كم أنت صديقي يا "سليم" ..!!
فخر العزب
فخر العزب

ــ 1 ــ 

إلى "سليم قاسم "
النجم الذي لا يأفل,,

الورد الذي لا يذبل,,

الشهيد الذي لا يموت,,
إلى وجع القلب الباسم ألقاً وقبس العين الذي لا يغيب  :
بأي لغةٍ سأبكيك وأنت الحرف المقدس في فمي .. وكيف سأرثيك وأنت قصيدة الحزن المطرزة بالأسى ..
أي دمعٍ سيبلل قلبي المتشقق من فرط الألم .. وهل للدمعة أن تذوب لتخفي صدى النحيب الرابض فوق صدري ..
أي شهقةٍ سأفجرها في وجه الفجيعة لأعبر هازئاً بالموت .. وهل لشحيحي أن يشبع فضول المناحات حين تكون أنت المكفن بالشهادة ..

ــ 2 ــ

كم أنت صديقي يا سليم ..

فكيف لي أن أطوي ذاكرتي المتوجة بك , وكيف لي أن ألقي ذكراك إلى غياهب النسيان , وأنا الكائن الذي أتفحص دمي فأجدك في كل خليةٍ منه .

كيف لك أن تهجرني وأنت في أعشاش أيامي الحضور المقيم .. الحضور الكثير .. الحضور الدائم , وكيف لك أيضاً أن تنطفئ وأنت في ليال الخوف قنديل الدار وسراج المدينة .

من أين لي بجواز سفرٍ يحملني الآن إلى قلبك , أريد أن أستقل جناح طائرٍ وذاكرة ليلٍ في حضرتك , أريد أن أحتسي هواك حتى الثمالة .. أن ألعق قطرات طيفِ الضوءِ المتدفقة من وجهك .. أن أعيش حياتك بكل تفاصيل الموت المترعة فيها .

ــ 3 ــ

كم أنت صديقي يا سليم ..

لهذا تراني الآن مضطراً لتحويل مذكراتنا التي كتبناها معاً إلى سجل اعترافاتٍ بين قلبين توحدا , وهما الآن يمارسان غواية البوح بطرقٍ شتى لا تخلو من المكاشفة .

لا تهم التواريخ بقدر ما تهمني الأمكنة التي نالت شرفها يوم وطئتها نعلاك , فالزمان حينٌ من الدهر , والمكان تعز المدينة باعتبارها حبيبتك الأولى والأخيرة , الثائرة والماكرة , الصائلة والقاتلة , وهي أيضاً المدينة التي احتضنت بشغف الشوق مشاهداً لا تنسى ولا تغادر الذاكرة .

ــ 4 ــ

أعرف أن "عالمة" تفاخر بين النساء أنها قدمتك قرباناً في محراب المجد والثورة , أنها تضرعت فيك وابتهلت بك وأنت فلذتها الذي ترعرع في أحشائها بصحبة العنفوان , أرضعتك لبن الشموخ والنخوة في كل المواسم , منحتك دروس العزة والكرامة في حضنها الدافئ , وأرسلتك رجلاً تسابق أقرانك لامتشاق الفخر والذكرى الخالدة .. وقد نلتها ورب الكعبة .

أعرف أن "قاسم" سيتوج نفسه بتاج النشوة , وسيرفع رأسه إلى عنان السماء , سيفعل ذلك وهو الذي طالما حدثنا عن ثلة الشباب الذين صعدوا من دمائهم وانبلجوا كالصبح في ليلنا الأسحم , لن يحدثنا اليوم كذلك بقدر ما سيحدثنا عن "سليم" الذي كان أعظم وهو يكتب المقامات الأخيرة في سيمفونية "الصدور العارية" التي سيغنيها العالم كنوتةٍ موسيقيةٍ ابتكرها اليمنيون وأبهروا بها العالم .

أعرف أني أيضاً سأنقشك في قصائدي , وسأعزفك في ألحاني , وسأرتلك في كتابي باعتبارك مشعلاً للحرية , كنت ولا تزال تضئ طريقي نحو الفجر .

ــ 5 ــ

كم أنت صديقي يا سليم ..

فلماذا لا نفتح الآن أزرار أحلامنا معاً ..

لماذا لا نثرثر بأقاصيصنا المغلفة بالكتمان , لا نقشِّر حكاوينا البلهاء , لا نفك شفرات رسائلنا التي تبادلناها في دردشة الحاسوب ومقايل القات .

أتذكر تلك اللحظة التي كنت تبوح لي بكل أسراري , قلت لي إنك تحفظها عن ظهر قلب , أنا أيضاً أخبرتك بما لا تعرفه عن حلمي الأكبر , بعدها بلحظات كان حلمي أهم قضاياك التي تناضل من أجلها .

كنا نترجل في الليال الليلاء ونطوف كل شوارع تعز وأزقتها , أحدثك عن خيباتي وانتكاساتي العاطفية .. عن حماقاتي .. عن سذاجتي .. عن وقاحتي أيضا , وكنت تكتفي بنثر الابتسامات في وجهي , وحين تؤمن أني مطمئنٌ بالأمل تقول لي "لا تيأس".

كان تتويج قلبي أكبر أحلامك , كتابتي لقصيدتي الأخيرة آخر أمنياتك , لكني أعترف الآن أني خذلتك .. أعترف وأعرف أنك ستسامحني .

ــ 6 ــ

كم أنت صديقي يا سليم ..

فمن سيرافقني بعد اليوم إلى "منتزه الإخوة" كي أقتات أدخنة الحياة لأتحرر من نكدها , كنا برفقة "عبدالعزيز" و "أحمد شوقي" نتحدث عن المدينة العارية التي تستلقي تحت أعيننا , المدينة التي خلعت أوشحتها وقالت: "هيت لك" , كنت تحاول أن ترسمها فبدأنا بتشبيهها , قلتُ هي فراشة , قال الثاني هي أغنية , قال الآخر هي سحابة , وقلتَ أنت هي الحبيبة الساكنة فينا فبهتنا دفعةً واحدة .

من سيرافقني إلى مقيل القات , يسابقني إلى حضرة المثقف "درهم علي" , يجلس على يمينه ويصغي ويفقه فيحلم بمجد العروبة ويشعل فتيل الثورة , يسير القات في عروقي ويسير الفكر في عروقك , وحين يكتمل المشهد تكون أنت أكثرنا ضجراً لأننا استعجلنا الرحيل ,,

من سيرافقني إلى ساحة الحرية لنغرق في بحر الهتافات والشعارات والإرادة , نحمل صورة شهيدٍ ونحلم بتشييع آخر , ليتني كنت أدري أنك ستكونه .

ــ 7 ــ

كم أنت صديقي يا سليم
كم أنت صديقي المسكون بالحب والوجع  ..
ما زال العمر يواعد أشواقي لنلتقي على ضفاف البوح , نحتسي من ماء لواعجنا وما تيسر من نبيذ القهقهات المجانية , نمضغ خيباتنا معاً لننام بصحبة الأمل بالغد الذي سوف يأتي .
لا أريد أن أكتب الخاتمة الآن ــ فأنا أكره النهايات كثيراً كما تعرف ــ أحب أن أبشر قلبك بأخبار قلبي , أن أسيل لعاب القصيدة في حضرتك , أن نذهب معاً إلى دوحة الفكر لننهل من منابع الناصرية في مقيلنا المفضل في حارة الكوثر بالتحديد .
أريد أن نحتسي الدخان سوياً ــ في قمةٍ من قمم المدينة ــ ونسخر منه , أن نشرب أقداح الشاي على مهلٍ بانتظار أن يأتي الفجر , أن نهتف سوياً ونغضب ونعود أدراجنا لنبدأ يوماً جديداً رغم نكده إلا أننا نبتسم في كل سويعاته .

ــ 8 ــ

كم أنت صديقي يا سليم ..

فكيف سأشيعك وأنا الذي أحملك دوماً على جفوني , أراك تقطر حبراً من أطراف أصابعي , تباغتني بالحضور في بؤبؤ العين ولا تعرف الغروب .

ليكن القبر وسيعاً كالبحر , شاهقاً كالسماء , رطباً كالماء , وليكن الزمن جامداً في حضرتك , والمواقيت مؤجلةٌ إلى أن ألحق بك لنهتف سوياً .

أنا الآن أتعثر بالفجائع , وأصيح تحت وخز الموت , وأذرف دموعي بصمتٍ إضافي لا أخفيك أني أستعرته من يوم موتي الذي عشته في الـ 15 من أيلول .

أنا الآن في حلقتي الباكية , أقتات تناهيد جنوني , أمتشق يراعي وأغرقه في دموعي الثكلى , أفعل ذلك بغرض الإنتهاء من آخر مقالاتي المعنونة بـ " كم أنت صديقي يا سليم ".

     

في الإثنين 19 سبتمبر-أيلول 2011 12:12:23 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=601