آلية إنتاج الوعي
زيد عبد الباري سفيان
زيد عبد الباري سفيان
اللغة ليست فقط وسيلة للتعبير ونقل الأفكار وإيصال المعاني لكنها أيضاً وعاء للفكر وتعبير عن هوية الأمة ووجودها وحضارتها والكاتب حينما يكتب إنما يقوم بممارسة الحلم وفق تجلياته الذاتيه والتي تعد موقفا إيدلوجيا من الحياة
بعض القائمين على وسائل الإعلام والمحللين وكتاب المقال السياسي غالبا ما يكونون فاقدين القدرة على إستعمال آلية إنتاج النص بشكل يخدم توجهاتهم وخياراتهم السياسية 
ففي كثير من الأحيان يساهمون في خلق إتجاهات نفسية وإجتماعية وسياسية تتناقض مع الأرضية السياسية التي يقفون عليها
وقد يرجع هذا إلى ضحالة معرفة بعض الكتاب بعلم اللغة وعلم الدلالة وأهمية استخدام الألفاظ ليس في إيصال الفكرة فقط وإنما أيضاً في خلق المفاهيم وتشكيل المواقف وتحديد إتجاه الشعوب
ومن شروط البيان أن تكون الألفاظ مناسبة لمعانيها ومتطابقة معها بحيث تؤدي الى المعاني دون زيادة أونقصان مع مراعاة أن تليق الألفاظ باالمعاني المراد إيصالها وأن تتجاوب مع إيقاع الزمن وظرفية المكان وأن لا تحتمل هذه الألفاظ معنى آخر غير المعنى المراد تكوينه  
ومن المفارقات الغريبة أن كتابا يصرحون باإنتمائهم القومي لكنهم يفكرون وبطريقة إقليميية تكرس التجزئة وتغرس لدى الشعوب اتجاهات نفسية معادية ورافضة لروح الإنتماء القومي 
يفكرون بطريقة إقليمية لأنهم حينما يكتبون فإنهم إنما يمارسون عملية التفكير وما إختيارهم للألفاظ إلا تسجيل لهذه العملية
فنجد الكثير من الكتاب العرب حينما يريدون أن يعبروا عن تذمرهم من موقف النظام الحاكم في مصر ودوره في حصار غزة لايحسنون إستخدام الألفاظ والمفردات التي تعبر عن الفكرة فيقولون مثلا مصر تشارك في حصار غزة ، مصر تتآمر على العرب 
وهم لايدركون ماقد يجره إستخدام خاطئ للغة من إتجاه نفسي سلبي لدى قطاعات واسعة من أبناء الشعب العربي في مصر تجاه القضايا العربية بل وتجاه الإنتماء. القومي بأكمله 
من هذه المظاهر السيئة تصريح أحد المواقع القومية أثناء حرب صعدة بأن السعودية تتقدم في الأراضي اليمنية ولاتلتزم باإتفاقية ترسيم الحدود 
وبهذا التصريح إنزلق الموقع في جملة من الأخطاء منها :-
أولا إلإعتراف باالحدود الإقليمية وشرعنة التجزئة 
ثانيا أضفى على الإتفاقية هالة وقداسة ليست لها فكأنها ثابت والخروج عليها خيانة 
ثالثا قد يجر الجماهير في كلا الإقليمين إلى معركة إقليمية ولو على المستوى الذهني 
رابعا يدخل الموقع ونيابة عن الأنظمة في دوامة صراع إقليمي منافي لما يجب أن يتبناه من مواقف قومية بإتجاه إلغائها
نجد أحد الكتاب يستاء من موقف كتاب عرب في الكويت من قضايا عربية فتدفعه حماسته إلى أن يعنون مقالته بعنوان كويتيون وكويتيون متصهينون 
جاهلا لما قد يترتب على لغة كهذه من تكريس وغرس روح الكراهية بين أبناء الأمة الواحدة خاصة إذا ما وعينا قيام سدنة النظام وأبواقه من تقديمها للجماهير العربية في هذا الإقليم أوذاك كدليل على تحامل وكراهية العرب لمصر أوالكويت أوالعراق وغيرها
وقد كان بإمكان هذا الكاتب أن يتناول هؤلاء الكتاب كأشخاص بعيدا عن إلصاق صفة الذم باالكويت والكويتيين 
وبرغم أن الكاتب قد عالج قظية إرتهان بعض الكتاب العرب لمواقف معادية لأمتهم وقظاياها المصيرية لكننا لم نفقه الى المسوغ الذي حدى بهذا الكاتب أن يحشر مفردة الكويتيين بل ومستخدما التكرار للتوكيد في عنوانه متسببا عن قصد أوغير قصد في إثارة الشعور بالغبن والظلم والكراهية وماقد. يترتب على ذلك من خلق ميول للإحتماء بأنظمتهم ضد ما يهددهم من إخوتهم العرب ليحل العربي محل العدو والإقليم محل الأمة ويصبح النظام المتسلط المستبد حامي الحمى وقاهر الأعداء
لقد كثر اللغط عن غياب دور مصر الريادي وخذلانها للقضايا العربية متورطين أقصد رجال الإعلام في خلق عاهات وتشوهات في الجسد العربي بل وفي مجموعة الأحاسيس والمشاعر والإنفعالات لدى الجماهير العربية في هذا الإقليم تجاه الهم والحلم العربي والذين يمثلان مكونا أساسيا للهوية العربية 
وقد تتبدى خطورة طرح كهذا بشكل يفوق الضرر الواقع على الأمة من جراء ماتنتهجه الأنظمة من سياسة معادية للأمة وقضاياها 
إذ أن موقفا متخاذلا للنظام في مصر أوالكويت أوغيرهما من قضايا عربية ستترتب عليه خسارة مؤقتة لموقف سياسي في لحظة تاريخية محددة 
ثم إنه يبقى الأمل في قدرة الشعب العربي في هذا الإقليم على تصحيح المسار 
أما تناول الإعلام العربي لهذه الظاهرة وعلى هذا النحو فقد يحدث إنفصالا نفسيا لدى هذه الجماهير تجاه الأمة وقضاياها خاصة إذا ماتتبعنا كيف تنبري هذه الأنظمة للدفاع عن ماتسميه باالوطن والشعب ضد الحاقدين عليه 
وإزاء حالة كهذه نرى كيف يتمكن النظام الإقليمي بخبث ودهاء من اللعب بمشاعر الجماهير وإثارتها للإلتفاف حول النظام ومن ثم تحريكها ضد إرادتها ومستقبلها 
وقد رأينا كيف أن مجاميع من أبناء العروبة في بعض الأقاليم قد أعلنوا فك الإرتباط عن العروبة وقضاياها كرد منفعل على ضواهر منحرفة لوسائل الإعلام 
وقد برزت هذه الضاهرة بعد إتفاقية كامب ديفيد وماتلاها من هجوم على مصر من قبل وسائل الإعلام العربية غير مدركين للتباين الكامل بين مفردة النظام في مصر ومفردة مصر وما تعنيه من جماهير وأرض وتاريخ ومنظومة القيم والأهداف والآلام والآمال والمشاعر وهي جميعها جزء من النسيج القومي للأمة العربية
كما شهدنا هذه الظاهرة بجلاء بعد إجتياح الكويت وأثناء العدوان على العراق وحاليا نراها بوضوح خلال حصار غزة وما نشهده من خطاب إعلامي عاجز عن توصيف الواقع هذا فضلا عن صياغة خطاب قادر على بعث المشروع المقاوم من جديد  
ولسنا بحاجة إلى أن نجهد أنفسنا في التأكيد على أن هذه المواقف المنحرفة للأنظمة العربية لا تتفق ومجموعة الأحاسيس والمشاعر وأنها لا تعبر عن المكونات التاريخية والجغرافية بل وتطلعات ومصالح الجماهير في هذا الأقليم أو غيرة والذي هو بكل مكوناته السابقة جزء لا يتجزأ من أمة عربية واحدة 
لسنا بصدد بيان ذلك لأنه ممالا يختلف عليه أثنان 
إنما نحن بصدد معالجة الإستخدام الخاطئ للخطاب الإعلامي والسياسي العربي 
وقد يطول بنا الحديث لو ضمناه ببعض الشواهد من كتابات سياسية وتصريحات إعلامية وهي كثيرة لكن وهو الأهم لابد من الإشارة إلى بعض المعالم :-
تحاشي الخوض في المسائل ذات الصلة باالأنظمة والتي لاتخدم الفكر القومي ولا تشكل أي إضافة للفكر أوالحركة كقضايا الحدود أوالتسابق على تجيير المواقف وتبادل الإتهامات والخلافات التي تعبر عن أطماع شخصية وإقليمية وما إلى ذلك من أوحال إقليمية قد تخلق إنفصالا نفسيا وتجزئة في الذهنية السياسية للجماهير العربية 
عدم إنجرار القوميين لأي من مواقف الدعم والتأييد الأدبي والسياسي للنظام الذي يرزحون لحكمه في مواجهة أنظمة عربية أخرى تحت أي مبرر وأي ذريعة 
تناول المظاهر المنحرفة ( الإستلاب الفكري ، الإرتهان السياسي ، العمالة ، الخيانة ، ) كحالات شخصية وظواهر إجتماعية بعيدا عن تأطيرها في إطار ينمي الإقليمية ويولد ردود أفعال مشوبة باالشعور باالغبن والكراهية والحقد والظلم كهذه التعابير غير المسؤولة 
 ( يمنيون خونة ، كويتيون متصهينون ، مصريون عملاء ، سعوديون جهلة ، سوريون جبناء ...الخ )
حينما يتصدى الكتاب لهذه الأنظمة تعرية وإدانة لمواقفها المتخاذلة والمتواطئة لا بد أن تعكس هذه الكتابات وعيا بتمايز الجماهير بل وتميزها عن هذه الأنظمة ، وهذا ما يقتضيه إيقاع الزمن وروح اللحظة التاريخية 
تجنب استخدام أي مفردة تدل على إسم الإقليم غير مقرونة بمفردة النظام حينما يكون الحديث عن إنحراف النظام 
وإجمالا بعد تفصيل فإنه صار لزاما علينا وخاصة في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ أمتنا من إستخدام خطاب معرفي يراعي شروط إنتاج النص وأدواته التي تراعي اللحظة التاريخية
خطابا قادرا على سوق المفردات والألفاظ بإتجاه المعنى المراد إيصاله والذي لايمكن أن يحتمل غير هذا المعنى  
ش

في الأربعاء 23 يونيو-حزيران 2010 12:07:34 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=218