استحالة نجاح اليات القوة والعنف
عبدالله أحمد العرشي
عبدالله أحمد العرشي

على إثر محاولة الاغتيال التي تعرض لها الرئيس علي عبدالله صالح يوم الجمعة الماضية الثالث من يونيو 2011م، وتداعيات ثورة شباب التغيير التي اندلعت منذ أوائل شهر فبراير الماضي، والمتمثلة بالمصادمات الدموية المؤسفة التي جرت في الأيام الماضية في كل من صنعاء وتعز وأبين ونهم، والفشل الأولي للجهود الخليجية في إقناع الرئيس علي عبدالله صالح بالتوقيع على الاتفاق الذي آلت إليه مبادرتهم المستهدفة مساعدة اليمن للخروج من محنتة... يجمع الكثير من المراقبين والدوائر السياسية على أن الوضع في اليمن أضحى الآن في منعطف خطير للغاية، ويثير العديد من التساؤلات في كافة الأوساط الدولية والإقليمية والمحلية بشكل خاص مفادها...

هل أضحت البلاد تحت وطأة معادلة لها طرفين متناقضين كلاهما أمر من الآخر وهو إما القبول باستمرار الرئيس علي عبدالله صالح ونظامه وإما حرب أهلية؟.

وهل باء العمل السياسي بالفشل الكامل؟ أم أنه لا يزال هنالك متسعا للعمل السياسي والدبلوماسي لأن يلعب دورا حاسما في احتواء الأزمة؟ فإذا كان الأمر كذلك فكيف ومن خلال ماذا؟

أما إذا لم يعد هنالك من صوت إلا لأصوات البنادق والمدافع والقتل والاقتتال والعنف والدماء فماذا ستكون النتيجة؟ وما هي مترتبات مخاطرها على البلاد والشعب والوطن؟

بالطبع مشهد الأحداث الدائرة في البلاد حتى الآن وإن كان المسعى الدبلوماسي والسياسي الخليجي قد وصل إلى طريق مسدود وعلى إثره علقت منظمة مجلس التعاون الخليجي مبادرتها فإن ذلك لا يعني إقصاء جذري ونهائي للدبلوماسية وآليات السياسة عن لعب دور معين في القادم منها... لأسباب عديدة أبرزها أنه في مثل هذه الأحداث فإن غياب أي منهما في لحظة معينة لا يمكن اعتباره بأنه إقصاء نهائي للآخر من الساحة، فهما إما كذلك أو قد يتناوبا وأحيانا قد يتلازم دورهما سويا في مسرح الأحداث.

لكن مع ذلك فإن تراجع آليات الدبلوماسية والعمل السياسي وغيابها عن مسرح الأحداث منذ مغادرة الدكتور عبداللطيف الزياني أمين عام مجلس التعاون الخليجي لصنعاء في 22 من مايو الماضي قد أثار القلق في البلاد حيال دلالات وبدائل ذلك والتي أبرزها هل ذلك يعني أنه لم يعد هنالك من دور إلا للعنف وآلياته؟.

نعم هكذا بدت الصورة وساد الاعتقاد في معظم الأوساط السياسية بأن الرئيس علي عبدالله صالح وبعد فشل المبادرة الخليجية قد استنفد كل الأوراق السياسية ولم يعد بيده سوى ورقة القوة التي يمكن له تفعليها عبر الوحدات والألوية العسكرية الموالية له، وهذا الاعتقاد قد يكون غير دقيق.

بالطبع مخاطر القوة والعنف وآلياتها ستكون جسيمة ولا يمكن تصور أي حدود لها سواء كان ذلك على مستقبل الوطن ووحدته ومكاسبه وانجازاته وحتى على الرئيس على عبدالله صالح ومفاصل الدولة ورجالاتها الذين سيشاركونه في اتخاذ القرار وإدارة فعالياتها وقيادة آلياتها الخ...، ومع ذلك فحقيقة سواء أندفع الرئيس علي عبدالله صالح أو دُفع نحو استخدام آليات القوة والعنف فأن حظوظ هذه الورقة في الحسم كما يريد الرئيس علي عبدالله صالح محدودة للغاية إن لم نقل معدومة.

نقول بذلك استنادا إلى العديد من المعطيات أبرزها الأتي:

سيكون من الصعب على الرئيس وكما لاحظنا في مجريات الأحداث المشهودة منذ اندلاع ثورة الشباب وحتى اليوم مواجهة ثورة شعبية سلمية وعارمة في معظم محافظات الجمهورية بالمدافع والدبابات والصواريخ وغيرها من آليات القوة، وهاهي الاعتصامات في تعز قد أكدت استحالة نجاح آليات القوة والعنف في إخلاءها، فهاهي قد عادت من جديد إلى الساحات بعد أن كانت قوى الأمن قد أخلتها منهم قبل أيام.

سيكون من الصعب على الرئيس علي عبدالله صالح المحافظة على استمرار زخم أداء آليات القوة في خوض فعاليات المواجهة وكما يريد الرئيس وحتى النهاية لأن العقيدة أو المبرر القتالي في أوساط ضباط وأفراد الوحدات الموالية له سيكون ضعيفا وغير مقنع هذا إن وجد.

سيكون من الصعب على الرئيس علي عبدالله صالح إيجاد سند شعبي لذلك بل على العكس فكما لاحظنا أن مذبحة جمعة الكرامة في 18 من مارس الماضي التي شهدتها ساحة الاعتصام بالعاصمة صنعاء حملت شريحة من القوى السياسية المدنية على الانشقاق عن الحزب الحاكم وتأييد قوى الثورة، كما أن مواجهات الحصبة الأخيرة حملت بعض من القوى القبلية على سحب تأييدها ووقوفها مع الرئيس، كما أن إخلاء ساحات الاعتصام بالقوة في تعز أثار حفيظة مجاميع من القوى المدنية الصامتة وحملهم على تأييد الشباب المعتصم.

تحت وقع التذمر الخليجي من إفشال وساطتهم ومبادرتهم وما ترتب على ذلك من استياء أوروبي وأمريكي فلن يحصل الرئيس على ما ستحتاج إليه فعاليات القوة والعنف من تأييد ودعم مادي ومعنوي خارجي سواء إقليمي أو ودولي، بل على العكس من ذلك ستثير عليه المزيد من السخط والنقد والإدانة وبالمقابل ستكسب قوى الثورة تعاطفا ودعما أكثر مما هو عليه الحال اليوم.

حتى وإن كان بيد الرئيس القدرة على التحكم في شراراتها الأولى فلن يتمكن من التحكم فيما تلاها، ولعل محاولة الاغتيال التي تعرض لها الرئيس والتي أصيب فيها مع عدد من كبار رجال الدولة تؤكد صعوبة التحكم بالنيران وفي اتجاهاتها.

وأخيرا لم ولن تنجز آليات القوة والعنف حسما بالصورة المطلوبة والشواهد حاضرة وجلية في كل من ليبيا وسوريا.

أما ما يعزز ذلك على الصعيد السياسي فإنه من الصعب إن لم نقل من المستحيل العودة باليمن من حيث نظام وآليات الحكم إلى مرحلة ما قبل ثورة فبراير الماضي، وحتى إن ظل الرئيس علي عبدالله صالح رئيسا فإن إمكانية تعايشه مع نظام وآليات حكم غير مألوفة سيكون أمرا مشكوك فيه إن لم نقل أنه سيكون صعبا عليه وهو ما لا يضمن عدم ظهور أو إنتاج للأزمات من جديد مستقبلا.

ومع كل ما سبق يظل هنالك تساؤل مهم مفاده... هل لا يزال هنالك فرص متاحة لخروج مشرف للرئيس علي عبدالله صالح من السلطة والحكم؟

بالتأكيد نعم..لا يزال هنالك فرص متاحة لخروج مشرف لليمن وللرئيس علي عبدالله صالح، ولكن متى ما حكم العقل وأعطيت له الفرصة في التحكم بكل الأمور... فالعقل لا يعجزه شيء وهو لا سواه من يمتلك القدرة والبصيرة على إخراج البلاد والعباد من هذه الدوامات المستحكمة بها، أما العنف والقوة وآلياتها فلا أرى لها بصيرة أو قدرة على ذلك. 

ولكن على وقع الصدمة القوية التي أحدثتها محاولة اغتيال الرئيس الجمعة الماضية برزت على السطح الكثير من المخاوف من أثار وتداعيات وردود أفعال هذه الحادثة وصدمتها المدوية في أوساط النظام الحاكم والموالين للرئيس وذلك عما إذا كانت ستؤول إلى إقصاء دور العقل ومنطقه في التحكم بالأمور أو على الأقل التأثير بصورة كبيرة على مساراته؟.

بالتأكيد أن هذه المخاوف هي مخاوف جدية ولا يمكن تجاهلها، لكننا نأمل أن تقرءا تلك الحادثة من مختلف الأطراف قراءة عقلانية غير متهورة، أما إذا قرئت قراءة متهورة فإن تداعياتها ستكون مهولة لكنها بالتأكيد لن تكون رابحة لأي كان.

فالمزيد من تصفية الحسابات وتدمير المباني والمنشئات العامة والخاصة وإثارة الرعب في أوساط النساء والأطفال والعصف بحياة الناس وزيادة معاناتهم جراء توقف الخدمات العامة كالماء والكهرباء وغيرها وتعطيل أعمالهم ومصالحهم..الخ لم يعد له حماس أو معنى أو مدلول في أوساط المجتمع وأفراده ولم يعد لديهم قدرة على تحمل المزيد من أعبائه، بل ما أضحى مطلوبا الآن وبإلحاح هو السلامة والأمان للجميع والعيش الكريم والهنيء لكل الوطن وأبناءه سواء كانوا سلطة أو معارضة نساء أو رجالا شبابا أو شيوخا

إذا من هذا المنظور ليس هناك ما هو أسلم من العودة للدبلوماسية والآليات السياسية في التوصل إلى حل، كما أنه وفي ضوء معطيات العمل السياسي والجهد الدبلوماسي الذي جرى حيال أزمة اليمن ليس هنالك ما هو أفضل من المبادرة الخليجية ومضامينها في تأمين انتقال سلس وسلمي للسلطة وخروج مشرف للرئيس علي عبدالله صالح من شأنه أن يحافظ على تاريخه وانجازاته جلية في أذهان الناس، ولعله سيكون أعبقها وأشدها توهجا وبريقا هو تجسيده لمبدأ التداول السلمي للسلطة، عندما يؤثر الترجل من على كرسي السلطة والحكم طواعية على الاستمرار في سفك الدماء والعصف بالوطن ومنجزاته ومكتسباته.

وتحقيق ذلك يمكن أن يأتي من خلال استغلال الإمكانية المتاحة لإعادة تفعيل المبادرة الخليجية من جديد أو أي صيغة توافقية أخرى تراعي مصالح اليمن ومكتسباتها وتطلعات أبناءها وترضي مختلف الأطراف، ولعل هذه الإمكانية هي بيد الرئيس علي عبدالله صالح أكثر من غيره فيما إذا ساعدته على ذلك دول مجلس التعاون الخليجي وخصوصا المملكة العربية السعودية ومن وراءهم جميعا الولايات المتحدة الأمريكية ودول الإتحاد الأوروبي والتي لا تخلو أيديهم جميعا من أوراق فاعلة ولو بدرجات متفاوتة... فتوظيفهم لها جميعا وفي وقت واحد حتما لن يخلو من قدرة على تهيئة الأجواء لإنضاج المبادرة وتحقيق فاعلية لتفعيل مضامينها وتنفيذ استحقاقاتها، وما يعزز من تلك الفرص هو تواجد الرئيس علي عبدالله صالح الآن في المملكة العربية السعودية للعلاج، حيث يمكن للقادة في المملكة وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين إجراء مباحثات عميقة في أجواء هادئة، يمكن من خلالها انجاز وفاق ما قبل أن تحرق فرصه التوترات ونيران تطوراتها وتفسد أجواءها تدفقات الدماء هنا وهناك، ومن ثم لا ننجو لا نحن ولا الوطن ومنجزاته ولا الرئيس ومن حوله ولا الأشقاء في الجزيرة والخليج ولا الأصدقاء فيما وراء البحار من امتحانات عسيرة ومآسي عظام لا تحمد عقباها ولا يعلم أولها وآخرها إلا الله.


في الأحد 12 يونيو-حزيران 2011 12:47:48 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=524