مجدا وخلودا شريف حتاتة
عبد الباري طاهر
عبد الباري طاهر

رحل المفكر الأديب والسارد الروائي الباحث والكاتب السياسي الدكتور شريف حتاتة. تعرفت على الأديب الكبير الطبيب الإنسان من خلال مقالاته السياسية في صحيفة الأهالي، ثم قرأت له في الثمانينات روايتين من رواياته العديدة؛ فهو غزيز السرد. الروايتان المنوه بهما هما:(العين ذات الجفن المعدنية)، و(الشبكة). أثارت الأولى ردود فعل حادة في بعض دول الخليج؛ لأنها تمس حياة أشخاص معروفين ونافذين، وتفضح علاقاتهم وأدوارهم الخطرة . الراحل الكبير عالم جليل وباحث مهم، التحق باكرا بالحركة الوطنية الديمقراطية، دفع من حياته خمسة عشر سنة ما بين السجن والمنافي.

في سبتمبر من العام 1981 قام السادات بحملة اعتقالات شاملة ضد طيف واسع من المعارضين السياسيين. شملت الاعتقالات اليمين واليسار وما بينهما، وطالت الحملة كبار السياسيين والمفكرين والصحفيين، وتم التحفظ بالإقامة الجبرية على البابا شنودة .

كنت مع الزميلة رشيدة النيفر نقيبة الصحفيين التونسيين، عضوة الأمانة العامة للاتحاد، كلفت معها للذهاب إلى مصر، ورفع تقرير للاتحاد عن الصحفيين المعتقلين وأوضاعهم، والتضامن معهم، وتوكيل محامين عنهم في مصر حال تقديم بعضهم للمحاكمة .

اختياري مع الزميلة رشيدة مرده إلى أن تونس واليمن لم تكونا مشتبكتان مع مصر حينها، وربما لمعرفتنا بالعديد من السياسيين والصحفيين المصريين وأساسا باتحاد الصحفيين العرب ونقابة الصحفيين المصريين.

زودني العزيز الفقيد فهمي حسين الصحفي في الأنباء الفلسطينية (وفاء) وأحد صحفيي روز اليوسف بتلفون نجاح عمر "روز اليوسف" وزوجها الفقيد الكبير محمود المراغي عضو النقابة المصرية . دخلنا بسلام رغم التشديد على دول الضد التي لم تكن الـ ج. ع. ي وتونس منها .

التقيت بالصحفية الرائعة نجاح عمر فقامت بالترتيب مع الأستاذ كامل زهيري، أحد أهم مؤسسي اتحاد الصحفيين العرب إلى جانب الأستاذ أحمد بهاء، وبلقاء الأستاذ كامل رتب لنا لقاء مع نقيب الصحفيين صلاح جلال. تحركنا باتجاهين مختلفين، تولت النقيبة رشيدة جانبا، وتوليت جانبا آخر. كان عليها الجانب السري، أوضاع الصحفيين والصحفيات المعتقلين والقضايا المطروحة عليهم، وكنت أتحرك علناً، وكانت أمينة شفيق ونجاح عمر والسيد النقيب وأعضاء النقابة حينها: عبد العزيز عبد الله، ومحمود المراغي، وسامي خير عون وسند، وكانوا قد رتبوا لي لقاء المدعي الاشتراكي دراز الذي أكد أن الإجراء احترازي ومؤقت، ولن تجري أية محاكمات.

زرت الفقيد في شقته في الدور الثامن، كما أذكر في الجانب الجنوبي الغربي من جامعة القاهرة في الجيزة . حينها كانت زوجته نوال السعداوي معتقلة. تحدث عن الحالة العامة في مصر والاعتقالات الكيفية مع المختلف سياسيا. كان شديد التواضع والأدب عميق الرؤية.

في الطائرة إلى إيطاليا التقيت رشيدة، أعددنا التقرير، كان سفرنا من القاهرة يوم 5 أكتوبر. لا أنسى أن أشير أن جل من التقيناهم كانوا منزعجين من اعتقال أمينة النقاش الصحفية المبدعة وزوجها الصحفي الكبير صلاح عيسى رغم وجود طفلهما حديث الولادة.

في روما عرفنا بمقتل الرئيس السادات - يرحمه الله- قدمنا تقريرنا الذي لم ير النور.

بتتبع حياة هذا المفكر العصامي والعالم والباحث الجليل لفت انتباهي تعليق الزميل العزيز الفنان التشكيلي زين العابدين فؤاد أن شريف غادر سكنه ليسكن قلوب الناس، وحقا فهذا المناضل الذي انتمى لليسار، ودفع ثمنا من أمنه وسلامه وأمن أسرته أيضا يستحق التحية والإكبار.

كثيرون هم الأطباء مداووا الأجساد، وأقل منهم الأطباء المداوون للعقول، أما مداووا الأجساد والعقول فهم أقل من القليل، والدكتور شريف حتاتة واحد منهم تتغشاه الرحمة؛ ليظل خالدا في وجدان الناس.


في السبت 03 يونيو-حزيران 2017 12:58:47 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=3256