الترفيه في القنوات الفضائية
د. وديع العزعزي
د. وديع العزعزي

مع تدشين مصطلح العولمة كان هناك مصطلح آخر ينال اهتمام الكبار من القادة والسياسيين في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الذي طرحه زيجنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس السابق كارتر، ذلك المصطلح هو Tittytainment

وحسب رواية بريجنسكي فهو مصطلح منحوت من كلمتين tits ويعني حلمة الثدي، في إشارة إلى الحليب الذي يفيض عن ثدي الأم- ويكون قليلاً كما هو معلوم كناية عن قلة الغذاء. أما tainment فهي اختصار لكلمة en- tertainment أي التسلية ، فيصبح المصطلح خليطاً بين التسلية المخدرة والتغذية الكافية التي يمكن من خلالها تهدئة خواطر سكان العالم ، لأن 80% من العالم يملكون 20% من الموارد ، و 20% من العالم يملكون 80% من موارده ، فينبغي أن نصنع لهؤلاء الفقراء الوهم والمخدرات المسلية حتى نضمن ولاءهم وعدم ثورتهم على النظام العالمي الجديد. من خلال هذا القول نستطيع أن ندرك طبيعة الدور الذي يؤديه الترفيه .

لقد توصلت عدة دراسات عربية وأجنبية الى نتيجة مفادها أن الدافع الأساسي لمشاهدة الفضائيات وبرامجها هو التسلية والترفيه ، وذلك نتيجة للنظرة السائدة نحو التلفزيون بأنه وسيلة ترفيه بالدرجة الأولى، وهي نظرة عالمية لعبت دور فيها شركات الإنتاج التلفزيوني العالمية والأمريكية على وجه الخصوص، وتأثرت بها الكثير من القنوات العربية. يعرف قاموس وبستر الترفيه بأنه "الفعل الذي يسلي أو يرفه، أو يجعل الوقت يمر بطريقة مبهجة" ويعرف الباحث الأمريكي (فلابر) الترفيه بأنه "كل ما يمنح أو يريد أن يمنح نوعًا من الارتياح من حقائق الحياة المكدرة والرتيبة". فالترفيه حاجة أساسية للفرد، يبحث عن تلبيتها بأشكال مختلفة عبر تاريخه، هذا النوع من الترفيه صحي ونظيف ومطلوب، لأنه يحترم إنسانية الإنسان، ويساهم في تنشئة وتحقيق صحته النفسية والعقلية، وإمتاعه وتسليته وتجديد نشاطه، والترفيه هنا ليس مجرد وسيلة للتسلية أو التخلص من التوتر فقط، إنه أيضًا وسيلة لكي يصبح الأفراد اجتماعيين ويتعلموا الأدوار والقواعد والقيم، علاوة على أن هؤلاء الأفراد يعبرون عن لهوهم عن أنفسهم وثقافتهم كما يحدث في الرقص والرياضة والاحتفالات. غير أن الترفيه السائد في القنوات الفضائية ولاسيما التجارية ، هو نمط آخر مختلف ، إنه ترفيه نمطي يتنكر لواقعية الواقع ، ترفيه يسعى بشكل مدروس ومخطط ومتعمد لتقديم صورة زائفة عن هذا الواقع ، ومخاطبة الغرائز لدى الشباب ، وذلك بقصد تسطيح هذا الشباب وتضليله وتخديره ، بهدف إبعاده عن قضاياه الأساسية ، وقضايا مجتمعه وعالمه ، كإستراتيجية متبعة لتثبيت الوضع الراهن ، ومنع أي تغيير ، وذلك فإن هذا النوع السائد من الترفيه في الفضائيات يكون مشحوناً بالمضامين الأيديولوجية، ومنهمكاً في تحقيق وظائف ومهمات بالغة الخطورة. يقول "أريك بارنو" مؤلف كتاب (التلفزيون الأمريكي): (إن مفهوم الترفيه في تصوري هو مفهوم شديد الخطورة، إذ تتمثل الفكرة الأساسية للترفيه في أنه لا يتصل من بعيد أو قريب في القضايا الجادة للعالم، وإنما هو مجرد شغل أو ملء ساعة من الفراغ، والحقيقة أن هناك أيديولوجيا مضمرة بالفعل في كل أنواع القصص، والأنواع الفنية والغنائية الأخرى التي تساهم على تشكيل آراء الناس).

وينبغي الإشارة هنا بأنه لا ضير من أن تكون التسلية والترفيه وظيفة من وظائف أخرى للفضائيات، لكن أن تطغى هذه الوظيفة على برامج أغلب الفضائيات العربية ، تصبح مشكلة بحاجة الى حل ومعالجة . في السابق كان يقال أن الآخر يستهدف هدم قيمنا وثقافتنا بمعاوله ، لكن الآن يمكن القول بأن الهدم يتم بمعاول عربية ، وقنوات عربية ، أكثر من كونها معاول أجنبية.


في الإثنين 13 يونيو-حزيران 2016 11:03:39 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=2612