المولدات الكهربائية في اليمن.. بدائل عطلتها أزمة الوقود
عادل عبدالمغني
عادل عبدالمغني

ليست دخيلة على المجتمع اليمني لكن ضراوتها أشتدت مؤخراً ووصلت حداً فاق قدرة اليمنيين على التحمل فلجئوا إلى بدائل أخرى - وان كانت بدائية، إلا أنها تفي بالغرض.. إنها مشكلة انقطاع التيار الكهربائي في اليمن التي تفاقمت مع اندلاع الثورة الشعبية السلمية ضد النظام منذ نحو ستة أشهر لتتراوح عدد ساعات انقطاع التيار عن العاصمة صنعاء مابين 15 إلى 20 ساعة في اليوم. المولدات الكهربائية تنتشر بكثافة في اليمن (الوحدوي نت)

أما البدائل فهي المولدات الكهربائية التي انتشرت بصنعاء كأسراب الجراد وبددت سكون ليل المدينة بضجيج ما إن يهدأ بعودة تيار الكهرباء الحكومي حتى يعود مجددا بانقطاعه.

وعلى امتداد الشوارع والأسواق والأحياء والمباني السكنية بات المولد الكهربائي هو العامل المشترك لدى الجميع. وساعد من اقتناء هذه المولدات توفرها بشكل واسع في الأسواق المحلية وخصوصا الأنواع الصينية التي وان كانت غير ذات جودة إلا أن أسعارها زهيدة ويستطيع العامة شراؤها.

شر لا بد منه صنعاء تغرق في الظلام (الوحدوي نت)

رغم الضجيج والفوضى الصاخبة التي تخلفها محركات المولدات الكهربائية غير أنها اقل وقعاً على أسماع الساكنين من أصوات الرصاص الحي ودوي الانفجارات التي غالباً ما تحل مع مساء صنعاء. كما أن إزعاج المولدات الكهربائية اقل ضررا من غياب الكهرباء حد قول المواطنين.

هو إذن شر لا بد منه بالنسبة لغالبية السكان خاصة وان طلاب المرحلة الثانوية على أبواب الامتحانات النهائية فضلاً عن حاجة اليمنيين لمشاهدة القنوات الفضائية الإخبارية لتضعهم في صورة ما يجري في بلدهم الذي يمر بمخاض عسير.. الحاجة للكهرباء تتعدى ذلك إلى المتطلبات اليومية الملحة للمجتمع.

يقول محمود الشرعبي إن انقطاع التيار الكهربائي لم يعد يحتمل على الإطلاق بعد أن صارت الكهرباء الحاضر الغائب حد وصفه: "لم نعد نرى الكهرباء سوى على الفواتير التي تصلنا مع بداية كل شهر وبمبالغ خيالية أما الإضاءة فشبه معدومة".

محمود وهو مالك سوبر ماركت للمواد الغذائية في شارع هائل وسط العاصمة صنعاء اضطر لشراء مولد كهربائي بعد أن فسدت اللحوم والسلع التي تتطلب حفظها وتبريدها داخل ثلاجات كالألبان والجبن والمثلجات، وعرضته لخسائر مادية فادحة جراء.

وفي صيف صنعاء الملتهب فان المياه المعدنية ومختلف أنواع العصائر لن تجد من يقبل على شرائها ما لم تكن باردة، الأمر الذي دفع محمود لشراء مولد كهربائي لإيقاف نزيف الخسائر المادية الكبيرة التي تكبدها في غياب الكهرباء.

غياب السكينة

"لن تهنئ بالنوم والراحة إن كان منزلك يطل على شارع تجاري".. بهذه العبارة حاول الدكتور هزاع المروني تصوير حجم الإزعاج القادم من المولدات الكهربائية. وبدا المروني - وهو طبيب مخ وأعصاب – مستاء جدا من الوضع الذي تعيشه العاصمة صنعاء، وتحدث الرجل عن مخاطر المولدات الكهربائية وما اسماها بالملوثات السمعية والبيئية، ولفت إلى صعوبة نوم الساكنين في المباني المطلة على الشوارع التجارية وتحديدا الأطفال الذين يصابون بالأرق لهول الضجيج، وهي معاناة شخصية عاشها الدكتور المروني قبل أن ينتقل بأسرته إلى مدينة الحديدة: " لم افر من المواجهات العسكرية ولكنني اضطررت إلى إبعاد أطفالي وزوجتي عن فوضى المولدات الكهربائي التي فضلا عن ضجيجها فإنها تحلف عوادم خطيرة على صحة الإنسان والبيئة، خاصة وان غالبية المولدات رديئة الصنع ولم يهتم مصنعوها بما تخلفه من ملوثات.

غير أن المأساة تجلت في الحديدة بصورة أسوأ مما هو عليه الحال في صنعاء بعد أن انقطعت خدمة الكهرباء مؤخراً بصورة كاملة عن مدينة الحديدة وكافة مديرياتها.

مولدات للموت

أكثر من ذلك تحولت المولدات الكهربائية المنتشرة بكثافة في مختلف مناطق اليمن إلى مولدات للموت، والأسبوع الماضي فجع أهالي حي سعوان بالعاصمة صنعاء وهم يكسرون باب إحدى ورش الألمونيوم عندما شاهدوا جثتان هامدتان تبين فيما بعد أنهما لشابين كانا يتسامران بصحبة مولد كهربائي صغير وماتا خنقا بدخان المولد الذي وان كان غير مرئي إلا انه بدل أوكسجين الورشة بثاني أكسيد الكربون وعوادم أخرى وساعد على ذلك إحكام إغلاق الباب الوحيد للورشة التي تفتقر للنوافذ.

ومن وقت لآخر تعلن الأجهزة الأمنية عن حوادث مشابهة وأخرى نتجت عن حريق تسببه مثل هذه المولدات في أنحاء مختلفة من اليمن.

مصائب قوم عند قوم فوائد

لا يخفي حسين الراعي – وهو مالك محال تجاري لبيع المواد الكهربائية الازدهار الكبير الذي شهده سوق المولدات الكهربائية بالعاصمة صنعاء. وعلى طريقة مصائب قوم عند قوم فوائد اعترف حسين الذي كان منهمك بإتمام عمليات بيع مولدات كهربائية مختلفة الإحجام لمواطنين – أن حركة البيع التي شهدها محله التجاري خلال الأسابيع الخمسة الماضية تفوق ما شهده المحل ربما خلال أكثر من عامين أو ثلاثة في الظروف العادية.

 وعن الانتشار الكبير للمولدات رديئة الصنع قال حسين أن غالبية زبائنه يطلبون مولدات زهيدة السعر نظرا لظروفهم الاقتصادية الصعبة خاصة في ظل الأوضاع الراهنة التي يعيشها البلد. وأشار إلى أن أسعار المولدات الكهربائية لديه تبدأ من 100 دولار وتنتهي عند 3000 دولار وكلا حسب قدرته.

لكن حسين عاد ليقول أن الإقبال على شراء المولدات الكهربائية تراجع بشكل ملحوظ خلال الأيام القليلة الماضية، وارجع ذلك إلى انعدام الوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية وتحديدا مادتي البنزين والديزل. وهي المعاناة التي عاد محمود الشرعبي للحديث عنها بمرارة بعد أن كبدته خسائر مادية جديدة وتساءل الرجل الأربعيني: استغنينا عن كهرباء الحكومة واشترينا مولدات تجارية فهل المطلوب منا أن نحفر الأرض لاستخراج الوقود لتشغيل هذه المولدات؟

 تساؤل ربما لن تستطيع الحكومة اليمنية الرد عليه، لأنها ببساطة في حالة موت سريري داخل مستشفيات العاصمة السعودية الرياض، مثلما هو الحال بصالح الذي يحاول بقايا أركان حكمه الانتقام من الشعب وفرض عقاب جماعي على اليمنيين الذين اسقطوا نظامه.

* عن الشروق الإماراتية


في الثلاثاء 21 يونيو-حزيران 2011 08:33:51 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=535