نور الدين .. بأي ذنب قتل في الضالع ..؟!
عادل عبدالمغني
عادل عبدالمغني


سافر صباح السبت من قريته بمحافظة إب إلى مدينة الضالع بحثاً عن عمل، فعاد الاثنين جثة هامدة بعد أن اخترقت رأسه رصاصة عنف متبادل بين الجيش والحراك غير السلمي ..

                                     نــور الــدين .. بــأي ذنــب قــتــل ..؟!


"لم يتبقى على حلول رمضان سوى شهرين" .. هكذا حدث نور دين نفسه وهو يبرر لأهله وأصدقاء سبب تعجله في السفر إلى مدينة الضالع صباح السبت قبل الماضي.

نهض باكراً وتناول وجبة إفطاره على عجل ومن ثم اخذ "شاكوشه" الخاص بعمله في نجارة المباني وجمع ملابسه داخل كيس حمله بيده وغادر قريته "الجعاشي" بمديرية بعدان محافظة إب.

نور الدين وهو شاب في العشرين من عمره لم يكن يعلم انه لن يرى قريته ثانية ولا أي من ساكنيها .. هو لم يكن يعلم أيضاً انه لن يعمل في الضالع سوى يوماً واحداً فقط - وهو يوم الأحد قبل الفائت - وانه لن يصوم رمضان القادم مع أهله، الذين وان عاد إليهم بعد أقل من ثلاثة أيام على سفره، إلا أن عودته السريعة وغير المتوقعة كانت هذه المرة بجثة هامدة لا نبض فيها ولا حياة، بعد أن اختطفت روحه البريئة رصاصة من بين رصاصات كثيرة تم تبادلها ظهر الاثنين بين جنود من الجيش والأمن ومسلحين من أتباع الحراك الجنوبي.

 نور الدين حسن العرومي ، لم يكن يتصور ولا احد من أهله وأصدقاءه أن تنتهي حياته بهذه الطريقة، وان يغادر الحياة مقتولاً مغدوراً دون ذنب ارتكبه سوى انه في بلد تفتقر سلطاته لأدنى شعور بالمسؤولية تجاه مواطنيها وأمنهم وسلامتهم.

اليوم الأخير في حياة نور الدين أو لنقل نصف نهاره الأخير قضاه مع زملائه من العمال داخل دكان يستأجرونه للنوم ومعدات العمل. وبعد أن خرج العمال كعادتهم في الصباح الباكر طلبا للرزق ولقمة العيش الحلال، وجدوا المدينة على غير عادتها حيث السكون يلف الأسواق والمحال التجارية والطرقات خالية من الحركة عدا من مسلحين مدنيين يطالبون الجميع بتنفيذ دعوة الحراك الجنوبي للعصيان المدني الشامل. ولأن لا حول ولا قوة لنور الدين ورفاقه عاد الجميع سريعاً إلى دكانهم بعد أن تعذر عليهم الحصول على بوفية أو مطعم أو حتى بقاله لتناول الإفطار.

مرت ساعات الصباح بطيئة وثقيلة قبل أن يبدد دوي القذائف وإطلاق النار سكون مدينة الضالع. ومع حلول الظهر كان العمال يتضورون جوعاً فهم لم يتمكنوا من تناول ما يهدئون به الم أمعائهم الجائعة، فيما العصيان المدني لا يزال مستمر.

كان نور الدين محظوظاً – أو هكذا ظن - حين اتصل به احد المقاولين من أبناء عمومته ويسكن مع أسرته منذ ما بعد الوحدة اليمنية في مدينة الضالع، ودعاه لتناول الغداء في منزله.

وفيما كان نور الدين ومعه صديق اخرر له في طريقهم إلى منزل عبدالسلام العرومي أوقفتهم رصاصة طائشة اخترقت رأس نور الدين وفجرت جمجمته ليخر صريعاً على الأرض مضرجاً بدمائه وسط ذعر وذهول صديقة الذي لم يجد من يستنجد به، فذاك يوم للعنف والقتل بدم بارد اعتادت السلطة على تخصيصه من وقت لآخر.

 لم يستطع عبدالكريم المرافق لصديقه المقتول تحديد ما إذا كانت الرصاصة انطلقت من فوهات بنادق الجيش الغارق في القتل غير المبرر، أم أن أحد أفراد الحراك الجنوبي "السلمي؟!" هو من أطلق رصاصة الموت على عامل آتى من بعيد ليكسب قوت يومه بعرقه وجده. لكن ما يستطيع تأكيده كل من كان مع نور الدين ذلك اليوم انه مات جائعاً. لقد مات نور الدين فعلاً دون أن يتناول طعام الإفطار أو الغداء .. فقط رصاصة طائشة هي كل ما حصده الشاب من غربته القصيرة في مدينة الضالع.

ولان السلطة لا تجيد سوى القتل والقتل فقط، فان المستوصف الذي نقل إليه نور الدين لم يستطع أطباءه عمل شيء سوى نصح أهله بتجهيز قبر له، وظلوا يتفرجون عليه حتى منتصف الليل وحينها لفظ أنفاسه الأخيرة، فحمله من كانوا معه من أصدقاءه وعادوا به إلى قريته ليدفن صباح الثلاثاء في مقبرتها.

والآن.. من يعيد نور الدين لأحلامه البسيطة التي اجتهد لتحقيقها..؟ من يعيده ليكمل تجهيزاته استعداداً لعرسه الذي كان قريباً لولا جنون الحكم والتعطش المتبادل للقتل والدماء بين سلطة لم تعد تعي ما تصنع، ومندسين يخدمون التوجهات الرسمية التي أوكلت إليهم مهمة تشويه كل ما هو سلمي ومدني وإعطاءها مبرر لاستخدام العنف ضد الفعاليات التي من المفترض أن تكون سلمية من قبل من ينضمها لا أن تتم بالإكراه وقوة السلاح، ومضايقة مواطنين بسطاء لانتماءات مناطقية، وهو ما يجب أن يتنبه له أتباع تيارات الحراك الجنوبي، لان ما هو حاصل اليوم لا يرضي أحدا على الإطلاق وستكون له ردود أفعال سلبية للغاية.

إلى جانب نور الدين قتل أربعة أشخاص آخرين وجرح 17 شخصا بينهم أربع نساء وطفل واحد. كما دمرت قذائف المدافع التي أطلقت من اللواء 35 مدرع على أحياء سكنية في المدينة عدد من المنازل.

وعلى أصوات دوي القذائف والرصاص الحي وألوان الدماء التي اختلطت برائحة البارود استمر الرعب والعنف في الضالع حتى وقت متأخر من نهار الاثنين. فيما التوتر مستمر حتى اليوم.

وكما هو الحال بعد كل مجزرة ترتكبها السلطة تأتي التوجيهات العليا بفتح تحقيق فيما جرى .. التحقيق لن يعيد القتلى في الضالع ولن يوقف الطيران الأمريكي من التحليق فوق مأرب وقصف مناطق قبلية بالقنابل العنقودية .. التحقيق لن يعيد نور الدين ولا رفاقه الأربعة، كما لن يعيد جابر الشبواني ومرافقيه ولا ضحايا المحفد أو شبوة.. التحقيق لن يعيد للوطن كرامته المهدرة وأمنه الغائب.

   
في الإثنين 14 يونيو-حزيران 2010 02:07:39 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=208