صعدة ..حرب سادسة أكثر شراسة
عادل عبدالمغني
عادل عبدالمغني

غابت لغة الحوار وحضر العنف ..هكذا غدا واقع الحال في محافظة صعدة التي دخلت مجددا في غمار حرب سادسة اندلعت بشراسة بعد مواجهات متقطعة شهدتها المحافظة خلال الأسابيع القليلة الماضية.
ضراوة الحرب صادرت احتمالات الهدنة وأحرقت مفردات الحلول السلمية، وحصدت في أول أيامها - الأربعاء الماضي - أكثر من خمسين قتيلا وعشرات الجرحى إلى جانب المئات من المهجرين من مدن وقرى المحافظة التي أعلنت فيها السلطات المحلية حالة الطوارئ.
ومع الساعات الأخيرة من ليل الثلاثاء – الأربعاء، كانت الصواريخ وقذائف الدبابات تنطلق بكثافة صوب معاقل الحوثيين في مناطق العند، الخفجي،القهرة، المهاذر، مطرة، ما أدى إلى سقوط عدد غير محدد من القتلى والجرحى، في حين قالت مصادر حوثية إن الحوثيين سيطروا على مواقع للجيش بأسلحتها وذخائرها بعد فرار الجنود منها.
وفي الساعات الأولى من صباح الأربعاء حلق سلاح الجو اليمني فوق سماء المعركة لأول مرة في تاريخ الحروب المتتالية بين الجيش الحكومي والمتمردين وقصفت مواقع تابعة للحوثيين في مناطق شذا وغمر وساقين وموقع آخر في جبل المشنق الاستراتيجي الذي كان الحوثيون قد تمكنوا من فرض سيطرتهم عليه الأسبوع المنصرم.
وجاء هذا التصعيد الأخير بعد اقل من 48 ساعة من أنباء ترددت عن توقيع هدنة بين الجانبين لوقف الاقتتال المتقطع، مقابل انسحاب
الجيش من بعض مواقع تمركزه داخل مديريات بصعدة. كما جاء بعد يوم واحد فقط من إخلاء قوات الجيش الحكومي فعليا مواقع عسكرية في مناطق التوتر مع كافة آلياتها العسكرية الثقيلة، الأمر الذي اعتبره البعض انتصارا للمتمردين، قبل أن تكشف أحداث الأربعاء عن تكتيك عسكري كان يقف وراء أحاديث الهدنة و انسحاب الجيش من بعض المواقع تمهيدا لقصف صاروخي وجوي مكثف لا يترتب عليه أي خسائر محتملة في أوساط الجيش إن هو ظل في المواقع المحاذية.
 هي الحرب إذا التي أعلن الرئيس علي عبدالله صالح العام الماضي وتحديدا في 28 من يوليو أنها توقفت للأبد.. ها هي تعود مجددا وبصورة أكثر شراسة من سابقاتها، كما لو أن مدة الهدنة الرئاسية التي استمرت لعام استغلت من قبل الطرفين لإعادة ترتيب وضعيهما العسكري والتكتيكي استعدادا لمواجهة كانت محتملة.
وتبدو القوات الحكومية في هذه الحرب عازمة على تحقيق الحسم العسكري لصالحها بوقت قياسي واستعادة عديد مناطق فرض الحوثيون سيطرتهم عليها خاصة المناطق على الشريط الحدودي بين اليمن والمملكة العربية السعودية والتي شهدت معارك عنيفة قتل خلالها 27 من أتباع الحوثي وثلاثة جنود حسب مصادر محلية في صعدة.
وهو ما أفصح عنه مصدر في الحزب الحاكم قال لـ(الشارع) أن الحكومة استنفذت كل خيارات السلام مع المتمردين الحوثيين الذين لم يتركوا خيارات أخرى لاستعادة هيبة الدولة والنظام غير اللجوء للمؤسسة العسكرية – حسب تعبيره.
المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه قال أيضا أن المهمة التي أوكلت للقوات الحكومية هي إنهاء المعركة وحسمها قبل حلول شهر رمضان، وخولت باستخدام الأسلحة الصاروخية وسلاح الجو لإنهاء تمرد من اسماهم المصدر بالعملاء الذين ينفذون أجندة طائفية تمول من الخارج في إشارة إلى دولة إيران مجددا التي سبق وان وجهت لها السلطات اليمنية اتهامات صريحة بتمويل تمرد الحوثيين الشيعة خلال الحروب الخمسة السابقة.
إعلان حرب:
ومثلما سبقت الحرب السادسة إرهاصات اعتبرت كمقدمات لنشوبها وتمثلت بالمواجهات المتقطعة بين قوات الجيش والمتمردين، فإنها بدأت بإعلان رسمي بثه التلفزيون اليمني مساء الثلاثاء عقب اجتماع ضم اللجنة الأمنية العليا برئاسة الرئيس صالح، حذرت في بيان صدر عنها الحوثيون من الاستمرار في " غيهم و ارتكاب الأعمال الإرهابية والإجرامية" واتهم البيان الحوثيين باختطاف مواطنين من مختلف مديرات محافظة صعدة" وهو ما نفاه مكتب القائد الميداني للمتمردين الحوثيين عبدالملك الحوثي الذي قال في بيان تلقت"الشارع" نسخة منه " إن حديث السلطة عن اختطافه لمواطنين غير صحيح ، مؤكداً إن من قام باختطافهم هم أفراد في الجيش الرسمي تم أسرهم من ساحات المعارك بمواجهات قتالية شرسة" وقال إن عدد الأسرى من الجنود بلغوا 400 جندياً خلال المواجهات المتقطعة التي اندلعت خلال الشهر الماضي. واعتبر عبدالملك الحوثي هجمات السلطة "بداية العدوان السادس ضدنا".
اللجنة الأمنية عادت لتقول عشية اندلاع الحرب: إن الدولة مضطرة لحماية المواطنين والحفاظ على ممتلكاتهم، بعد أن تعهدت بـ"القيام بمسؤولياتها و ضرب العناصر المتمردة بيد من حديد."وهو ما اعتبره مراقبون إعلان رسمي لشن حرب سادسة .
حرب الشمال رسالة للجنوب:
ويبدو أن هناك أسباب خفية وراء محاولة الجيش الحكومي الضرب بيد من حديد. ربما أرادت الحكومة من ذلك توجيه رسالة قوية بان الجيش لا زال قادرا على قمع وإخماد أي حركات تمرد قد تنشئ في أي منطقة في البلد، وتحديدا في الجنوب. خاصة وان هناك من يربط بين التمادي في الدعوة للانفصال في المحافظات الجنوبية وحرب الحكومة طويل الأمد مع الحوثيين في الشمال.
ويرجع مراقبون تجرؤ سياسيين في الجنوب على المطالبة علنا بالانفصال دون الاكتراث بالقوة الأمنية، إلى استمرار حرب الحكومة المتقطع مع المتمردين الحوثيين في صعدة لمدة تزيد عن خمس سنوات دون قدرة الجيش على قمع المتردين وحسم المعركة لصالحه. ما يعطي انطباع لدى الراغبين في الانفصال بضعف قدرة الجيش.
الحكومة تحاول أيضا عبر حربها الأخير مع الحوثيين إخماد إحدى جبهات القتال ليتسنى لها التفرغ للجبهات التي لا تزال مفتحوه على أكثر من جهة.
فحروب الحكومة المركزية بصنعاء مع المتمردين الحوثيين التي انطلقت شراراتها الأولى العام 2004 والتي حصدت على مدار حروبها الخمسة السابقة ما يزيد عن ستة آلاف قتيل وجرح عشرات الآلاف وتشريد نحو مائة ألف مدني، ليست سوى إحدى جبهات القتال وربما اقلها خطورة.. فالبلد الذي ينزلق نحو العنف يواجه نشاط متنامي لعناصر من تنظيم القاعدة في مناطق متفرقة من البلاد، وكثير من التوتر في الجنوب التي ترتفع فيه حدة الأصوات المطالبة بالانفصال، والتي بدأت مؤخرا تنحوا منحا أكثر خطورة بعد أن خرجت الفعاليات الاحتجاجية عن إطارها السلمي إلى أعمال عنف واقتتال، وتشكيل حركات مسلحة. كل ذلك إلى جانب الأزمة الاقتصادية الحادة التي تضاعف من أوجاع اليمن.
 وتشير هذه الأزمات مجتمعة إلى أن الأمور في هذا البلد تتجه نحو مزيدا من التعقيد، وربما ينتهي الأمر إلى ما هو أكثر بشاعة من السيناريوهات المحتملة.


في الأحد 16 أغسطس-آب 2009 10:04:43 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=21