في ذكرى ثورة ناصر
سوسن البرغوثي
سوسن البرغوثي
إن ما يميّز ثورة 23 يوليو في مصر عن الحركات الثورية الأخرى والحركات الانقلابية التي عمّت بعض الدول العربية في ذلك الوقت، أنها قامت على أسس قومية أولاً تنتمي إلى محيطها العربي وأسس وطنية لمعالجة وضع مصر الداخلي، وكانت شرارة الإصرار على انطلاقتها كثورة قومية وطنية، الأحداث التي اجتاحت فلسطين في العام 1948 وتخاذل جيوش الأنظمة العربية، والأسلحة الفاسدة، وواقعة الفالوجا التي شهدها الضابط جمال عبد الناصر قريباً من الأحداث ومن أسباب الهزيمة، وبالتالي نكبة فلسطين.
تضافرت جهود الضباط الأحرار في الجيش المصري، وانطلقت الثورة تعلن قوميتها الجمعية، ولعل خروج الملك من مصر بمراسم رسمية وإطلاق تحيات التوديع، وعدم محاكمة بطانته الفاسدة، ودون إراقة دماء، إثبات على أنها ثورة بيضاء، 
تلك الرؤية والفكر القومي العروبي الذي تميز به الرئيس جمال عبد الناصر.
بطبيعة الحال كان من الأهمية بمكان ترتيب البيت المصري داخلياً كي تستطيع أن تقوم لاحقاً بالأعباء القومية، ومؤهّلة لقيادة نضال الشعوب العربية لمساعي تحرير فلسطين، ولمّ الشمل العربي، وإبداء صورة العرب الحقيقية أمام العالم.
ومن أهم إنجازات ثورة يوليو إقامة الوحدة بين سورية ومصر بإطار الجمهورية العربية المتحدة، ومن المؤسف أن تتخلى مصر بعد رحيل القائد جمال عبد الناصر عن تلك التسمية وتحمل الاسم القطري "جمهورية مصر العربية" تكريساً لشعار ضيّق الأفق وقطري يتمثّل بمقولة إن "مصر للمصريين".
إن التجربة الثورية للحكم في مصر انطلقت من معايير قومية، إلى جانب العمل لبناء دولة مؤسسات تنشط لتفعيل التنمية. وقد بدأ الرئيس عبد الناصر بإشراك أصحاب الاختصاصات والمفكرين لحشد طاقاتهم للتوجّه إلى وضع سياسة داخلية متميّزة وإصلاح واقع مصر، بما في ذلك أهمية تنفيذ برنامج اقتصادي سياسي اجتماعي، يقود إلى إنجاز مرحلة التغيير بإطلاق الثورة الديمقراطية. إلا أن ما صعّب مسيرة البناء، عوامل عديدة داخلية، أهمها أن الضباط الأحرار لم يكونوا على تواصل أو تحالف مع الأحزاب الوطنية قبل الثورة، والجبهة الداخلية غير متبلورة اجتماعياً ووطنياً، ومجموعة الضباط لا تحمل معايير الخبرة الكافية لتحقيق التغيير المطلوب وسط مفاهيم القطرية والانتماء الأفريقي.
أما معوقات تسريع خطوات العمل الثوري الخارجية لانطلاق المفاهيم الثورية العربية الجديدة، تمثّلت في التآمر الخارجي ومعاداة الإمبريالية والصهيونية العالمية والأنظمة العربية الرجعية لثورة يوليو وتوجهها القومي الأصيل، مما فرض على قيادتها التصدي للأزمات الوافدة من الخارج، وهذا أيضاً كان على حسب تحقيق التنمية بشكل متسارع في الشأن المصري الداخلي.
ورغم كل تلك المعوقات والمؤامرات السرية العربية والدولية التي خفّضت من وتيرة العمل لبناء الدولة والتنمية، فقد استطاعت القيادة في مصر بناء أسس دولة مصر الحديثة وفق معايير العدالة والمساواة والقانون.
لا شك ف
ي أن أهم فاصل بين مرحلة الثورة ومرحلة برنامج بناء الدولة، كان في تأميم قناة السويس، بعد رفض البنك الدولي تقديم قرض لمشروع بناء السد العالي، في الوقت الذي كان الاتهام للرئيس جمال عبد الناصر من بعض الأنظمة والقوى السياسية بأن الثورة قريبة أو صنيعة المعسكر الغربي والسياسة الأمريكية، وجاء تأميم القناة دليل نفي تسبب في إعلان الغرب وأمريكا العداء العلني، مما أدى إلى انفتاح السياسة المصرية على المعسكر الاشتراكي "الاتحاد السوفييتي" للحصول على الأسلحة والدعم الفني والتقني والسياسي، مما أثار حفيظة الإمبرياليين وإعلان حرب مفتوحة على مصر تشكلت بعدوان ثلاثي ركائزه إنكلترا وفرنسا و "إسرائيل".
لقد فشل العدوان في تحقيق أهدافه مما ضخّ زخماً في عروق ثورة يوليو للمضي في عملية التطوير والتنمية الداخلية في إطار تنظيم متماسك - الاتحاد الاشتراكي العربي-، أفرز ثورة الإصلاح الزراعي، والاشتراكية، وتطوير مشاريع صناعية كبرى كمصنع الحديد والصلب والصناعات العسكرية، وغير ذلك من المشاريع التي وفّرت فرص عمل لشعب مصر، واقتصاد يتوجه إلى الاستقلالية والمتانة.
لكن الاهتمامات القومية والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص، والإيمان بأن الطريق الأهم والأفضل يتمثّل في تحقيق وحدة متكاملة عربية، كل هذه الأمور كانت حاضرة في ضمير الرئيس جمال عبد الناصر، الداعم والمساند لكثير من الحركات التحررية العربية، والعمل على تقوية الجيش المصري وتسليحه بالسلاح المتطور استعداداً لمعركة التحرير الكبرى في فلسطين.
لست هنا في معرض تلبيس الثورة ثوب الكمال، ولكل تجربة إيجابياتها وسلبياتها، وما قام به مجموعة من الضباط الأحرار الشباب متطلعين بكل أمل لتطوير مصر والالتفات إلى المحيط العربي والإسلامي والعالمي، ومن يعمل على تلك الأهداف، لا بد أن يتعرّض لبعض الإخفاقات في بعض التوجهات، وعداء الإمبرياليين والأنظمة العربية الرجعية كانت دائماً بالمرصاد لنجاحات الثورة.
أخيراً.. إن ثورة يوليو بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والضباط الأحرار حققت لمصر وللأمة العربية ما لم يحققه أي نظام عربي، واستطاعت أن تستقطب رضا الجماهير العربية قاطبة، وما خروج الجماهير في كل عواصم ومدن العالم العربي يوم هزيمة حزيران واستقالة عبد الناصر، محمّلاً نفسه بشجاعة مسؤولية الهزيمة، برفض استقالته والإلحاح على بقائه قائداً لمسيرة النضال العربي، لأكبر شاهد ودليل على صدق توجهاته القومية وإخلاصه لقضايا الأمة.
لقد استطاع الرئيس جمال عبد الناصر أن يحقق مكانة وقيمة وحضوراً لمصر وللأمة العربية على المستوى العالمي، واستطاع أن يكون القائد لتطلعات وأمنيات شعوب الوطن العربي من خلال مواقفه الوطنية والقومية، وكان بكل الأوقات مستهدفاً من قبل أعداء الأمة، ومن العقول التي تخشى التغيير والإصلاح.
إن الحركات الثورية العربية المتناغمة مع فكر ثورة يوليو، ما زالت تقدم كل أسباب الدعم للمقاومة العربية، وهذا متوارث من فكر الرئيس جمال عبد الناصر، الذي كان وسيبقى حاضراً في أقوال وأفعال الشعوب المتطلعة إلى حريتها وتحررها.
رحم الله الرئيس جمال عبد الناصر في يوم ذكرى الثورة 23 يوليو، ويبقى الأمل معقوداً على شعب مصر الحر والقادر على النهوض واستعادة موقعه الريادي.

في الثلاثاء 20 يوليو-تموز 2010 11:12:04 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=232