إلى روح المضواحي: من نضجت مداركه على درب الكفاح وجمر المعاناة
اللواء الركن عبد الرحمن حسان
اللواء الركن عبد الرحمن حسان
قال الله عز وجل (من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) وسبحان (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) صدق الله العلي العظيم. الوحدوي نت

والحمد لله في السراء والضراء أبداً أبداً، دائماً سرمداً، كما يحب ويرضى، وله الحمد بعد الرضا، بكل المقاييس والاعتبارات، كان لرحيل المغفور له الدكتور عبد القدوس يحيى المضواحي المفاجئ وقع الصاعقة على نفوس وأفئدة وضمائر أهله، وأحبائه، وزملائه، وأصدقائه الكثر، على المستويين الوطني والقومي – وجلّهم من صفوة الصفوة.. مناضلين ومفكرين وزعماء وقامات سياسية شامخة.

وقبل أن أدلي بدلوي المتواضع في الذكرى الأربعينية لرحيله الفاجع، اتقدم بعظيم الشكر وصدق الممنونية لرجل اليمن الكبير ومناضلها الجسور رئيس حكومة (الإنقاذ الوطني) الأستاذ محمد سالم باسندوة على مكارمه المحمودة في تكريمه وإنصافه لفقيدنا الغالي الدكتور عبد القدوس سواء في مرثيته الكريمة البليغة، الأخاذة بسحر بيانها التي واسى بها أسرته المكلومة والشعب اليمني والأمة العربية والإسلامية برحيل هذه القامة النضالية والهامة الوطنية والقومية الدكتور عبد القدوس المضواحي طيب الله ثراه, أو لإصراره على الخروج ليلاً في هذا الشتاء القارس إلى المطار ليكون على رأس المستقبلين لجثمان رفيق دربه والانتظار طويلاً موعد هبوط الطائرة بل وإصراره أيضاً إلا أن يكون في طليعة المشيعين للمغفور له سيراً على الأقدام إذ كانت هامته الصلعاء تتصبب عرقاً تحت أشعة الشمس الحارقة وعبر مسيرة حاشدة امتدت نحو كيلومتر ونصف تقريباً رغم مهامه وهمومه الكبيرة.

وتجاه ذلك وإذ لم تسعفنا لغة الضاد بما يليق بنا لرد (التحية) فحسبنا أن نزجي بما هو بمقدورنا فنقول شكراً جزيلاً –باسندوة– يا فارس اليمن في هذا الزمن الصعب والمضطرب.. سائلين لك المولى – في مهمتك الإنقاذية – أن يكون معك وكل الشرفاء من حولك حافظاً وناصراً ومعيناً وملهماً وخير رفيق.

نعود – بعد هذا الاستهلال – إلى سياق من نحن في حضرته وعلى أعتاب مقامه الكريم، الراحل الكبير د / عبد القدوس المضواحي.

ومع الاعتراف سلفاً بأنه ليس بمقدورنا في هذه العجالة الإحاطة بكل تفاصيل حياته النضالية المليئة بالعطاء المترعة بكل ألوان المعاناة والتشرد.

بناءً عليه سنكتفي بالإشارة السريعة إلى أهم المحطات الحياتية التي تشكلت بها ومن خلالها ملامح شخصيته المتسمة بالإصرار والمثابرة والتصميم على درب كفاحه المرير دفاعاً عن المبادئ والأهداف والقيم الوطنية والقومية والإنسانية التي يؤمن بها ويناضل في سبيل تحقيقها غير مكترث بما يعترضه من تهديدات وتحديات ومخاطر... وهي المحطات الهامة التي أعتقد أنها غائبة عن إفهام الكثيرين وعلى النحو الآتي:

طفولة غير سعيدة:

1- شاءت الأقدار أن يحدث الانفصال المبكر بين والده ووالدته وهو في منتصف العقد الأول من عمره تقريباً.. وكان لابد من مغادرة والدته المطلقة إلى بيت أهلها في قرية (عمقه) مخلاف عمار مصطحبة ابنتها وتاركةَ ابنها عبد القدوس في كنف ورعاية أبيه.

وكان طبيعياً أن يتزوج والده بأخرى أو كان قد تزوج مع وجود والدته وأن يخلف منها البنين والبنات.

2- كان الجد السيد صالح محمد سفيان خلف أربع بنات متتاليات فسمى ابنته الصغرى (منتهى – والدة المغفور له) وذلك من باب التوسل والرجاء بأن يرزقه الله بنيناً فاستجاب سبحانه لرجائه وجاء المولود الخامس ذكراً سماه (حسان) ورغم أنه أصيب بالصمم التام وهو يافعاً إلا أنه غدا عالماً ربانياً وشاعراً وأديباً مبدعاً إذ اكتسب جل معارفه عن طريق التعلم والتثقف الذاتي... ذلك أن الله عوضه بذكاء خارق.

وكان - رحمه الله- أشهر شخصية في المنطقة في التدين العميق, صواماً في النهار قواماً في الليل وكان من أصحاب الكرامات المشهودة والمعروفة عند الكافة.

هذا العالم الجليل تولى رعاية شقيقته المطلقة (منتهى وابنتها) بكل ما عرف من كرم الشمائل ورقة القلب ومطلق الحنان لصيق بهما لصيقتان بشخصه على الدوام.

3- في هذا الجو وضمن هذه البيئة العائلية غير المستقرة عاطفياً ونفسياً نشأ عبد القدوس وترعرع، وما من شك أن هذا الوضع غير الطبيعي قد ترك في نفسه أثراً وأي أثر؟!

وكان من أبرز سماته الشخصية أنه لا يشكو مطلقاً من أي شي ولا يكذب، وإذا حاول قريب أن يستدرجه للحديث عن طبيعة المعاملة التي يحضى بها من أبيه وخالته، فإنه يرد وبشكل قاطع وحاسم وبلهجة استنكارية هازئة أن لا شيء يستحق السؤال، وإن أوضاعه (تمام التمام).. وهو بالتأكيد صادق.

4- ربما كان الهم الذي يشغل عبد القدوس وهو في هذا السن المبكر، هو عندما يتعاظم شوقه لأمه ولحضنها الدافئ ولرؤية شقيقته – نظراً لبعد الشقّة، وقبل أن تشق الطريق و تعرف المنطقة السيارة.. ذلك أن تحقيق هذه الرغبة دونها الكثير من المتاعب.. فهو بحاجه إلى إذن من أبيه وإلى مرافق يعرف الطريق وهذا سهل ميسور (دائماً) المشكلة مشقة السفر مشياً على الأقدام عبر الشعاب والوهاد والنجاد، وعلى مدى مرحلتين:

المرحلة الأولى: تبدأ بالانطلاق من قرية (المصنعه) مخلاف الشعر ناحية السدة إلى قرية (الدوير) مخلاف العود ناحية النادرة قاصداً منزل خاله زوج خالته (سيده – والدتي) فيستقبل بالترحاب وبالعناية الكافية بتدليك قدميه المتورمتين من وعثاء السفر الطويل الذي يبدأ عادةً من مطلع الشمس وينتهي بمغيبها.

ولا بد للمسافر الصغير أن يمكث في قرية الدوير بضعة أيام مع زميله ورفيق دربه وابن خالته (كاتب هذه السطور) وحتى يسترد عافيته.

المرحلة الثانية: وهي أكثر مشقة لأنها تمر عبر مسالك جبلية شاهقة أشد وعورة.. ومسافة الرحلة يوماً كاملاً كسابقتها تبدأ من قرية الدوير وتنتهي بقرية عمقه.

وقد يفاجأ المسافر الصغير أن والدته وكريمته في بعض المرات رحلتا مع الخال حسان إلى قرية (أجحم) عزلة البكرة ناحية دمت حيث تقيم إحدى زوجاته، والذي يحرص على اصطحاب أم المغفور له الذي اعتاد على وجباتها الشهية لأنها ذات مهارة عالية في إعداد الأطعمة الفاخرة والتي اكتسبتها من بيت أبيها المضياف ومن بيت الزوجية في مخلاف الشعر الأرقى معيشةً من سائر المناطق الوسطى.

والسفر إلى أجحم هو الأشد والأصعب وعبر سلسله جبلية حادة الارتفاع مكسرة المسالك.

ولنا أن نتصور رحلة العودة للسندباد الصغير عبر المحطات المشار إليها.. وهي رحلات عادةً ما تتكرر كل بضعة أشهر.

5- وشاء القدر أن تتزوج الأرملة الشابة (منتهى) ولاحقاً ابنتها (أمة الملك أخت المرحوم) شقيقين من أبناء العمومة (السيد أحمد علي سفيان – والسيد صالح علي سفيان).

وهذا التطور العائلي قد وفر نصف الجهد على الأقل لـ عبد القدوس عندما يشتاق للزيارة بعد أن اجتمعت والدته وشقيقته في بيت واحد بقرية الدوير السالفة الذكر.

6- أردت بهذا التفصيل لمرحلة الطفولة لفقيدنا العزيز أن أرسم صورة حية لتلك المرحلة المليئة بالمتاعب والعذاب وعدم الاستقرار، والتي تواصلت على امتداد سنوات العقد الأول من عمره.. وهي الأخطر في حياة كل شخص إذ تتشكل عبرها مكوناته النفيسة والروحية والعاطفية والاجتماعية، وتتبلور خلالها استعداداته الذاتية لمواجهة مشاق الحياة الآتية بكل تقلباتها.

ورغم قسوة تلك المرحلة إلا أن لها أبعاداً إيجابيه أهمها:

1- أنها أنضجت مداركه على جمر تلك المعاناة، حيث أراد له الخالق أن يصلِّب عوده منذ نعومة أظفاره.. وأن يروّضه على تحمل مشاق الحياة بكل أشكالها وتقلباتها.

2- ولأنه قد سبق في علم الله أن هذا الغلام عبد القدوس سيختار الدرب الأصعب في الحياة درب النضال والمغالبة، وبين جوانحه يحمل هموم ومعاناة شعبه وأمته الممزقة المفتتة.

مرحلة الدراسة:

لن أقف كثيراً عند هذه المرحلة.. سأشير فقط لبعض الجزئيات التي لا يعرف عنها الكثير.. وهو أنه في أواخر الخمسينيات تم ترحيلة إلى صنعاء للدراسة ومن حسن الطالع حصوله على أمرٍ من وزير المعارف حينذاك القاضي عبد الله الحجري بالالتحاق بالقسم الداخلي للمدرسة المتوسطة، وبموجبه يحصل على السكن المجاني والخبز اليومي (4 كدم) والإدام الجيد للوجبات الثلاث، وهي أهم ضمانات الاستمرار في الدراسة.. وهذا الامتياز ما كان له أن يتحقق لولا العلاقة الحميمة بين آل المضواحي والوزير الحجري، لأنه بمعيار اليوم يساوي (فيزا) إلى الولايات المتحدة.

كان ابن خالنا العزيز مطهر حسان - رحمة الله عليه- قد سبق عبد القدوس إلى صنعاء وحصل على نفس الامتياز بالالتحاق في القسم الداخلي للمدرسة الثانوية بحكم مكانةِ وعلاقات أخيه الأديب الشاعر أحمد حسان - رحمة الله- زميل (البردوني والمقالح) في المدرسة العلمية / دار العلوم.

ورغم أن العزيز مطهر حسان - رحمه الله- أصغرنا سناً كان متقدماً علينا بالدراسة بفضل أنه تتلمذ مبكراً على يد أبيه العلامة حسان صالح ثم على يد أخيه أحمد حسان في صنعاء وقد أهّله مستواه المتقدم للالتحاق بالمدرسة الثانوية مباشرة.

أما أنا (كاتب هذه الذكريات) فقد تم لي اللحاق بالزميلين العزيزين إلى صنعاء رغم أني أكبرهما سناً عام 1959م لكني لم أحصل على أمر الالتحاق بالقسم الداخلي إذ تم قبولي في المتوسطة للدراسة وعلى نفقة نفسي لذلك كانت معاناتي أشد ولم يتحقق لي القبول إلا عام 1961م في عهد الوزير المرحوم القاضي محمد عبد الله عاموه.. الذي كان باكورة أعماله معالجة الطلبات المتراكمة المرحلة لجموع الطلاب الوافدين من الأرياف.

كنا الثلاثة الزملاء وحسب الترتيب العمري (عبد الرحمن – عبد القدوس – مطهر) نعيش بقلب واحد، تجمعنا وشائج قرابة عائلية وروحية وعاطفية، ونفسية، وحتى مشاعر وأحاسيس وقناعات واحدة ومشتركة وشاءت الإرادة الربانية أن يكون الرحيل إلى الملأ الأعلى بعكس تدرجنا العمري حيث غادرنا مطهر مبكراً قبل عقد ونصف بحادث مروري مؤسف وتلاه رحيل المغفور له عبد القدوس الذي نعيش في غمرة الأحزان على فراقه والله أسأل ألا يطول انتظار اللحاق بهما بحوله وطوله.

بداية تشكل الوعي السياسي:

بلغت الثورة العربية القومية ذروة مدها وتوهجها في عقد الستينيات بعد فترة جزر تمثلت بنكسة الانفصال للوحدة المصرية السورية والتي كان ينظر إليها الشباب العربي النواة المباركة للوحدة العربية الشاملة.

كانت الثورة القومية بروافدها الثلاثة (البعث – والقوميين العرب أواخر الأربعينيات – والتيار الناصري في مصر مطلع الخمسينيات) قد لعبت الدور الكبير والفعال في تنوير وتثقيف وتثويرالشباب العربي في مختلف الأقطار ومنها اليمن – بشعاراتها القومية الجذابة والغلابة، في التحرر من الرجعية والاستعمار، وقيام الوحدة العربية الشاملة، وتحرير فلسطين... إلخ.

بالذات ثورة 23 يوليو 52 م والتي تضخ أدبياتها إذاعة (صوت العرب) على مدار الليل والنهار وعبر الصحف المصرية خاصة الأهرام التي يتصدرها المقال الأسبوعي للأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل (بصراحة) والتي تُهرب إلى اليمن وغيرها من الأنظمة – الملكية الوراثية المستهدفة بالثورة – كما تهرب المخدرات فيتلقفها كبار المثقفين والعلماء المستنيرين بشوق ولهفة، ومنهم إلى كبار الطلاب في المدارس، الذين يعكفون على قراءتها داخل غرف مُحّكمة الإغلاق خوفاً من عيون النظام.

كان وعي المغفور له عبد القدوس ونضجه متقدم على عمره الزمني, لذلك تراه يقيم علاقاته وصداقاته مع كبار الطلاب في المدرستين الثانوية والعلمية، ومنهم يحصل على تلك المطبوعات لقراءتها مع من يراه أهلاً لحفظ السر من زملائه في المدرسة المتوسطة، وأحياناً يتم نسخ أهم المقاطع من تلك المقالات، ومن ثم إعادتها إلى مصادرها وهكذا دواليك, بل وكان يجتهد في شرح ما يستعصى على إفهامنا من عباراتها ومصطلحاتها، لأنه أكثر وعياً وإدراكاً منا.

و تجدر الإشارة إلى أن الطلاب المتقدمين من منتسبي المدرسة العلمية والثانوية كانوا على صلة ولقاءات مع الضباط الأحرار المتخرجين من الكلية الحربية أواخر الخمسينيات والذين شكلوا (تنظيم الضباط الأحرار عام 1961م) باعتبارهم زملاء دراسة (الضباط والطلاب)، حيث تم ترشيح أولئك الضباط للكلية العسكرية من أوساط طلاب المدرستين المذكورتين، فضلاً أن معظمهم من المناطق الوسطى (بيت عبد المغني – بيت الشامي – بيت الأشول– بيت المضواحي)... إلخ.

وعن طريق هذه العلاقات كان بعض الضباط يدلي ببعض إشارات ذات دلالة لزملائهم الطلاب عن شيء سيحدث على طريق التغيير.

وكان عبد القدوس بحسه المرهف وحب الاستطلاع يقتنص معلومة من هذا وفكرة من ذاك ليعود إلى زملائه اللصيقين به في المتوسطة ليحيطنا علماً بآخر معلومات توصل إليها بعد أخذ الالتزامات والتعهدات بعدم إفشائها لأن ذلك دونه الموت الزئام.

المظاهرة الطلابية الكبرى:

كان من أهم المقدمات الإرهاصية لثورة الــ 26 من سبتمبر 62 م المظاهرة الطلابية الكبرى في العاصمة صنعاء, وسرعان ما انتقلت عدواها على الفور إلى المدرسة الأحمدية في تعز، وقد بدأت بحراك وتمرد من طلاب الثانوية في يوم من أيام أغسطس 61م ضد إدارة المدرسة بتهمة فسادها وسرقاتها لمستحقاتهم المعيشية... إلخ.

وسرعان ما تطورت إلى إضراب عن الدراسة ثم الخروج إلى الشارع والدخول في عراك مع الجنود, وعلى الفور تجاوب معهم طلاب المتوسطة ودار العلوم لتتحول إلى مظاهرة عارمة, حيث رفعت صور الرئيس جمال عبد الناصر، وصار الجميع يهتفون بشعارات الثورة العربية القومية داعين إلى إسقاط النظام الملكي، ثم اتجه زخم المظاهرة إلى وزارة المعارف وتحطيم نوافذها بالحجارة ثم اتسع نطاقها بانضمام جماهير العاصمة والزحف من ثم باتجاه إذاعة صنعاء ومحاولة اقتحامها وإطلاق الرصاص من حراسها وسقوط عدد من الطلاب جرحى.. ثم تواصل الزحف باتجاه الكلية الحربية لمطالبة الضباط للخروج والثورة والذين أطلقوا الأعيرة النارية في الهواء لمنع الاقتراب، وانتهى الزحف إلى منطقة شعوب المفتوحة واعتصام الجميع هناك ومع ذلك الحماس الشبابي الهادر فشلت كل محاولات التهدئة والاقناع من ضباط كبار على رأسهم الزعيم عبد الله السلال قائد حرس البدر, وعندئذ صدرت التوجيهات بزج جميع الطلاب في (سجن الرادع تم تدميره في عهد الرئيس صالح) لكن كبار الطلاب فروا واتجهوا زرافات وأحادا باتجاه مستعمرة عدن آنذاك,وبعد أيام اقتحم الجنود السجن وتم القبض على من بقي من كبار الطلاب وإرسالهم إلى سجن السنارة بقلعة حجة ولم يفرج عنهم إلا بعد الثورة.

وكان أول عهد لـ عبد القدوس المضواحي وأنا بالسجن علماً بأن الرادع كان مخصصاً لمرتكبي الجرائم الجسيمة أما الزميل مطهر فقد نصحناه بالابتعاد لأن جسمه الضئيل لا يحتمل السجن, ومع نهاية الأسبوع الأول تم تكليف القاضي زيد عقبات عامل صنعاء بفرز الطلاب القُصر على دفعات وإعادتهم إلى مدرستهم المتوسطة وقد تمكنت من الخروج (بحيلة) ضمن الدفعة الثانية المفرج عنها بينما بقي عبد القدوس أسبوعين آخرين وبحلول ليلة الـ 26 من سبتمبر 62م انفجرت الثورة يبدأ عهداً جديداً مشرقاً.

ساهمنا في الثورة بحجر:

كادت الثورة أن تفشل في صباح يومها الأول عندما قام المدعو عبد الله طميم بدلق صفيحة بنزين من سطح دكانٍ على أول دبابة وصلت إلى أمام بوابة قصر البشائر مقر الإمام البدر وقام جندي آخر بإطلاق النار على سطح الدبابة فاشتعلت فيها النار واستشهد بداخلها البطلين (عبد الرحمن المحبشي– محمد الشراعي) وقد تمكن من دلق البترول والعودة إلى القصر وكان من سوء حظ الجندي الذي أطلق النار على الدبابة أن يقفز من سطح الدكان باتجاه الميدان حيث يحتشد طلاب المدرسة المتوسطة والعلمية, وكنت وعبد القدوس منهم فقمنا مع الحشد الطلابي بقذف الجندي بالحجارة حتى أوقعناه أرضاً وظل ينزف حتى فارق الحياة, وتم سحب جثته إلى أحد البيوت المجاورة (بيت التاجر قلالة) ثم تحولت حشود الطلاب والمواطنين إلى مظاهرة حاشدة استمرت تجوب شوارع العاصمة حتى عصر ذلك اليوم مرددةً الهتافات والأهازيج بانتصار الثورة وقيام النظام الجمهوري وتلك المظاهرات الطلابية والشعبية الحاشدة قد أصابت بقايا الحرس الملكي بانهيار نفسي ومعنوي.

الابتعاث إلى موسكو:

بعد انتصار ثورة 26 سبتمبر 62م عاد الطلاب لمواصلة دراستهم وعلى أيادي نخبة ممتازة من خيرة أساتذة مصر الذين أحدثوا في حياة الطلاب اليمنيين ثوره تعليمية كبرى من حيث المناهج المتطورة والأداء الرفيع والإخلاص المتناهي والإدارة الكفؤة والانضباط غير المسبوق, فضلاً عن تعبئتنا بالفكر القومي القوي وأدبيات الثورة نموذج 23 يوليو 52م بزعامة الرئيس جمال عبد الناصر المثل الأعلى لكل الشباب العربي.

مع بداية العام الدراسي 1964م تم ابتعاث عبد القدوس مع اثنين من أعز زملاء العمر –محمد حزام النديش _حاتم علي أبو حاتم _ ضمن بعثه طلابية إلى موسكو التي فتحت أكاديمياتها ومؤسساتها التعليمية بل وكل دول المنظومة الاشتراكية للطلاب اليمنيين من شمال الوطن وجنوبه ومن دون سقف.

درس عبد القدوس ومحمد النديش الطب وتخصصا بالجراحة وبامتياز مشهود, وكان الدكتور عبد القدوس الأول على مجموعته الدراسية من اليمنيين والروسيين.. ودرس حاتم أبو حاتم الطيران العسكري وتخرج مهندس طيار, ومن ثم عاد الطبيبان المضواحي والنديش إلى أرض الوطن عام 1972م فاستقر المقام بالدكتور عبد القدوس في الحديدة, حيث أسس مع زملائه مركزاً طبياً يضم كل التخصصات وقرر الجميع تخصيص يومين في الأسبوع للمعاينات المجانية لفقراء الحديدة _وما أكثرهم_!! وكذلك فعل الدكتور النديش في ذمار وشارك في تأسيس مركز طبي متنوع الاختصاصات وخصص مع زملائه يومين في الأسبوع للمعاينات المجانية...إلخ.

لكن النزعة السياسية في شخص الدكتور عبد القدوس طغت على ذات الطبيب فهجر الطب وتفرغ للعمل السياسي, ذلك أن الظروف السياسية التي تعيشها اليمن – شمالاً وجنوباً _ في غاية الاضطرابات والتعقيد, والمؤامرة الضارية على الثورة اليمنية تحيط بها من الجهات الأربع إقليمياً ودولياً, وفي ظل الاستقطاب والتنافس الحادين بين المعسكرين الأعظمين _ الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة_ والاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي _ من أجل ذلك ارتأى الدكتور عبد القدوس أن خوض المعترك السياسي أجدى وأنفع من سواه للوطن والأمة, وهكذا كان.

حرب السبعين والمقاومة الشعبية:

شاءت المصادفات القدرية, والمخطط لها إقليمياً ودولياً أن يتزامن استقلال جنوب الوطن في 30 نوفمبر 1967م مع إحكام الحصار الخانق على العاصمة صنعاء فيما يعرف بحرب السبعين يوماً وعلى إثر انقلاب 5 نوفمبر 67م الذي أطاح بالرئيس السلال وحكومته, حيث تولى السياسيون قيادة المسيرة النوفمبرية الخارجين للتو من معتقلات الشقيقة مصر, وقد استهل العهد الجديد بتشكيل المجلس الجمهوري برئاسة القاضي عبد الرحمن الإرياني وعضوية محمد أحمد نعمان , والشيخ محمد علي عثمان...إلخ.

كانت القيادة الجديدة قد طلبت من القيادة المصرية استبعاد الفريق حسن العمري بالقاهرة, لأنها كانت تعتقد أن الطريق صارت سالكة لمعالجة سياسية شاملة, بعد أن سبق لها أن حصلت على وعود سابقة من المملكة العربية السعودية بالاعتراف بالنظام الجمهوري عندما يتوفر شرطان أساسيان:

انسحاب القوات المصرية.. وإقصاء الرئيس السلال وفريق عمله من الضباط الأحرار الموصوفين بالـ (التطرف) وطالما وقد تحقق الشرطان فإن الإفراج قادم بالتأكيد, لكن القيادة النوفمبيرية اكتشفت أنها واهمة, فليس المطلوب تحقق الشرطين المذكورين وإنما المطلوب رأس الثورة والانقضاض عليها وخنقها في مهدها (العاصمة صنعاء).. لذلك إن حشود القبائل الموالية للملكية المعززة بآلاف الخبراء والمرتزقة الأجانب, والمدعومة بلا حدود عسكرياً ومالياً...إلخ, من قوى إقليمية ودولية تزحف وتزحف من الجهات الأربع على العاصمة صنعاء, مستغلة إخلاء القوات المصرية مواقعها في المناطق القبلية المحيطة بالعاصمة _ والتي عاد آخر جنودها إلى مصر مع نهاية شهر نوفمبر 67م ومع الأسف إن الفلول الملكية استولت على مواقع القوات المصرية بحيث ضاقت مساحة النظام الجمهوري لتنحصر على منخفض صنعاء الواقع بين الجبلين( نقم _عصر ) والمطارين الجنوبي (محل دار الرئاسة حالياً) ومطار الرحبة شمالاً.

ذلك إن الوحدات العسكرية المدافعة عن صنعاء محدودةً جداً_عدداً وعتاداً وإمكانيات.. وأمام هذا الوضع الصعب بادر الأستاذ محسن العيني إلى إعلان استقالة حكومته داعياً إلى تشكيل حكومة (حرب) لمواجهة الموقف المتدهور, وعندئذٍ كان لابد من استدعاء الفريق العمري وتعيينه قائداً عاماً للقوات المسلحة ومن ثم رئيساً للوزراء وكان العمري بحق بطل حرب السبعين يوماً والذي عاد إلى صنعاء أواخر نوفمبر 67م.

أشعر أنني لم أتناول المواضيع الأهم في حياة المغفور له المناضل الدكتور عبد القدوس المضواحي ولأنه من الصعب علي أن أستمر في هذا النسق في سرد الذكريات, وحتى لأغطي نضالات المغفور له على مدى ستين عاماً ونيف لأن ذلك يتطلب مجلداً, وسأكتفي فيما بقي لي من الزمن المتاح أن أتناول لقطات ضوئية ((فلاش باك)) في أهم محطات مفصلية في حياة الراحل الكبير والتي رواها لي وللآخرين وتحتفظ بها ذاكرتي المتعبة وكما يأتي:

قصة انتسابه للتنظيم:

جمعنا ذات يوم مقيل موسع لا أذكر مناسبته, حضره نخبة من كبار رموز التنظيم الطليعي الناصري على رأسهم المفكر الكبير عيسى محمد سيف ,حيث تنحوا جانباً من المقيل وكنت والزميل مطهر على مقربة منهم , حيث صاروا يتناقشون عن نجاحاتهم في العمل التنظيمي, معبرين عن ارتياحهم لنشاطهم القوي في الكثير من عواصم المحافظات, لكنهم عبروا بحسرة عن ضعف تواجدهم في الحديدة نظراً لسيطرة الماركسيين على المحافظة, فتبادلت مع مطهر النظرات الاستغرابية فتدخلت بالكلام معبراً عن دهشتي لما سمعت وقلت متسائلاً كيف يمكن أن يكون تواجدكم ضعيفاً في الحديدة, حيث يوجد هناك أبرز وألمع الكوادر الناصرية. فسألوني مثل من؟ قلت الدكتور عبد القدوس المضواحي والمهندس طيار حاتم علي أبو حاتم وفلان و فلان...إلخ. فردوا علي بلهجة قاطعة بأن من ذكرتهم هم من أكثر العناصر الماركسية نشاطاً وتطرفاً, وصرت أنا ومطهر ندافع عن موقفنا وبأصوات عالية النبرة وإننا على يقين مطلق مما نقول, وإن علاقتنا بهم عائلية وفكرية وزمالة عمر.. فطلب مني الأستاذ عيسى محمد سيف العمل على تحقيق لقاء عاجل بهم بأي ثمن.. فأكدنا لهم أنه من حسن الحظ أن عبد القدوس وحاتم متواجدين في صنعاء.. وكان لابد من البحث الحثيث عنهما, وفي عصر اليوم التالي تم اللقاء عند القبر الصيني في عصر حضره عبد القدوس وحاتم وعبد الرحمن ومطهر واثنان من قادة التنظيم أذكر محمد إبراهيم.. وبعد التعريف بينهم على أساس الهوية عادوا فتعانقوا من جديد, وبدأ الحديث بين الضيفين معبرين عن أسفهما لغياب التنظيم الذي يؤطر الكوادر الناصرية المبعثرة على امتداد الساحة, فتدخلت وقربت المسافة بين الجانبين وقلت وبما أن التنظيم قائم منذ زمن, وربما إنه الأقوى والأوسع انتشاراً ولكنكم أنتم المختلفون ومن معكم في الحديدة, لأنكم أخذتم بمبدأ التقية وتظاهرتم بالماركسية تخفوا هويتكم الحقيقة, كانت المفاجأة كبيرة وغير متوقعة, فرد عبد القدوس بتلقائية وبتلك العبارة المحببة عندما يسمع كلاماً يعجبه _ صدق صدق _ قلنا كما قلت فسالت المآقي بدموع الفرح وصاروا يتعانقون للمرة الثالثة بحرارة أشد وعندئذٍ أعلنت ومطهر أن مهمتنا انتهت ولكم أن تنظموا لقاءاتكم التالية.

ولا ندري بعد ذلك متى تم إلزامهم للتنظيم لكنه بعد شهر تقريباً من ذلك اللقاء الذي اعتبره التنظيم فتحاً كبيراً لعملهم السياسي انعقد المؤتمر الرابع للتنظيم في الحديدة, والذي تحمل أعباؤه الدكتور عبد القدوس باقتدار عالٍ _ بتوفير المقر المناسب والاحتياطات الأمنية اللازمة, وكل المتطلبات اللوجستية...إلخ.

ذلك أنه في اليوم الأخير للمؤتمر فوجئ الكثير من أعضائه بحضور الرئيس المناضل إبراهيم الحمدي جلسته الأخيرة.. وتبين لهم أن فخامة الرئيس عضو مؤسس راعٍ للتنظيم... هذا وبقية التفاصيل يعلمها الآخرون أكثر مني.. وبذلك أصبح فرع الحديدة متقدماً ورائداً, بل إن مؤسسيه تم تصعيدهم إلى مستويات قيادية متقدمة.

وراء كل عظيم امرأة:

لا أذكر متى أكمل الدكتور عبد القدوس نصف دينه وتحقق له الاستقرار العاطفي والعائلي, وذلك بعقد القران بابنة عمه عميد أسرة آل المضواحي الوالد العلامة الفاضل حمود أحمد المضواحي طيب الله ثراه وهي المرأة الودودة الولودة الفاضلة.. التي شاطرت الدكتور حلو الحياة ومرها, وكانت رفيقة دربه الطويل غير الممهد لا تفارقه كظله في حله و ترحاله عبر أصقاع الأرض _ كما سيأتي _ حاملاً عذابات شعبه وهموم أمته وهي ترعاه وتشد أزره وتحرص على تغذيته وجمال مظهره, فقد عاش بحق نظيف المظهر والجوهر من مهده إلى لحده.. إنها أم أيهاب وشهاب وأربع بنات مباركات أحسن الأبوان تربيتهم وتعليمهم وتخلق هذا الخُلق الطيب بأخلاق أبويهما الكريمين وصار الجميع نجوماً في الأداء والسلوك والعطاء الوطني.

انقلاب ابيض ولكن!

كانت مرحلة السبعينيات من القرن الماضي مليئة بالتوترات والاحتقانات والفجائع على مستوى شمال الوطن وجنوبه, فخلال فترة وجيزة سقط ثلاثة رؤساء غيلةً وغدراً وبأساليب بالغة الدهاء والبشاعة والوحشية (إبراهيم الحمدي _سالم ربيع _ أحمد الغشمي), وهي من أخطر الاغتيالات السياسية في العالم تورطت بها وتلوثت أطراف مخابرتية إقليمية ودولية وبأدوات محلية.

وكان من الطبيعي أن تكون المرحلة التالية لذلك الظرف الدموي أكثر توتراً واحتقاناً وانقلاباً ففي هذه الأجواء المشحونة بالانفعالات والعواطف الجياشة ونزعات الانتقام والثأر ممن يعتقد أنه ارتكب الجرم الأول, وعندئذِ _ وبتحريض من سواد الرأي العام الوطني _ فقد أدرك الناصريون أنهم الأقدر والأجدر على إنقاذ البلاد ومستقبل الأجيال بـ(انقلاب أبيض) لا تسقط فيه قطرة دم واحدة.. وبهذا التفكير المثالي المنطوي على (طوباوية زائدة) نفذوا مشروعهم الثوري الإنقاذي ونجحوا فعلاً بالسيطرة على كامل الأوضاع خلال 24ساعة, فحاولت ردة الفعل الأعنف لتسقط المشروع الانقلابي الطوباوي خلال الـ24 ساعة التالية, وبذلك وقع الوطن في مستنقع الدم من جديد.. حيث تم القبض على كبار الرموز السياسية في التنظيم وعدد من القيادات العسكرية, وتم إعدامهم ودفنهم في مقبرة جماعية مثيرة للرعب’ وما زالت جثامينهم طي الكتمان لا يعرفها إلا الراسخون...إلخ.

وكانت مهمة الدكتور عبد القدوس حصراً في الحديدة ولا أعرف شيئاً عن طبيعتها وعلى إثر هذا الفشل المروع شعر الرجل أنه الرأس الذي عليه أن ينهض ويثأر ويعمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه في حين كانت صورته قد نشرت مكبرة في الصحافة وعممت على المؤسسات الأمنية والقيادات العسكرية كمطلوب أول للقبض عليه وإحضاره حياً أو ميتاً.. ومع علمه بكل ذلك فقد قرر التوجه إلى ذمار ومنها إلى صنعاء غير هياب ولا وجل رغم المخاطرات التي يشعر بعمق أنها تنتظره وتحيط به.

وفي صنعاء صار ينتقل في كل الاتجاهات للاطمئنان على من بقي من زملائه خارج المعتقل, وتوفير المساعدة الممكنة لتنزيحهم بأمان إلى عدن, ولما اطمأن على كل ذلك أخذ زوجته ونزح مع زميل عمره أبو حاتم إلى منطقة (نهم) والاستقرار هنالك بعض الوقت لكنه ظل يخضع في ليله ونهاره لمحاكمة عقلية قاسية, أن كيف يطلب النجاة لوحده ويتخلى عن قضيته ودماء زملائه المسفوكة وجثامينهم التي يجب أن تسلم إلى أهاليهم كحق ديني وأخلاقي وإنساني.. لذلك قرر الانتقال من نهم وعبر المناطق الوسطى إلى قعطبة ومنها إلى عدن.

تحالف لا إلحاق:

وصل إلى عدن بعد رحلة شاقة اعتاد عليها منذ الطفولة وكان قد سبقه إلى هناك نخبة من الرموز القيادية في التنظيم ودخلوا في حوارات مع رجالات المكتب السياسي واللجنة المركزية للحزب الاشتراكي, وكذا قادة الجبهة الوطنية المعارضة في عدن وخلصت الحوارات إلى التوافق على انضمامهم إلى الجبهة الوطنية كأفراد, ولما علم الدكتور عبد القدوس بذلك جن جنونه واعترته ثورة غضب عارمة.. فدخل في حوارات جادة وحازمة وحادة مع قادة الحزب الاشتراكي والجبهة الوطنية وعبر جولات صاخبة, مؤكداً لهم أن فكرة الالتحاق بالجبهة الوطنية كأفراد مرفوض كل الرفض.. وظل على إصراره حتى استجاب الجميع لمشروعه القائم على إنشاء تحالف جبهوي _نداً لند _بين الجبهة الوطنية وجبهة 13 يونيو وهي ((الغطاء التنظيمي الشعبوي للتنظيم الطليعي الناصري)) ووفقاً لذلك صدر بيان رسمي بقيام التحالف الجمهوري الجبهوي, وتم بثه عبر الوسائل الإعلامية المرئية والمسموعة والمكتوبة.. وقد شكل ذلك نصراً سياسياً كبيراً كان له صداه الفعال (كحدث) على نطاق واسع عربياً ودولياً, ويأتي هذا الحدث المثير ليُصعِّد من حِدة التوتر والاحتقان بين النظامين الحاكمين في صنعاء وعدن والذي بلغ الذروة باندلاع الحرب الثانية بين النظامين عام 1979 وبعد أسبوعين من إعلان التحالف, ونتيجة له كانت الغلبة في تلك الحرب للنظام في عدن والمتحالفين معه, إذ سقطت مناطق واسعة في محافظتي إب والبيضاء... إلخ خلال أسبوعين فحسب في قبضة القوات الجنوبية وميليشيات الجبهتين المتحالفتين المعارضتين للنظام في صنعاء, وبذلك عادت القضية اليمنية إلى صدارة الأحداث الساخنة على المستويين الإقليمي والدولي.

تصعيد سياسي وإعلامي واسع:

أدرك الدكتور عبد القدوس بحسه المتقدم وطموحه الجامح ومهاراته السياسية أن التطورات المتسارعة المثيرة في الساحة اليمنية على الصعيدين السياسي والعسكري لابد وأن يواكبها نشاطاً سياسياً وإعلامياً فعالاً في مختلف عواصم القرار.. لذلك قرر مغادرة عدن إلى العديد من العواصم الأوربية والأمريكية والعربية حاملاً في وجدانه وضميره هم القضية اليمنية بكل أبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية والإنسانية إلى مختلف المحافل والمنتديات والمنظمات الحقوقية والإقليمية والدولية, فقصرت ولمرات عدة كل من (لندن _ ونيويورك_ثم القاهرة _وبيروت_ وطرابلس_ودمشق) ولحقت به زوجته الوفية, وهناك يقيم الندوات السياسية والتضامنية ويدير الحلقات الفكرية وينظم المؤتمرات ويجري المقابلات الصحفية في أوسع المطبوعات انتشاراً وبالذات البيروتية والقاهرية, حتى لقد كان الشغل الشاغل لسفاراتنا في الكثير من الأحيان وعبر تقاريرها إلى الخارجية, هو التعبير بمرارة عن النشاط الخطير والفعال والمستفز للدكتور المضواحي. 

وخلال تنقله بين العواصم العربية أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات استطاع بشخصيته الودودة والجذابة وبحضوره القوي أن ينسج علاقات واسعة مع كبار المفكرين وقادة العمل السياسي المعارض وفصائل الثورة الفلسطينية والتنظيمات الناصرية والأحزاب القومية وكانت بيروت الحضن الدافئ والمنتدى المفتوح لكل التيارات الفكرية والسياسية باعتبار بيروت الواحة الديمقراطية ومركز الإشعاع الفكري في الوطن العربي وحرية الإعلام والصحافة بلا حدود ودور النشر العريقة إلى آخر ما هنالك.

وكان الدكتور عبد القدوس قد استأجر في صنعاء بقعة أرض من الأوقاف في شارع مجاهد أواخر السبعينيات لبناء مسكن لأولاده, ولعبت زوجته دوراً كبيراً في بناء الدور الأول ومن المصادفات القدرية أنه مع اكتمال بناء هذا البيت المتواضع والاستقرار فيه, صعد الرئيس أحمد الغشمي إلى سدة الرئاسة على إثر استشهاد الرئيس إبراهيم الحمدي, ومن سوء الحظ أن منزل الرئيس أحمد الغشمي ملاصق لمنزل الدكتور عبد القدوس, وكانت الضرورات الأمنية تقتضي اقتحام منزل الدكتور عنوة ومن دون استئذان ليكون ثكنة لحراس الرئيس, ولم يعد المنزل إلا بعد رحيل الرئيس الغشمي بفترة بعد مفاوضات ووساطة متعبة وأمام هذا المتغير القسري كان لا بد لزوجة الدكتور وأولاده من النزوح إلى بيروت لحاقاً به والاستقرار هناك, ولم يشعروا بالغربة فقط نظراً للعلاقات العميقة التي كونها الدكتور مع كبار الزعماء اللبنانيين ومع كثير من القامات السياسية والفكرية النازحة من أقطارها هرباً من بطش أنظمتها القمعية.

الاجتياح الإسرائيلي للبنان:

بدأت نذر الحرب الإسرائيلية تدق طبولها في أواخر عام 1986م وفي مطلع 82 بدأ الاجتياح الإسرائيلي الكاسر لجنوب لبنان واستطاع خلال أيام أن ينزّح فصائل المقاومة الفلسطينية _ المتخندقة حينها في الجنوب رغم استعداداتها وتحصيناتها إلى العاصمة بيروت.. وكان قدر الدكتور عبد القدوس وأولاده أن يلتحموا بإخوانهم الفلسطينيين بقيادة المناضل ياسر عرفات ليعيشوا معاً أسابيع صعبة تحت الحصار الخانق والقصف الصهيوني الوحشي على مدار الليل والنهار وحتى تدخلت الوساطات الدولية والإقليمية التي هي شريكة في العدوان لينتهي الأمر بترحيل الفلسطينيين نهائياً من لبنان إلى اليمن وتونس, ومن ثم بدأت المقاومة اللبنانية البطلة للاحتلال الإسرائيلي وفي تلك المرحلة المظلمة أشرق بدر (حزب الله) في سماء العرب الحالكة السواد ليهز الأرض تحت أقدام الصهاينة, بل وسار وسيظل يشكل التهديد الوجودي لهذا الكيان الخبيث.

وكان الدكتور عبد القدوس نُصح بمغادرة لبنان المنكوب بالاحتلال ولم يغادر إلى بعد الاجتياح حيث استقر به الترحال في دمشق.

اختتم هذه الذكريات مضطراً لأن كتاب الأربعينية لراحلنا الكبير تحت الطبع وأنا المتأخر في مادتي لظروف خاصة واستثنائية, وأطلب من القائمين على الكتاب العذر والصفح وأعتذر للقراء الكرام إن جاءت مساهمتي متواضعة ومرتبكة وغير منهجية حسب سياقها الزمني, وإنما كانت تتوارد في الذهن, والرحمة والغفران لفقيدنا الغالي, والصبر والسلوان لأهلة وذويه وكافة زملائه وأحبائه, إنا لله وإنا له راجعون.

 
في السبت 03 مارس - آذار 2012 08:16:14 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=725