خطأ في القراءة.. ام حسابات صغيرة؟
قادري أحمد حيدر
قادري أحمد حيدر

المقاومة الصادقة قالت كلمتها، قالت كل الصدق فيما تريد قوله من ارادة الدفاع عن النفس، ومن ارادة التحرر من العفن السائد، في صورة تحالف ثنائي الحرب الحوثية/ الصالحية..، صدحت المقاومة الشعبية بما في حنجرتها من نشيد إنشاد وطني نبيل، وكتبت بيقين الشعب بحريته، وحقه في الكرامة، والسيادة، والمساواة، ان ثمن الحرية يدفعه دائماً من يطلبها، ثمن يُدفع في حينه مقدماً، ثمن لا يؤجل، كما لا يوهب، والاهم انه ثمن لا يساوم عليه، تحت أي شعار سواء جاء باسم السلام، او ايقاف الحرب بين الاطراف المتصارعة.

 وفي تقديري الشخصي - وقد اكون مخطئاً - ان ما يسطره الناس اليوم في كل مواقع المقاومة الشعبية، هي استكمال لما بدأته ثورة 26 سبتمبر 1962م، وثورة 14 اكتوبر 1963م، والحراك الجنوبي السلمي 2007م، وثورة الشباب والشعب العظيمة في فبراير 2011م. هو سيرورة في ذات الاتجاه السياسي، التاريخي، في محاولة دؤوبة لاستكمال صياغة جديدة لمعنى الدولة، ولمعنى الوطن، وهي كذلك صياغة جديدة للمعاني المضافة، لمضمون الوطنية اليمنية المعاصرة، في تجلياتها الابداعية الشعبية، (الديمقراطية والاجتماعية والوطنية) وهو ما لا يدركه البعض جيداً إما بسبب انشغالهم في افتعال معارك ذاتية وهميه، وصناعة أمجاد شخصية صغيره، أو بسبب افقهم السياسي الحركي (التكتيكي) الذي لا يرى أبعد من انف مصالحه المباشرة، والسبب كما اتصور عائد - إضافة لما سبق - الى ضعف او قصور في الرؤية التاريخية لديهم، أو الى مفهومهم السياسي الآني للتاريخ، بعد ليّ عنق التاريخ لصالح مجريات الشأن السياسي العابر. ومن هنا خطورة مثل هذا التفكير على الواقع الراهن، وانعكاساته السلبية على المستقبل.

  قالت المقاومة، قصيدتها الشعبية الخالدة، مكذبة زيف أسطورة مقولة: الاطراف المتصارعة، وطرفي أو اطراف الحرب، والطرف الثالث، والطرف المستقل، والطرف المحايد، وهي الشعارات الفارغة من المعنى، والتي لم تجد لها سنداً في اوساط الشعب، وفي قلب الكتابة الحية المعبِّرة عما يجري. كما لم تجد لها مُعيناً لصدقيتها، أو مصداقيتها في الواقع، وفي الفعل السياسي المقاوم الجاري. كما أن قواميس اللغة العربية الثرية بالمترادفات، والمعاني العديدة للكلمة والمفردة الواحدة، (بلاغةً، ونحواً، وصرفاً) عجزت عن جعلها قابلة للصرف، وبقيت ممنوعة من الصرف، وما يزال البعض يكابر في التحدث عن "الأطراف المتصارعة" وجعل هذا الشعار مفتوحاً، أي دون تفكيك وتحديد لمعنى ومضمون هذا الكلام او الشعار، في جملة عربية، مفيدة، تقول الواقع في تفاصي الصغيرة، والكبيرة، كما هي دون مواربة، ولا مداورة، ولا تقية، ولا مخاتلة، ولا تدليس.

 هل كنا بحاجة إلى كل ذلك القدر من الدم، والمقاومة، والتضحيات؟! وإلى كل ذلك الصدق الممهور بقوة ارادة الشعب في مقاومة التخلف، والاستبداد، والفساد، والتوريث، والعنصرية المقيتة، والجهل المسلح؟! على طريق استعادة دولة سلطنة المركز المقدس، لنقتنع ونصدق أن ليس هناك طرفي أو اطراف حرب، أو اطراف متصارعة، دون تحديد لماهية ولمضمون هذه الاطراف المتصارعة في الواقع، من هي؟! من تمثِّل سياسياً، واجتماعياً؟! ما علاقتها بالمشروع السياسي الوطني؟! واين تقف من المبادرة الخليجية واليتها التنفيذية، ومن مخرجات الحوار الوطني الشامل؟، ومن قرارات الشرعية الدولية، وآخرها القرار (2216)،؟! ومن هو الطرف الذي انقلب على العملية السياسية، وعلى الحوار؟ ومن هي هذه الاطراف المتصارعة؟ حسب تعبير البعض؟! أسئلة حائرة في عقل البعض والمطلوب الاجابة عنها، حتى يتضح معنى ومفهوم الاطراف المتصارعة أمام القارئ، او المشتغل بالشأن العام، اما ترك الامور على الغارب هكذا، فتلك ليست مساهمة في قراءة الواقع، ولا تساعد في تقديم حل، بل دخول في التدليس، والمراوغة، والالتفاف على حقائق الواقع العملية، وتلكم هي مشكلة العقل التجريبي، والميكانيكي، وفي رواية أخرى مشكلة العقل المصالحي الصغير، في خطأ قراءته ، وفي حساباته الذاتيه الصغيره في متابعة وتتبع أموره الشخصية، ومصالحه وأهوائه الذاتية، التي لا صلة لها بالسياسة الواقعية، ولا بحقائق مصالح الناس، والشعب.

اننا هنا لا ننكر على من يقول بشعار او مصطلح "الاطراف المتصارعة، أو طرفي أو اطراف الحرب" أن يقول ما يريد وما يشاء وفقاً لمنظوره في قراءة وتقييم، ما يجري، بل ومن حقه حتى كتابة الشعر في تدعيم وتأكيد صدقية هذا المفهوم أو المصطلح أو ذاك، ولكن من حقنا عليه كقراء ومشتغلين بالفكر، والسياسة، ان يقولو لنا في جملة مفيدة بعيداً عن الانشاء اللفظي الفارغ من المعنى، وفقاً لرؤيتهم، من هي هذه الاطراف المتصارعة؟ ولا اعتقد أن الامر صعب الى هذه الدرجة في تحديد هوية ومضمون الطرفين او الاطراف، من منهما يمثل طرف الشرعية الدستورية الذي تتجاهله بعض البيانات والتصريحات، قافزة الى شرعية التوافق السياسي، ومهملة بوعي قصدي الشرعية الاساس، وهي الشرعية الدستورية التي انتجت حالة نادرة من التوافق السياسي، مفرزة عملية سياسية متقدمة كان ممكناً لو فتح الباب أمام استمرارها ان تؤتي ثمار ايجابية طيبة، وبالمقابل من هو الطرف الآخر أو الثاني: هل هو حقاً من انقلب على الشرعية (سياسياً وعسكرياً) وتمدد بالحرب الى كل الجغرافيا، والديموغرافيا اليمنية؟ - تحت ذرائع مختلفه ، مدمراً النسيج الاجتماعي، والوطني، ومفتتاً بالحرب، والفيد، والتغلب على كل ما تبقى من الدولة، ومؤسساتها، أو أن كليهما معاً، غير شرعي، أو انهما معاً شيء واحد، ولا فرق بينهما، أو ما يميز أحدهما عن الآخر، في الرؤية، والموقف، والتمثيل السياسي، والوطني، وهو ما جعل البعض يتحدث بخطاب او مفهوم: طرفي، وأطراف الحرب، ومصطلح الأطراف المتصارعة، وعلى من يطلقون الكلام على عواهنه، في اللعب بالمفاهيم، والمصطلحات في غير سياقاتها الموضوعية، والواقعية، والتاريخية، أن يدركوا انهم يتكلمون ويتعاطون في امر سياسي حساس، وخطير، وفي مرحلة استثنائية (فارقة) في تاريخ اليمن المعاصر، مرحلة قد يتحدد في ضوئها نتائج عظيمة (سلبية او ايجابية) على كل الوطن (المجتمع والدولة) ومن هنا قيمة، ودور المعرفة، والكلمة، والكتابة في التغيير للامام، او القهقري للماضي.

المسألة في تقديري ليس قصوراً في الوعي، وتدنيا في ادوات التحليل، وليست فحسب ضعفاً في ارادة القول (قول الحقيقة كما هي)، وخشية من قول ما يجب ان يقال في الوقت والمكان المناسبين، فهي الى جانب كل ذلك مراوغة، ومداورة، وتقية، ومخاتله وتدليس على الواقع، وهي عند البعض حالة من التماهي أو التكيف مع سلطة أمر واقع، تواؤم وتكيف غير مقبول، مع واقع لا معقول، واقع تؤكد حقائق، ووقائع ما يحصل، أنه من أسوأ حالات الثورة المضادة في كل التاريخ السياسي العربي المعاصر، بدءاً من العراق، الى سوريا، الى ليبيا، الى اليمن.

ان ما نعيشه اليوم من تراجعات، ومن انهيارات كبرى، تطال كل المعنى الوطني "مجتمعاً، ودولةً وفكراً" له صله عميقة بالتاريخ السياسي الثيوقراطي، والاوتوقراطي، في صورة استبداد وهيمنه المركز المقدس (العصبوي) كما له سبب سياسي راهن متمثل في صمت "البعض" على الانقلاب (السياسي، والعسكري، والوطني) وفي أحسن الاحوال معارضته الاسمية الشكلية، والقبول في واقع الممارسة بسلطة انقلابية، ومجاراته فيما كان يذهب اليه،حتى القبول في الجلوس معه، وهو يؤسس لاستكمال عملية انقلابية، على الشرعية، وجعل من البعض وسطاء لهم في اقناع الشرعية بالقبول بالانقلاب تحت غطاء العدول عن الاستقالة!!

الى هذه الدرجة هانت علينا انفسنا، وتماهينا ذاتيا، وموضوعياً مع الانقلاب، مع ان الامر لم يكن يحتاج أكثر من مقاطعة الانقلابيين، وهو اضعف الايمان، ان لم نكن قادرين على تحديد موقف سياسي وطني واضح مما حصل، ومما لا يزال يحصل، ولا ارى شخصياً في خطاب طرفي واطراف الحرب "والاطراف المتصارعة" سوى نتاج سياسي، وايديولوجي، لذلك المسار الخطأ الذي حددته نقطة البداية في الموقف من الانقلاب، العسكري، والسياسي، والفكري، وبهذا المعنى فليس خطاب او مصطلح "الاطراف المتصارعة" سوى الابن الشرعي السياسي، والايديولوجي، لما افرزته سلطة الانقلاب، من وقائع سياسية كارثية، ومن تجليات وتعبيرات ايديولوجية، واصطلاحية فاسدة.

ان وصف ما يجري بالثورة المضادة، هو الطف، واخف التعبيرات السياسية، لمن لا يدركون خطورة ما جرى خلال السنة والنصف الماضية، على كل المستقبل الاتي لليمن، ومع ذلك ما يزال البعض مصراً على الحديث، عن الطرف الثالث، والمحايد، "والاطراف المتصارعة" ودون حتى ادنى ردة فعل طبيعية، سوية، حول كل ما حصل وما يزال يجري. بل ان البعض ينصب كل همه وتركيزه في تصيُّد مثالب، واخطاء المقاومة في دفاعها عن نفسها، وفي بعض ردود فعلها، هنا او هناك، انهم يرون الشجرة الوحيدة في الغابة، ولا يرون الغابة على اتساعها، ولله في خلقه شؤون. وهو ما يفسر تباطؤ البعض، في تقديم ادانه سياسيه وطنيه تاريخيه حاسمه ونهائيه للانقلاب وعزوف البعض الاخر، عن الحديث عن المقاومة، ناهيك عن انتصاراتها في دفاعها عن نفسها، وعن وجودها، وتاريخها، "تاريخ الوطن، والشعب". وهم بذلك لا يختلفون عن حملة مباخر النظام القديم/ الجديد في شيء، المتماهي مع واقع، سلطة الامر الواقع فعلاً، والمختلفين معها شكلاً، واسماً.

 وفي ختام هذه المقالة/ التوطئة لا يسعني القول في المقاومة الشعبية وعنها، سوى ما قاله الشاعر العربي السوري الكبير نزار قباني في تمجيد الفريق عبدالمنعم رياض:

"الخطوة الاولى الى تحريرينا.. انت بها بدأت

يا ايها الغارق في دمائه جميعهم كذبوا وانت قد صدقت"

والله من وراء القصد


في الإثنين 21 مارس - آذار 2016 11:42:38 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=2373