في نقد الثورة
عبدالرقيب البكاري
عبدالرقيب البكاري

الثورة الحقيقية هي تلك الثورة التي تطيح بمنظومة القيم والمفاهيم بالتوازي مع الإطاحة بالزعامات الإستبدادية .. والثورة الناجحة هي التي تملك خطط البناء قبل أن تقوض عروش السلطة التي اختزلت الوطن ومقدراته وممتلكاته لزعامات فردية وأسرية ..

إذن فالثورة تحرير الفكر والمفاهيم والقيم لصالح مفاهيم وقيم جديدة .. تحرير الإنسان قبل تحرير الكرسي اللعين الذي ظل الحاكم عليه عاكفا لعقود طويلة

نهضة لاقتصاد الأمة وتحريرٌ لهذا الإقتصاد من استغلال المنظومة الحاكمة والرؤوس التي طبطب عليها ورباها وعاشت في مناخه وعاثت في ظله واحتكرت حق الأغلبية الكادحة لصالح هذه الروس القليلة والصغيرة

حين نقوم بتقييم الثورة في اليمن ونقارنها بالمفاهيم الحقيقية للثورة الحقيقية والناجحة نصاب بالإحباط بلا شك خصوصا وأن ثورات الربيع العربي كانت عفوية تلقائية ربما لأن الأنظمة نفسها لم تساعد على وجود نخب قادرة على القيادة لذلك وبخلاف الكثير من الثورات التاريخية الناجحة كانت النخب تغيب لصالح الجموع وتتفاوت نسبة النجاح من ربيع لآخر على حسب الوعي الجمعي لهذه الجموع الشعبية خلاف الثورة الفرنسية مثلا والتي كان يُنظر لها من قبل الأكاديمين والمثقفين وكانت لديها شعارات واضحة على أن المشاكل الكثيرة في المجتمعات العربية تتسبب في تشتت الأهداف الواضحة والصريحة ربما بسبب الفجوة الواسعة بين واقعنا وواقع المجتمعات المتحضرة فكانت شعارات [الدولة المدنية ] تغلب على شعارات الربيع العربي حيث يحتكر الحكام (العسكر) الدولة لفئات وطوائف وأسر وجماعات معينة

وإذا عدنا لليمن فمن المؤسف القول بأن الثورة لم تنجح (في حالة عدم الاستمرار) في في شقيها

تقويض أركان الحكم السابق وتقويض المنظومة الحاكمة والقيم التابعة لها وانعدام الفكرة والهدف سوى تلك الشعارات الشعبية التي تنطلق دون تخطيط نخبوي منهجي مدروس

اليمن ذلك المجتمع الذي تنهكه الولاءات القبلية ويستفرد فيه الشيوخ بتوجيه القرار السياسي لصالح الفئة والقبيلة على حساب الولاء الكبير للوطن

القبيلة المتشحة لباس العسكر الموالين للشيوخ والمعرقلون لأي فكرة واضحة لتحقيق الأهداف الثورية

القوى التقليدية والتي تصر على البقاء في صومعة الزمن دون حلحلة دون مراعاة لظروف المجتمع وخصائص العصر

التيارات الفكرية والجهوية والمذهبية والمناطقية

نحن بحاجة لأكثر من ثورة على أكثر من مستوى أهمها فكرة التنوير والوعي وإعادة هيكلة للمنظومة الفكرية التي تهمش من الأصوات التنويرية المنادية لحقيقة معاني الدولة المدنية

بحاجة إلى تحرير الإنسان اليمني من عنق الولاءات الدينية والقبلية والسلالية والمناطقية كل هذا لا يتأتى والعقبات تقف أمام الفكر التوعوي المؤثر أمام الزخم (الثوري) الذي لا يزال يعيش لحظات التشفي وعقدة [ النظام السابق وبقايا النظام ]

وإذا نظرنا بعين الإعتبار للواقع الثقافي المتواضع يمكننا أن نتجاوز عن فكرة وضوح الهدف ومنهجية الفكر الذي من المفترض أن يكون جاهزا لدى القوى الثورية لا يمكن تجاهل الوقوف والكساد فيما بعد سقوط النظام لطرح الخطط المدروسة لأهداف الثورة موضع التنفيذ مما يتضح جليا أن ثورتنا غابت عن الحضورة بمعناها الثوري أيام الزخم الجماهيري وغابت عن الحضور بعدها تاركين المجال لشخصيات أخرى وقوى كانت بالأمس القريب جزء لا يتجزأ من النظام الذي ثاروا عليه تاركين لهم مجال صياغة المستقبل للدولة [ المدنية المنشودة] مما يعني أن الثورة غابت فكريا وتنظيميا لتمكين الأشخاص من الإستئثار بنتائج الاحتجاجات بعد كل التضحيات والشهداء والثمن الذي دفعه الشعب باهظا

التخلي عن القيم السابقة هي من أوجب الواجبات الثورية ومن أهم هذه القيم صناعة الأصنام والتبجيل للشخصيات التي لا تقل فسادا عن [بقايا النظام] بحجج كثيرة تارة بحجة (حماة الثورة ) وأخرى بأن الوقت ليس ملائما إضافة إلى التعصب وعدم القبول بنقد الثورة باعتبارها فكرة قابلة للنقض والقبول لذلك ليس من المستغرب أن تجد الأكثرية من الشعب تزداد حالته سوءا لأن الأهداف المرحلية لتحسين الوضع غائب قبل وبعد .. فمالذي تغير حتى يتحسن الوضع .!!لا شيئ

فمن ناحية أمنية لم تكلف وزارة الداخلية نفسها بوضع دراسة لانتشار أمني وخطط لحفظ الأمن التبرير الذي تسمعه غالبا بقايا العائلة تمسك بأطراف اللعبة الأمنية والعسكرية خصوصا في وجود ضعف رهيب لاحتواء الإختلاف بين قيادات العسكر ليستمر الوضع سوءا حيث من المفترض أن وزارة الداخلية منطلقة من وضع ثوري عقد عليه الكثيرون الأمل في تحسين الوضع الأمني وإذا عدنا لمشكلة غياب الوعي نجد أيضا أن المشكلة لا تنحصر في شخص الوزير وحده بل في الأتباع الذين يغضون الطرف عن أي اختلال حين يحكم الوزير التابع لحزب معين وهذه مشكلة عربية بامتياز تعود أيضا لفساد العقل الجمعي أو ما يسمى بثقافة القطيع الأهم هو بقايا النظام والنظام السابق :)

المشكلة الكبرى التي كنا نعاني منها هي غياب سيطرة الدولة على الأجهزة التنفيذية لصالح شيوخ وشخصيات عسكرية أفلتت من قبضة الدولة بشكل جزئي والوضع نفسه نراه ونشاهده اليوم كأنك يابو زيد ماغزيت هذا الخلل أيضا ناتج عن غياب الفكر الثوري الناضج وضعف القيادة المركزية وانعدام الولاء للوطن لصالح هذه الشخصيات ومراكز القوى

يمكن القول وحتى نكون منصفين أن الأهداف الثورية الرئيسية ( الحرية والعدل والمساواة ) يصعب تحقيقها خلال أشهر أو حتى أعوام ذلك أن خصوصيات المجتمع وعقليته التي تحمل إرثا ظالما متراكما متخلفا لكن المشكلة أن الوضع يزداد سوءا ولا أمل على المستوى القريب حيث تغيب الخطط الممنهجة للتخلص من القيم السائدة في المجتمع وإذا كان العقل الجمعي الشعبي لا يستجيب فمن العبث المحاولة دون وجود قنوات توعوية حكومية وشعبية خصوصا أن مثقفينا يتجاهلون أهمية التوعية الشعبية ليهتموا بالدفاع عن شخصيات لا تزال تكرس فينا عقلية النظام السابق نفسه

فالحرية تغيب حين تحضر القبيلة لتخنق حضور الدولة وحين تحاول مراكز القوى التقليدية بكل جهدها عن البحث على موطئ قدم لها وحين يستمر الشيوخ في إذلال المواطن الحرية مفهوم إنساني عريض يتناقض تماما مع مفهوم الإستبداد الحاضر بكل قوة في مجتمعنا اليمني

والمساواة تغيب أيضا للأسباب السابقة إضافة إلى الإرث الطبقي المخيف وغياب القانون والظلم الإجتماعي

والعدل ينعدم في ظل غياب استقلالية القضاء

ختاما : الثورات ليست صراخا بقدر ماهي محاولة يجب أن تنجح لأن تستمع للآخر وجذب انتباهه لكي يسمعك ..

والإهتام بالبناء أكثر من التشفي بالسقوط


في الثلاثاء 17 يوليو-تموز 2012 05:09:05 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=882