اليمن والملهاة
جمال أنعم
جمال أنعم

ينجز التاريخ الحاكم والمحكوم في اليمن ثاراته.. الضحايا مع الجناة ضد الضحايا.. ضحايا صالح كلهم، وصالح نفسه وقد صار ضحية للجميع، ينجز القهر ملهاته الكبرى ويعاود القاهر انبعاثه في المقهور الضحية الجلاد والمظلوم الظالم.

أتذكر مقولة إدوارد سعيد عن الشعب الفلسطيني "تكمن فرادتنا في كوننا ضحايا الضحايا". الآن الحوثية تقتحم وعينا بفظاظة فارضةً حضورها قسرا على الوعي العام دونما ممانعة. كلنا نبدي استعدادا لترسيم هذه البشاعة ضمن الخارطة الوطنية كوجود كلي متعين على نحو حاسم، الكل مستغرق في الاشتغال على هذا الظهور الطاغي المكتسح المجاوز للتوقع، وهذه الصور المجافية للتصور حالة غرائبية ملفقة زائفة لا تعكس أبدًا حقيقتها على الأرض.

مدائننا لم تسقط يا قوم، ومتى كانت هناك مواجهة كي نقول إنها سقطت.. مدائننا سلمت بفجور سافر كما تم تسليم المعسكرات ومؤسسات الدولة.

الحوثي مجرد أداة متعهد ثارات ووكيل خيانات عابرة للحدود، وصالح الآن صار هو الأخير أسير أدواة انتقامه.

عمليات تسليم كبيرة وكثيرة حدثت على مستوى الروح والعقل وعلى صعيد القرار مهدت لهذا الإذعان الجمعي الفاضح. أخاف الآن من هذا التداعي لترسيخ هذه المهزلة التاريخية المهينة، أخشى أننا نسدد في اتجاهات خاطئة بينما ينسل الشيطان بعيدا. تبدو عقولنا قابلة للاقتحام، أقل تسويرا من المدائن، يمكن اقتحامها والعبث بها والقفز عليها بسهولة.. لا سياجات حامية للوعي والوجدان.

تنهار مقاومة العقل اليمني دفعة واحدة إزاء هذه الجائحة الثأرية الشوهاء الهابة من خارج الزمن. الجميع في غاية الاستسلام في منتهى التصديق، إيثار تام للخضوع، إذعان عدمي لكل شيء، لا يتطلبون الكثير من الحقائق ليؤمنوا أو يكفروا ولا يبدون شكا أو ارتيابا بسوى ذواتهم.

من المؤسف أن نتلقف كل هذا الهراء ونقره ونسارع لتأطيره معرفيا وسياسيا ضمن سياقات لا معقولة.

نرتكب أخطاء قاتلة في إعطاء الحوثي هذه الهالة المرعبة، في حين أنه مجرد أداة لا أكثر. أظن أن الحديث سيأخذ أبعادا أخرى حين يعتمد تجريد الحوثي من هالته تلك ويقزمه في الوعي العام، وبالتالي يستنفر مقاومة الناس له، ما نفعله عكس ذلك تمامًا، وهذا أمر ضار جدًا ويعكس استجابة مرضية للخوف والتسليم.

يبدي الحوثي اغتباطا قاتلا بأداء دور الفاتك المستعد لتقديم كل الخدمات القذرة لزبائن الداخل والخارج بما فيها استخدام اسمه وشعاراته ومظهره في اقتراف الجرائم والانتهاكات وكل صنوف الرذائل والأعمال الحقيرة الصادمة.

يحسب الحوثيون أن هذا يخدمهم ويكاثرهم ويقوي شوكتهم ويعاظم سطوتهم ويرفع من صيتهم وصوتهم ووزنهم في الناس.. ومتى كان الشيطان متبرعا بالمجان.

كل هذا سيرتد على الحوثي نقمة وثأرا وكراهية وعداوة ولعنات كفيلة بتحويله إلى طريدة لكل اليمنيين بما في ذلك مستخدموه الذين سيكونون أول المطالبين بتسليمه للعدالة.

اليمن أكبر وأرفع من أن يُركّعها الأوباش.. كتب لي زميل باكرا في لحظة اختناق وحيرة عن أهمية تبني خطاب وطني عام يتصدى للتوجهات العنفية ويفند الأفكار الملغومة التي تعمل على تفجير المجتمع ونسف لُحمته وإشعال الصراعات وإثارة النعرات والعصبيات، وأجبته: ما تقوله يحتاج إلى عقود على الأقل. تفكيك الفكر والعقيدة وإعادة صياغة منظومة الأفكار والتصورات وغرس قيم المواطنة وتكريس حالة من الانضباط السلوكي العام، أمور تقتضي ثورة شاملة سياسية واجتماعية وثقافية وتغييرا جذريا في بنية النظام الحاكم بحيث يتبنى هذا كله.

هذه قضايا نضالية مفتوحة، ولسنا في وضع يعين على القيام بكل هذا الذي تطرحه، وهو في غاية الأهمية بالطبع، لكن الأولوية في اعتقادي لتدشين خطاب عقلاني متسامح عاطفي، ربما يذكر بالذات اليمنية الواحدة ويفتح الأفق لكثير ممن حشروا ضمن هذا النسق العدائي العنيف لكي يغادروه.

المهمة تطل صعبة بالنظر إلى الشحن الذي مارسوه ويمارسونه وللأعمال التي يقومون بها على الأرض، وبالنظر إلى مآلات الصراع أخشى أن الوقت لم يحن بعد لخطاب كهذا، فلا تزال المعركة تدور، ولا يزال القوم على تصميمهم، ولا يزال لنا في المواجهة رجال مات رفاقهم أمام أعينهم وجرحوا ونزفوا، ولا يزال الموت يترصدهم في كل منعطف، وهؤلاء لهم حساسية مفرطة تجاه أي خطابات واهنة تتملق الشرور المدججة وتستدعي الجنون بمنطق وعقل

أخشى أن الوقت لا يزال بعيدا على تليين الخطاب وتغيير النبرة.. قال تعالى: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها"، وهذا كاف لكي ندرك أن طلب السلم يجب أن يأتي من الطرف القاهر لا المقهور.. من الباغي لا المبغي عليه، قال "إن جنحوا" وفيها خفض للكبرياء وكسر للغطرسة. يجب أن لا نخذل من يقاوم الآن.. هذا أهم ما لدينا.

 

عن صحيفة الشرق القطرية ..


في الأربعاء 10 أغسطس-آب 2016 11:51:44 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=2719