حمدين صباحي.. فرصة أفلتت من مصر (1-2)
حسن العديني
حسن العديني

عندما التحقنا بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة العام 75-1976 كنا – غازي أبو بكر وأنا – مفعمين بالرغبة في استكشاف الوجود الناصري في الجامعة خصوصاً أن الحملة على جمال عبدالناصر في أوجها مدعومة من السلطات الحاكمة وموجهة من السادات نفسه.

بلغ من عنف الحملة أن شنت الصحافة المصرية هجوماً كاسحاً على السد العالي، أبرز منجزات عبدالناصر، لأنه إذ منع الفيضان السنوي للنيل حرم التربة الزراعية من الطمي الذي يخصبها ، ثم إنه يهدد مصر بالغرق إذا تعرض لكارثة ما، مما دفع بصحفي ماركسي محترم (فليب جلاب) أن يؤلف كتاباً بعنوان "هل نهدم السد العالي" بين فيه بالأرقام المساحات التي أضافها للأراضي الصالحة للزراعة وشبكة الكهرباء المنتجة من المولدات المائية للسد وغطت مدن وريف مصر، ودوره في حماية مصر من جفاف ضرب إفريقيا مدة سبع سنوات في حقبة السبعينيات.

في العام نفسه (1976م) أصدر الصحفي "جلال الدين الحمامصي"، زميل السادات في السجن بالأربعينيات، كتاباً بعنوان "حوار وراء الأسوار"، وفيه اتهم جمال عبدالناصر "بسرقة خمسة عشر مليون جنيه استرليني قدمها الملك (سعود بن عبدالعزيز) للحكومة المصرية بعد خلعه من العرش ما بين تبرع وقرض ميسر". وتداعى الهجوم في الصحافة لتشويه سيرة الرئيس السابق والطعن في ذمته المالية. ومن سوء حظهم أنه كان في قيادة البنك المركزي محافظ نقي الضمير فعاد إلى الأرشيف ووجد أن جمال عبدالناصر قد كتب تظهيراً على الشيك لصالح الحكومة المصرية وأن المبلغ أودع بالفعل في حسابها العام.

واضطر أنور السادات بعد نشر الوثائق إلى أن يذكر الحقيقة في إحدى خطبه ويصف

"جلال الحمامصي" بالحاقد.

في تلك الأجواء المشحونه بالهجوم على جمال عبدالناصر والمتلازمة مع سياسات حثيثة لتدمير منجزاته الاجتماعية والاقتصادية والانقلاب على توجهاته في إدارة الصراع مع إسرائيل والقوى الإستعمارية كنا مسكونين بهم لمعرفة ما إذا بقي في الجيل الشاب في مصر من يدرك قيمة ما قدمه جمال عبدالناصر لبلاده والأمة العربية ودوره في إلهام ومساندة حركات التحرير الوطني.

لذلك أخذنا ندخل في مناقشات سياسية مع زملائنا في الكلية حتى عثرنا على زميلنا "عبدالخالق فاروق حسن" وهو ابن جندي متقاعد قاتل مع الجيش المصري في اليمن، لكن هذا القادم من المدرسة الثانوية لا يعرف أحداً ممن نبحث عنهم. مع ذلك فمعه، ومع (جعفر) الجزائري، ترافقنا، نستذكر معاً ونلتقي حول مبدأ واحد.

الطريف أننا فشلنا في النهاية؛ فجعفر فأجأنا في السنة التالية وقد انحسر شعر رأسه وطالت لحيته، ولا ندري أين انتهى به المصير في سنوات العنف بين الاسلاميين والعسكر في بلاده. أما "عبدالخالق" فقد ساقته معاناته المالية إلى جماعه تروتسكيه، وهو الآن باحث ممتاز وأستاذ في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.

على أن بحثنا لم يطل كثيراً، فقد جاءت الانتخابات الطلابية في السنة نفسها، وشاهدنا يافطه عليها اسم "محمود العكازي" مرشحاً لاتحاد طلبة كلية الاقتصادية وكان "عبدالملك سعيد"، السفير الآن والمتخرج من نفس الكلية، قد حدثنا عنه قبل سفرنا، ولا أذكر أنه صادف حظاً في الانتخابات رغم أننا التقينا مرات في مقر رابطة الطلبة العرب الوحدويين الناصريين بباب اللوق. فيما تلا من السنين سألت عنه وقيل إنه يعمل مأذوناً في الإسكندرية. مهنة ورثها عن أبيه المتوفى.

لكن الاسم الصارخ الذي تشير إليه الأصابع على اليافطة المعلقة في ساحة الجامعة هو "حمدين عبدالعاطي صباحي" المرشح لاتحاد طلبة كلية الاعلام، وانتهت الانتخابات بفوزه برئاسة اتحاد الكلية. ثم جرت الانتخابات على مستوى قيادات اتحادات الكليات ليتأكد نحاجه برئاسة اتحاد طلاب جامعة القاهرة. تلا ذلك انتخاب قيادة الاتحاد العام لطلاب جمهورية مصر العربية واحتل "حمدين" موقع نائب الرئيس والمسئول الإعلامي.

قيل وقتها إن حظوظه كانت كبيرة لتولي رئاسة الاتحاد إلا أنه انسحب لصالح رئيس اتحاد طلاب جامعة طنطا ذى التوجه الماركسي (بهاء الدين شعبان)، وأظنه الباحث الذي يحمل نفس الإسم وينشر في مجلة "السياسة الدولية" التي تصدر عن مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام.

لعل "حمدين" فضل مسئولية الإعلام على رئاسة الاتحاد حتى يوصل صوته إلى الناس فقد صدرت عن الاتحاد العام لطلاب مصر صحيفة أسبوعية محترمة اسمها "الطلاب" توزع في الأكشاك والمكتبات مثل غيرها من الصحف السيارة. وبدا لافتاً إقبال القراء على مقالها الافتتاحي (إضاءة) الذي يكتبه رئيس التحرير (حمدين صباحي).

كنا أمام صحيفة فيها احتراف ومهنية، وأمام كاتب متمرس من الوزن الثقيل لا يخطر على غير العارف انه لم يزل طالباً في مدرج الكلية.

إلى تلك اللحظة كنت أشاهد حمدي من بعيد دون أن نتقابل أو نتعارف. وعلاوة على المقال الافتتاحي لـ "الطلاب" (إضاءة) كان يكتب مقالات صغيرة وخواطر شعرية رائعة للصحف المعلقة على جدران الكليات وفي ساحات الجامعة. والحقيقة أنها لم تكن صحفاًُ حائطية بالمعنى المتعارف عليه بل أقرب إلى المعارضة.

في تلك السنة أنشأت القوى السياسية المعارضة للنظام في الجامعات ما سمي بالنوادي الفكرية. واتخذ الناصريون مسمى واحداً عمموه في كل الجامعات "نادي الفكر الناصري"، وتجمع الماركسيون في جامعة القاهرة في "نادي الفكر الاشتراكي" وفي جامعة المنصورة في "نادي الفكر التقدمي" ، وهكذا تعددت المسميات في مختلف الجامعات.

أما "الإخوان المسلمون" المنحصر تواجدهم في جامعة القاهرة في الطب والهندسة فلم يقيموا ناديهم الخاص، وبدا تنسيقهم ملحوظاً مع جماعة "حورس" الموعية من إدارة الجامعة، أو من أمن الجامعة بالأحرى، بحسب الجماعات اليسارية.

كانت معارض ناديي الفكر الناصري والاشتراكي تقام على شكل صحيفة من عدد كبير من الورق المقوى تضم مقالات فكرية وتعليقات سياسية وقصصاً قصيرة وقصائد شعر وكاريكاتير وسواها من الفنون الصحفية. وحولها يتحلق الطلاب للقراءة حيث تجري دائماً مناقشات ساخنة غالباً ما تدور بين الماركسيين والناصريين الذين يحاول كل منهم أن يهدم البناء النظري والفكري للآخر أو ينتقد التجربة التاريخية لجمال عبدالناصر في مصر أو لجوزيف ستالين في الاتحاد السوفيتى وغيره من القادة الشيوعيين.

في إحدى هذه الحلقات النقاشية تكلمت مدافعاً عن التجربة الناصرية بعد أن قدمت نفسي بأنني يمني وصلت للدراسة الجامعية بفضل الثورة التي دعمها جمال عبدالناصر. ولم يعدم الماركسيون حجة في التهوين من شأن الثورة التي لم تحدث تغييراً بنيوياً في المجتمع اليمني. لكنني بعد أن انصرفت قابلت شاباً يصطحب فتاة قدم لي نفسه "صفوت حاتم"، وقد عرف من زميلته أنني ناصري من اليمن. جمعتني صحبة بطالب الطب الذي أكمل دراسة الدكتوراه في فرنسا. أما الفتاة فهي طالبة في كلية الإعلام وابنة المستشار في القضاء المصري، وقد اشتغلت بعد البكالوريوس صحفية في مجلة روز اليوسف.

العلاقة الأوثق والأعمق نشأت واستمرت حتى اليوم مع "كمال أبو عيطة" الطالب في كلية الآداب (قسم الفلسفة) والنائب الآن في البرلمان المصري عن حزب الكرامة.

وكان لقاؤنا الأول حول معرض صحفي أمام بوابة كلية الآداب، و"كمال" قوي النبرة والحجة في نقاشه. تم تعددت اللقاءات في الجامعة وفي سكني في شارع الحسين بمدينة الأوقاف القريب من منزله الكائن ببولاق الدكرور.

عرفني "كمال" برفاقه، حمدين صباحي وأمين اسكندر وعبدالله السناوي من كلية الاعلام وجمال فهمي ومحمد حماد من كلية الحقوق، الذين هجرا القانون إلى الصحافة، وجمال عبدالناصر من كلية الزراعة ثم جمال عبدالناصر الفلسطيني لم أعد أتذكر في أي تخصص كان. وفي كلية الاقتصاد كان معنا "حسين عبدالغني" الذي تخرج من قسم السياسة واشتغل في الصحافة العمانية ومراسلاً لجريدة الشرق الأوسط في مسقط إلى أن رجع إلى القاهرة مديراً لمكتب قناة "الجزيرة". وكان أخوه "سيد عبدالغني" في حقوق عين شمس حيث تقدم في المهنة إلى أن أصبح محامياً أمام محكمة النقض.

كانت هناك الكثير من المناضلات أكثرهن ارتبطن بعلاقات زواج مع زملائهن من نفس التوجه، ومازلن ناشطات وحاضرات في العمل السياسي والاجتماعي وبينهن صحفيات لامعات.

كان هؤلاء كلهم بلا أساتذة في العمل السياسي. لم يسبق لأحد منهم أن تربى داخل حزب أو جماعة سياسية، وإنما ساقهم الهم الوطني والقومي إلى قلب السياسة. أظنهم سعوا إلى بناء أداتهم التنظيمية باجتهاداتهم الخاصة ومن وحي القراءة في التجارب الحزبية العريقة.

كما أنهم أقاموا جسور تواصل مع زملائهم في الجامعات الأخرى ومع من سبقوهم في النشاط السياسي في الجامعات مثل "أحمد الجمال" وزملائه الذين شاركوا في قيادة الثورة الطلابية سنة 1972 ضد ما رأوه تقاعساً من أنور السادات عن معركة التحرير. لكن كتلة سياسية تشكلت من الأولين والآخرين مهندسها وقائدها "حمدين صباحي".

كان واضحاً أن "حمدين" يتمتع بكاريزما استثنائيه تعززها ثقافة واسعة ومهارات سياسية مع شخصية موزونة وهادئة. ويذكر الناس وقفته في القاعة الكبرى بجامعة القاهرة يشرح للسادات الأفكار الرئيسة في الناصرية بعد أن سخر هذا ممن قال إنهم يلبسون قميص عبدالناصر وتحدى أن يقول له أي منهم ما هي الناصرية.

لقد اضطر السادات أمام الثقة والهدوء وقوة وسلاسة المنطق أن يتأدب في تعليقه على حديث "حمدين" ويخاطبه بـ"ياإبني"، بينما احتد غاضباًَ على الطالب الإخواني المتشنج "عبدالمنعم أبو الفتوح" رغم أنه لم يكن قد قطع حبل الود مع الإخوان المسلمين.

في مرات كثيرة كنت شاهداً على ما يتمتع به "حمدين" من حلم ومهارة.

إحدى المرات عندما قررت إدارة جامعة القاهرة إغلاق نادي الفكر الناصري، وعقد قادة النادي مؤتمراً حشدوا إليه زملاءهم جوار كلية الحقوق، وتحدث أمين اسكندر وعبدالله السناوي ومجدي رياض وغيرهم، وجاء حمدين صباحي، رئيس اتحاد طلاب جامعة القاهرة، وتكلم عن حق الطلاب في النشاط والتعبير وضرورة أن تعالج إدارة الجامعة الموضوع بمسئولية وحرص. ولو أن أحداً من سامعيه لا يعرف انتماءه السياسي لما خطر له أن هذا المتحدث ناصري فضلاً عن أن يكون زعيم المجموعة.

مرة ثانية تبدى حلمة في حادثه وقعت في مبنى اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي. والمناسبة إحياء أربعينية "كمال الدين رفعت"، التي أقامها حزب التجمع الوحدوي التقدمي. تحدث كثيرون، من شقيق كمال رفعت حتى خالد محيي الدين. وعلى نحو مفاجئ نهض رئيس نادي الفكر الناصري (صفوت حاتم) وأمسك الميكرفون وقال إنهم في التجمع رفضوا تضمين فقرات التأبين كلمة للنادي، وهو حق له طالما الفقيد مناضلاً ناصراً كبيراً. وقام بعض شباب التجمع وامتدت أيديهم إلى صفوت ونشبت معركة بالأيدي نزل إليها الدكتور رفعت السعيد ناسياًَ سنه ومكانته ودرجته العلمية فأخذ يضرب بيده ويركل بقدمه وانقلبت القاعة بما فيها، بينما ظل "حمدين" في مكانه بجانب أحد الأعمدة هادئاً وصامتاً.

كان هذا في 1976م ولم يغادر "حمدين" بعد قاعات الدراسة.

لقد كان زعيماً من شبابه المبكر بل لقد ولد بمزايا القائد.

 عن صحيفة الاولى - الاثنين - 27 مايو


في الإثنين 28 مايو 2012 02:07:31 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=818