الشهيد الحمدي.. شعب وفيٌ ونُخب متواطِئة
محمد مسعد الرداعي
محمد مسعد الرداعي

ما يدعوا للأسف أن نجد كل ما كتب وما نشر حتى اليوم عن جريمة مقتل الشهيد إبراهيم محمد الحمدي لم يقدم أي جديد عما قالته الجماهير وهي تشيع جثمانه الطاهر هو وأخيه إلى مثواه الأخير عندما رفضت القبول بالمسرحية التي أطلقها المتآمرين.

 كان الشارع صادقاً ووفياً لقائده ورغم مرور اثنين وأربعين عاماً على تلك الجريمة والتي لم تكن وليدة اللحظة وكان لها من المقدمات والمؤشرات الواضحة والمتآمرين واضحين بتصرفاتهم وعدائهم لحركة يونيو ومشروع الدولة المدنية الحديثة والتجسيد الحقيقي لأهداف ثورة سبتمبر التي تم افراغ أهدافها بحركة 5 نوفمبر 67.

لقد كانت قوى التآمر المحلية والخارجية واضحة والراصد والمحلل لمؤتمر خمر الثاني وقرارته يدرك من هي القوى المعادية وماذا تستهدف وما هو مشروعها ومن هي القوى الداعمة لها خارجياً. حيث تضمن أحد قرارات مؤتمر خمر استهدافاً مباشراً للشهيد إبراهيم، حيث أوضح أن سبب ما تعانيه البلاد من القلق وعدم الاستقرار - كما أسماه بيان مؤتمر خمر - هي رئاسة الدولة وشخص إبراهيم الحمدي فهو المشكلة من وجهة نظر البيان وهو الحل وكذلك ما ورد في قرارات المؤتمر الأخرى التي نصت بأنه لا يحق لأي شخص أن ينصب نفسه رئيساً للدولة كما لا يحق له أن يقرر حل مجلس الشورى قبل انتخاب مجلس جديد.

وبالوقوف أمام ما تضمنه هذا القرار والذي يقصد به إبراهيم الحمدي والذي لم ينصب نفسه رئيساً بل أصبح كذلك عندما قام رئيس مجلس الشورى بتسليم استقالة المجلس الجمهوري واستقالة نائب القائد العام للقوات المسلحة إبراهيم الحمدي، ولم يكن هو من بحث عنها. وبالنسبة لحل المجلس فقد جاء مطلباً من أعضاء في المجلس ممن عقدوا مؤتمر الروضة في شهر أكتوبر 1975، المؤتمر الذي رأسه منصور شايف العريقي، وهو عضو في مجلس الشوري ومعه مجموعة من الأعضاء منهم يوسف الشحاري وعبدالعزيز نصر والربادي والمطاع وآخرين.

وقد صبت معظم قرارات مؤتمر خمر الثاني بالاستهداف الشخصي لإبراهيم الحمدي، لكن الأخطر في البيان كان القرار رقم 11 والذي نص على:" يرحب المؤتمر بالمساعي التي تبذلها المملكة العربية السعودية من أجل استقرار البلاد وحل الخلاف القائم ويرفعون الشكر للملك خالد وإخوانه والأمير تركي وجميع موظفي السفارة السعودية بصنعاء".

ويأتي القرار رقم 12 من قرارات مؤتمر خمر الثاني انتخاب هيئة عليا من كل قبيلة وأن تنتخب الهيئة رئيساً لها وأمين عام تتابع تنفيذ القرارات حتى تتحقق مطالب الشعب وفي حالة عدم الاستجابة للمطالب تقوم الهيئة بتقرير الحل الذي تراه مناسباً وقد أصبح مقرها خمر بل وقد تطورت أعمالها إلى ممارسة تقطع في الطرق وإحداث تفجيرات داخل صنعاء وأصبح واضحاً من هي القوى الخارجية التي تدعمها.

وكانت الشقيقة قد استضافت في شهر رمضان عدد كبير من موظفي اللجنة الخاصة من مشائخ ورموز اجتماعية فترة الحج من العام 1977 بل أن تدخل الشقيقة وصل إلى الضغط على شركة شل التي كانت تنقب عن النفط في تهامة وقدمت لها الإغراءات المالية لتجبرها على مغادرتها لليمن والتوقف عن التنقيب في شهر أغسطس 1977 وقبل شهر من إعلان إفتاح أول بئر نفطي والذي كان مقرراً أن يم مع احتفالات سبتمبر وهو ما دفع بالرئيس الحمدي لزيارة السعودية ونقد تصرفاتها وتدخلاتها وكانت تلك الزيارة المفاجئة في منتصف شهر سبتمبر 1977 وهي الزيارة التي طرحت السعودية مطالبها للرئيس إبراهيم الحمدي لكي تتوقف عما تمارسه وتلخصت المطالب في التالي: ترسيم الحدود وإعادة مجلس الشورى ووقف التواصل والخطوات الوحدوية مع سلطة الجنوب ووقف العلاقات مع المعسكر الاشتراكي وفي المقدمة الصين ووقف تقريب وتوظيف الناصريين وقيادات الجبهة الوطنية. وقد رفض الرئيس الحمدي كل ما تم طرحه، وعاد مباشرة ليعلن بأنه سيتم زيارته إلى عدن وسيتم في هذه الزيارة التي سوف تترافق مع احتفالات عيد ثورة الرابع عشر من أكتوبر إعلان تحقيق الوحدة اليمنية.

نعم كانت الأمور واضحة وكانت هناك احتياطات قام بها الرئيس الحمدي والقيادة العسكرية ومنها عدم التقاء مجموعة من القيادات العسكرية بالأخ إبراهيم وعبدالله الحمدي وعلي قناف زهره وعبدالله عبدالعالم في مكان واحد كما كانت هناك محاولات استهداف لإبراهيم فشلت وكان التخطيط والتنفيذ لتلك الجريمة وبذلك الأسلوب الدموي والذي يتنافى مع القيم والأخلاق والأعراف لليمنيين والذي كان تخطيطاً دولياً ومن عمليات الاستخبارات المركزية والتي كانت متابعة لعملية تنفيذها من خلال مسؤول الاستخبارات في السفارة ومن خلال عميلها أحمد عبده سعيد كما كانت بإشراف وتمويل الشقيقة ومن خلال ملحقها العسكري صالح الهديان الذي أصبح الحاكم الفعلي في اليمن حتى عام 1982 وعملية التنفيذ بأيادي محلية وبمشاركة صالح الهديان شخصياً والذي كان متواجد في مسرح الجريمة كما كانت دول عدة قد أعطت الموافقة والضوء الأخضر من فرنسا إلى بريطانيا والاتحاد السوفيتي.

ولم يعد خافياً على كثير من الدول بآن ما تم من جريمة طالت الرئيس الحمدي هو انقلاب دموي وما تبع ذلك من إغلاق للمجال الجوي ومنع وصول الرؤساء للمشاركة في تشييع الجثمان والدفن وتقديم العزاء. بل أن الأمير سلطان بن عبد العزيز قالها بعد أحداث غزو الكويت في 1990 وموقف اليمن الداعم للعراق حيث قال إنهم لا يشعرون بالمرارة والحزن لأي موقف من أي حاكم عربي وقف مع صدام إلا من علي عبدالله صالح الذي نصبناه حاكم في اليمن.

 ويزداد الأمر وضوحاً أنهم رغم مرور فترة تزيد عن الأربعين عام لم تكشف الدول الكبرى التي اعتادت أن تكشف عن عملياتها وما يتم رسمه في دول العالم الثالث بل للأسف أن كثيراً من القيادات السياسية والاجتماعية اليمنية والتي كتبت مذكراتها كانت تقفز عن ذكر المرحلة وما تم فيها باعتبار أن يونيو هي مرحلة العصر الذهبي في حياة اليمنيين وهو ما يؤسف له من قبل هؤلاء الذين لا نجد لهم من عذر أو مبرر عن الصمت على جريمة قتل الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي وأخيه وإخفاء الحقيقة.

إن ما تم ويتم من تجاهل لمصير تلك القيادات التي جعلت من ذلك التاريخ بالعصر الذهبي وجعلت لليمن أن تتحول من دولة باحثة عن المساعدات والقروض والمنح إلى دولة مقرضة ومانحة للبنك الدولي وليس بغريب أن يتم خلال تلك الفترة وفي أقل من سنة مقتل ثلاثة من الرؤساء منهم الاثنين إبراهيم الحمدي رئيس مجلس القيادة في الشمال وأخيه رئيس مجلس الرئاسة في الشطر الجنوبي واللذان كانا قد رتبا لإعلان تحقيق الوحدة اليمنية قبل يومين من مقتل إبراهيم الحمدي وكان الجامع بينهم ليس التوجه الوحدوي وحسب ولكن الانحياز للسواد الأعظم والبساطة وحب الوطن ونكران الذات والثورة على النفس وكانت السلطة لديهم مغرم وتضحية وليس مغنم كمن جاءوا بعدهم، ولذلك فإن الأيدي التي امتدت إليهم قد كشفت وجهها بما ما رسمته من سقوط أخلاقي وقيمي وما دفعت إليه الوطن من أحداث وتصفيات وإراقة دماء ولا زال الوطن يدفع ويعيش تبعات تلك الجريمة إلى يومنا هذا.

 

*الأمين العام المساعد للتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري


في الجمعة 25 أكتوبر-تشرين الأول 2019 12:12:20 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=3624