سنوات قادماً من وطن احتضنه لعقود من الزمن ، وقد ترك أصدقائه في دمشق ، حتى أنه لم يتشاور معهم حول قرار عودته ظناً منه أنهم قد يقترحون عليه إلغاء فكرة العودة ، لكنه لم يكن يدرك أنه عائد لمفترسين محترفين ، لا يجيدون سوى القتل ، فالقتل عند بعض اليمنيين تحول إلى أسهل من شرب الماء .

عاد عبدالرقيب القرشي من سوريا محملاً بالشوق إلى وطن لم يستوعب جسده النحيل ، وعاد جثة هامدة بلا حراك إلى سوريا ، الوطن الذي احتضنه لعقود من الزمن ومنحه الهدوء وراحة البال ، وكان من النبل من أهله أن يدفنوه فيه تكريماً وامتناناً للسنوات التي قضى عمره كله فيه .

يرحل عبدالرقيب القرشي وفي قلب كل من عرفه غصة ، كان الكثيرون يعتقدون أن عودته يمكن أن تفتح أبواباً ظلت وما تزال مغلقة لحل أعقد قضية سياسية يشهدها البلد ، فهل ارتاح القتلة ؟ ، وهل ينامون اليوم في راحة بال بعد أن حرموا أهله وأصدقائه وأحبته منه ؟ ، لكنهم لا يدركون أن روح الراحل تحلق قرب خالقها وتلعن قاتليه إلى يوم الدين .

(الوحدوي نت)


في الأربعاء 28 يوليو-تموز 2010 10:10:50 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=241