الحمدي يتصدر المشهد..!
عبد السلام سعيد
عبد السلام سعيد

من أول يوم قامت فيه الثورة السلمية في اليمن ،وأنت تشهد لافتات كثيرة وصور يرفعها الثوار ، غير أن الصورة التي تلفت انتباهك وتشدك إليها ، وتشعر أن بينك وبينها حديث وشجون ، وهموم وآلام ، واحزان وأسى، هي صورة الرئيس ابراهيم الحمدي رحمه الله ، والتي دفعتني الى أن اقرأ واتصفح في حياة الرجل وبشكل اكثر ، فإذا بتلك القراءة تفجر كوامن الحزن المخزونة في داخلي ، منذ اكثر من ثلاث وثلاثين سنة ،حين كنت في الثامنة من عمري ، وانا استمع إلى إحدى عجائز قريتنا وهي تحكي حديث الناس عن رئيسهم الحمدي ....

وكيف انهم يتناقلون من اخباره وسيرته ماتخاله ينقل عن رجل من السلف الصالح وكأنهم يتذاكرون سيرة اشبه بسيرة عمر بن عبد العزيز رحمه الله .

ومازلت اتذكر إلى ساعتي هذه ، تلك الكلمات من تلك العجوز

حين ختمت حديثها قائلة :واخاف ان يقتلوه ..

حينها قلت لها بصوت متهدج حزين ,والله لو قتلوه لن تجف عيني من البكاء ,واذكر كم اصابني الحزن والهم بعدها , وبت مغموما وكأنما بالفعل قتل حينها الحمدي ,تخيلت لو انه قتل , كيف سأستقبل ذلك الخبر , وانا الذي احببته رغم صغر سني , وانا الذي كنت شغوفا بسماع خطاباته الرنانة التي كانت تهز وجداني وتخترق فؤادي قبل مسامعي بالرغم من قلة ادراكي في ذلك السن المبكر, ولكن لما كان لكلامه من لهجة صادقة وعبارات مؤثرة تأسر القلوب ، لقد أحببته من كل وجداني ، بل احبه كل الناس ،فقد امتلك شغاف قلوبهم ، وسكن حبه في نفوسهم ، وهذا مصداقا لما قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عند مسلم :( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ، وتصلون عليهم ويصلون عليكم ـ أي تدعون لهم ويدعون لكم ـ وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم ، وتلعنونهم ويلعنونكم...) الحديث.

ومرت الأيام ، حتى جاء ذاك الخطب الجلل والخبر المفجع الأليم ، الذي يحمل نبأ مقتله ، وخبر الغدر به......

وما زلت أذكر كم فجعت وكاد عقلي يطيش من هول الفاجعة ،وكم انتحبت ، وكم اجهشت من البكاء ، من شدة الوجد عليه.

لقد بكت لموته الملايين ، وافتقدته الملايين .....

  كان رجلا بأمه ، بل أحيا أمة من سباتها

والناس ألف منهم كواحد وواحد كالألف إن أمر عنا

قتلوه قتلهم الله ، ولكن إن كان قاتلوه أفسدوا عليه دنياه فقد أفسد عليهم أخرتهم ، بل حتى دنياهم فالغدر عاقبته معجلة في الدنيا قبل الآخرة ، وبشر القاتل بالقتل ولو بعد حين.

 

ومنذ مقتل الحمدي الى يومنا هذا ، واليمنيون ... اربع وثلاثون سنة يتيهون في الأرض ، وحالهم كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ، تخالهم بلا راع ، ولا دليل ، ولا قائد ، يطمع فيهم كل طامع ، ويسامون خسفا من كل جانب ، وكما قيل :

لا يلام الذئب في عدوانه إن يك الراعي عدو الغنم

لقد كان الحمدي رحمه الله يحمل بين جنبيه نفسا تواقة للمجد وهمة تناطح الجبال ، وتطاول السحاب ، وضميرا حيا ، وحسا مرهفا ، وقلبا مليئا بالحب لدينه ووطنه وكل فرد من ابناء شعبه بل وأمته ، لقد كان يحمل هما ثقيلا ، يحمل هم كل يمني في كل مكان ، ويحمل هم وطن بأكمله تولى مسؤوليته ، بل أكاد أجزم أنه كان يحمل هم أمته المسلمة كلها ، اذكر أني عندما كنت طالبا في جامعة ام القرى ، احتجت يوما ان أعد بحثا في موضوع من مواد التخصص ، فزرت قسم الدوريات في مكتبة الجامعة ، وبينما أنا أقلب في الأرفف وقعت عيني على مجلة اليمامة وفي غلافها عنوان عن الرئيس ابراهيم الحمدي ، وكعادتي يشدني أي موضوع فيه حديث عن الحمدي رغم مرور عقدين من الزمان على اغتياله ، تناولت المجلة ، ومباشرة تصفحت موضوع الغلاف ، وفي احدى الصفحات صورة لرسالة من الحمدي بخط يده الى مجلة اليمامة يشكرهم فيها على تناولهم موضوع في عدد سابق عن الفردوس المفقود – الأندلس – اسبانيا حاليا ، ويهيب بهم على تناول مثل هذه المواضيع ، التي تحكي ماضي الأمة العريق ، فأدهشتني تلك الرسالة ، وحرت مما أعجب ، أمن جمال خطه ، ام من حسن تعبيره ، أم من سعة اطلاعه ، أم من صدق كلماته التي تنبعث من خلالها عبارات الحرقة والأسى على ماض عريق وفردوس مفقود .

الحديث عن الحمدي ذو شجون ، ولكن الذي لا يعلمه الكثير هو ان الحمدي حين اغتيل كان في الرابعة والثلاثين من عمره ، فلله در ذاك الزعيم الشاب ، ولم يمكث في الحكم سوى ثلاث سنوات وثلاثة اشهر – والأعمار لا تقاس بعدد السنين انما بالمنجزات - ومع هذا لم ينسه الناس الى يومنا، بل هو في وجدانهم ، وملء سمعهم وأبصارهم ، وفي وقت تحتوشهم المصائب من كل جانب ، يتطلعون الى من ينتشلهم من مأزق الفتن ، ويخرجهم من ظلمات التيه ، وما عقمت ارحام الحرائر الكريمات من نساء اليمن ، أن يلدن لنا من امثال الحمدي ، بل وفي اليمن المبارك رجال صدقوا في عهدهم وصدق اخلاصهم لوطنهم وأمتهم ، ولكن غيبوا ، وهمشوا.

لانزكيه على الله ، غير ان الناس شهود الله في ارضه ، وما لقيت أحدا الا ويثني عليه ، وتلك والله عاجل بشرى المؤمن ، والسيرة الحسنة تأسر القلوب ، ومن طبيعة النفس البشرية ان تقف إكبارا وإجلالا للعظماء.

رحم الله أبا محمد ، ورفع درجته في المهديين ، وجعل كتابه في عليين ، وسلام عليه في العالمين .

عن التغيير نت


في الجمعة 12 أغسطس-آب 2011 12:47:57 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=578