تعويم أسعار المشتقات النفطية تشريع للنهب
د.عبد الودود الزبيري
د.عبد الودود الزبيري

النفط بمشتقاته المختلفة سلعة استراتيجية لأي مجتمع وخاصة المجتمعات النامية، وتركه لقوى السوق وفي ظل تغييب الدولة يوفر قرار تعويم أسعار المشتقات النفطية فرص لابتزاز المجتمع والمتاجرة بقوته اليومي ومعيشته وتسليم مصيره لمافيا قوى الفساد والقطاع الخاص الذي لا يهتم إلا بربحيته، كما أن هناك ضرورة لتهيئة المجتمع لتعويم أي مادة أو سلعة في اسوق، بل على الحكومة والسلطة تأمين الحد الأدنى لحماية وتوفير بيئة خاصة ومستقرة وضامنة للحد الأدنى من المعيشة التي تضمن الكرامة والحرية للمواطن بعيداً عن رهنه لقوى الفساد والقوى النافذة في السلطة، وسياسات التعويم هذه لا تحقق تلك المسئولية.

القطاع الخاص لا يهتم بتأمين أي مخزون استراتيجي من أي سلعة إلا إذا كانت ستحقق له أكبر ربحية وعلى حساب معيشة وانتهاك حقوق المواطنة، بل ويستفيد من أي مخزون في حالة الأزمات والحروب بل ويصنع تلك الفرص ليحقق أقصى الأرباح وخاصة في ظل تغييب الدولة وانتهازية العصابات المسلحة التي توفر له بعض الحماية بالابتزاز أو بالقوة ليدفع لها الإتاوات المطلوبة ولتمكنه من العمل كيفما يشاء .

في ظل ظروف الحرب ليس هناك جدوى من أية سياسات لتعويم أسعار السلع بل هناك بيئة لاستغلال الفرص من قبل أصحاب القوى والقدرة والنفوذ والاستثمار في ظل هذه الظروف، ويتحمل تبعاتها البسطاء وعامة الناس في المجتمع.

في ظل الظروف غير الطبيعية وظروف الحرب سياسات تعويم الأسعار تشرِّع للفساد واستدامته وتفاقم من سوء ظروف المعيشة لمعظم شرائح المجتمع وفي ظل غياب فاعلية الرقابة والدولة يتسيد لصوص الأموال العامة والمرتزقة والانتهازيين من القطاع الخاص والمستغلين لظروف الحرب، وهم في الغالب مراكز القوى والفساد المسيطرة على مختلف الأنشطة المربحة وجلهم من القطاع الخاص والسلطة الواقعية.

قرار التعويم كما يدعون مؤقت ويتماشى مع ظروف الحرب ..!! هذه مغالطة فجه يمكن تسويقها في أوساط المرتزقة والمتنفذين وعصابات القطاع الخاص وبيئة الفساد المنظمة لأنشطتهم، والأولى بما يسمى باللجنة الثورية للحوثيين وبما تبقى من مؤسسات الدولة والتي لا تستطيع أن تدير أي أمور عامة وتراعي مصالح المجتمع، أن تعمل على تحمل مسئولية المجتمع وتعمل على توفير احتياجاته الضرورية وبأسعار منخفضة أو غير مجحفة في حق الفئات الضعيفة في المجتمع، وخاصة من المشتقات النفطية، وليس بالضرورة مدعومة بل بأسعارها العادلة التي تتماشى وظروف الحرب وتدني مستوى الدخل في المجتمع، وليس اللجوء إلى تعويم أسعارها وتركها للقطاع الخاص في ظل تغييب الدولة ومؤسساتها وقوانينها المختلفة التي توفر حماية نسبية للمواطن.

وبالنظر إلى القوى المسيطرة على سوق المشتقات النفطية في السوق اليمنية والفاعلين فيها سنجد أن المسيطرين عليها جلهم من الفاسدين واللصوص والمتنفذين والمرتبطين بسلطة النظام السابق على وجه الخصوص وسلطة الأمر الواقع، والذين يتاجرون بأقوات المجتمع وتأزيم معيشتهم ويحصلون على حماية لفسادهم بارتباطاتهم تلك، وهم ينهبون الدعم عبر التهريب والمتاجرة في الأسواق السوداء وتحت نظر سلطة الأمر الواقع وما يسمى باللجان الثورية التي تشاركهم الأرباح والحماية وابتزاز المواطن وما الأسواق السوداء في العاصمة والمحافظات المسيطرين عليها إلا دليل على ذلك.

قرار التعويم يحتوي على إعفاء تجارة المشتقات من الضرائب والرسوم الجمركية بل وإسقاط رسوم دعم الصناديق مثل دعم صندوق الطرق وصندوق الإنتاج الزراعي والسمكي، وسيترتب على ذلك خفض عائدات الدولة وهذه الصناديق من هذه العوائد أو الإيرادات، وستترك عجزاً مهماً لهذه الصناديق في مواردها المالية اللازمة للتشغيل، كما أن هذه الإعفاءات تهدم سيادة الدولة في مواردها السيادية وستخفض مصادر إيراداتها العامة لمصلحة القطاع الخاص والمستوردين للمشتقات النفطية والمرتبطين بمراكز القوى والذي سيزيد ثرائهم على حساب المجتمع واستغلال حاجاته في ظل عجز سلطة الأمر الواقع وقوة ما يسمى باللجنة الثورية للحوثيين وما تبقى من مؤسسات الدولة في عجز الرقابة وضبط أية إجراءات حمائية بل ورفضها من قبل القطاع الخاص الذي يريد تحرير الأسعار والتحكم بها كما يريدها هو وتضمن له تحقيق أقصى ربحية لاستثماراته هذه.

كما أن القرار يخلِّصْ سلطة الأمر الواقع وما يسمى باللجنة الثورية للحوثيين من أية مسئولية تجاه المجتمع في توفير احتياجاته من المشتقات النفطية وتحويلها نحو القطاع الخاص والأولى لهم أن تقوموا بهذه المسئولية وليس بالتخلٌّصْ منها وتحويلها نحو القوى الانتهازية والفساد في القطاع الخاص والقوى المرتبطة به من متنفذي السلطة.

كما أن القرار سيسلم سوق المشتقات النفطية لقوى السوق وقوى النفوذ والفساد من اللصوص والمشايخ ومن لديهم القدرة على الاستيراد ويسلِّمْ بالتالي أمر المجتمع لهؤلاء الانتهازيين من مستغلي ظروف الحرب وظروف الأزمات.

القرار تضمن تحديد رسوم يتم تحصيلها من عمليات الاستيراد لإنشاء محطة لتوليد الكهرباء بقدرة ألف ميجاوات قابلة للتوسع، وإنشاء ميناء نفطي يتسع ل 500 ألف طن لتري ..!! على أن يتم توسعته ليستوعب مليون طن لتري مستقبلاً،وإذا ما تم إنشاءه سيكون لليمن مخزون استراتيجي من المشتقات النفطية ..!!!

هذه المشاريع مجرد فقاعات هوائية وذر رماد على العيون لتمرير قرار التعويم لمصلحة قوى الفساد وبالإدعاء الاهتمام بالمصلحة العامة، وهي ستترك في الغالب، في ظل هذا التوجه للقطاع الخاص لتنفيذها واستثمارها لمصالحه وليس للمصلحة العامة ..!! وربط هذه المشاريع بقرار التعويم يأتي لإلهاء المواطن وتحويل اهتمامه من معرفة سلبيات التعويم وارتفاع أسعار المشتقات في السوق المسيطر عليها من احتكارات الفساد إلى المشاريع المستقبلية والوهمية وتركه يبحث عن احتياجاته المتوفرة في السوق السوداء للمشتقات النفطية، التي تسيطر عليه مافيات المتاجرة بأقوات الناس، ويتم تغييبها في السوق الرسمية بسبب قوى النفوذ والفساد والقوى الانتهازية والمسيطرة على الواقع بالشراكة مع حماية ما يسمى باللجان الثورية للحوثيين في مختلف الأزِّقةْ والشوارع والطرقات الرئيسية في المدن المسيطر عليها من قبل الحوثيين وبقايا نظام المخلوع صالح.

وكل ما قدَرَ عليه رئيس ما يسمى باللجنة الثورية للحوثيين أن دعا التجار إلى أن يتقوا الله في المواطن اليمني، وهو ما يعكس عجز اللجان الثورية ورئيسها عن السيطرة على سوق المشتقات الرسمية أو هم يريدون أن تسير الأمور هكذا بعشوائية وبلا مسئولية نحو المجتمع، بل أنهم مشاركون في المتاجرة بالسوق السوداء للمشتقات النفطية بحجة دعم المجهود الحربي وما يتم نهبه خارج أي رقابة من أي جهة سواء كانت رسمية أو حتى تابعة لجماعة الحوثي ..!!!

وهم من يفاقمون أزمات المواطن ويحملون عجزهم في تحمل مسئولياتهم نحو المجتمع للعدوان الخارجي والحصار وهم من يستثمرون هذه الظروف لمصالحهم الخاصة والفئوية لجماعتهم وما يرتبط بهم من مرتزقة المخلوع صالح، وينسون الحروب الداخلية التي فتحوها في محافظات الجمهورية وخاصة عدن وتعز والضالع والبيضاء ومأرب ومختلف المحافظات التي ترفض تواجدهم الهمجي والتقتيل لأبنائها، ودفع أبنائهم-جماعة الحوثيين المغرر بهم بدعاوي زائفة للجهاد المقدس ضد الغير وخاصة بعد وصم مخالفيهم بالدواعش والتكفيريين وهي لتغليف وتسويق أطماعهم المغلفة بالجهاد الوطني والثورية الزائفة والزوامل الطائفية المقيتة التي تسعى إلى تفتيت المجتمع وزرع الصراعات على أسس طائفية ومذهبية ومناطقية ..!!!

والأحرى باللجنة الثورية للحوثيين، إن كانت تريد تحمل المسئولية العامة تجاه المجتمع مع ما تبقى من مؤسسات الدولة، أن تعمل على توفير المشتقات النفطية وبأسعارها العادلة حيث أنهم يستفيدون ما يزيد عن 44% من أسعارها العالمية دون أي دعم يذكر من الميزانية العامة، وحسب أسعار السوق العالمية التي وصلت إلى 48 دولار للبرميل، وبمقارنة أسعار المشتقات في السوق المحلية وبأسعارها العالمية يتضح أن المواطن اليمني يتحمل كل التكاليف بما فيها ربحية شركة النفط اليمنية التي تصل إلى ما يزيد عن 44% من أسعارها الفعلية أي أنه ليس هناك دعم للمشتقات النفطية تتحملها الميزانية، بل أن المواطن يتحمل قيمة تصل إلى أكثر من مائة دولار مقابل أسعار البنزين فقط من كل برميل نفط خام، وتستفيد بقية المشتقات الأخرى من الخام، وبالتالي ليس هناك في ظل هذه الأسعار أي دعم يقدم للمشتقات النفطية بل أن الدعم يتم نهبه من قبل قوى النفوذ والمتنفذين والمتاجرين بالمشتقات النفطية ومافيا النفوذ في سلطة الأمر الواقع المسيطرة على جل الدعم وموارد الدولة التي يتم اعتمادها في الموازنة العامة، بل أن المواطن يدفع الكثير من أسعار النفط التي يتم جبايتها عبر شركات تسويق النفط المحلية ويتم نهبها من قبل هذه المافيات المرتزقة، وما الدعم إلا وهم يبررونه فيما يتم نهب ثروات المجتمع وتخويف المجتمع من المجهول القادم ....!!!

والقرار يمهد لتحويل كل دعم المشتقات النفطية رسمياً وبدون أي إعلان نحو المجهود الحربي أو حتى لنهبه من قبل المتنفذين وسلطة الأمر الواقع المسيطرة على الموازنة العامة في ظل تغييب الدولة ومؤسساتها وقوانينها ...!! وترك الأمور للقطاع الخاص الذي سيحوِّل عملية التعويم إلى احتكارات لنافذين وقوى متمصلحة ومرتبطة بمراكز القوى المسيطرة وببقايا نظام المخلوع وهي جريمة بكل المقاييس في حق المجتمع وستتكرر عملية إنشاء احتكارات القمح والسلع الأساسية عندما تم تحريرها خلال النظام السابق ..!!

كما أن اللجنة الثورية للحوثيين وبقايا المؤسسات الحكومية تعجز عن ضبط أي مخالفات أو رقابة للأسعار لحماية المستهلك في السابق وحالياً فكيف سيتم حماية المستهلك من جشع القطاع الخاص وارتباطاته بقوى الفساد والمرتزقة وقوى المشيخية والقبلية المرتبطة بهذا السوق ..!!

سياسياً القرار لا يخدم المجتمع ولا سلطة الأمر الواقع لجماعة الحوثي الانقلابية، فهي لا تعي تداعيات هذا القرار وتفتقد الرؤية المستقبلية لتبعات تنفيذه، هذا إذا كانت هناك بيئة مواتية للتنفيذ، ولكن الواقع يقول عكس ذلك وبالتالي القرار يريد أن يشغل المجتمع ويحول اهتماماته من متابعة الانتكاسات الميدانية للتحالف الطائفي للحوافيش في جبهات القتال المتعددة عدن، تعز، الضالع، البيضاء، ومأرب وما تتكبده من خسائر عسكرية وبشرية في صفوف مقاتليها المغرر بهم بصكوك الجنة التي يمنحها السيد لأتباعه في جبهات القتال وتحقيق انتصارات وتقدم المقاومة الشعبية وبقايا قوات الشرعية في جبهات القتال هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يريد تسليم سوق المشتقات النفطية المحلية لقوى النفوذ والمرتزقة الذي هو جزء رئيسي منه وهو المستفيد من هذا التعويم لدعم المجهود الحربي والذي يريد أن يستثمر الظروف المحيطة وظروف الحرب لمصلحة هذه القوى بتأزيم ظروف معيشة المجتمع وهي المسيطرة على سوق المشتقات المحلية مع شبكة من الفساد الذي يتحكم بهذه السوق.

اقتصادياً أسعار النفط الدولية تتراجع وتتعدد فيها الأسعار في الأسواق الدولية للخام والمحلية لأسعار المشتقات للاستهلاك المحلي، وليس هناك أسعار موحدة في العالم، فكل سوق له سعره وفقاً للعديد من الاعتبارات المعيشية ومستوى الدخل ومستوى التطور الاقتصادي في هذا السوق أو ذاك، وقطعاً أسعار السوق المحلية لها ظروفها ومتغيراتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية أيضاً وظروف الحرب الطارئة، التي تفرض الأسعار حسب وفرة أو ندرة هذه المواد.

وقرار التعويم يكشف فشل شركة النفط اليمنية وفشل ما يسمى اللجنة الثورية للحوثيين في إدارة سوق المشتقات وتأمين احتياجات السوق المحلية واحتياجات المواطن منها، بل أنها تسهم في تأزيم ظروف المواطن كونها المسئولة عن توفيرها ومسئولة عن الرقابة على أسعارها وضبط الأسواق المختلفة والمخالفين لأسعار هذه المواد خدمة لحماية المستهلك وكونها مسئولة عنهم، إلا أنها تتمادى في اللامبالاة في مسئولياتها نحو المجتمع وتساهم بايجابية في نمو السوق السوداء من خلال التعامي عنها بل وتشارك عناصرها في هذه السوق وفي نقاط البيع في المحطات الرسمية والخاصة وفي السوق السوداء لتركهم يرتزقون وعلى حساب المجتمع ولتضمن نسبتها في هذه الأسعار لدعم المجهود الحربي ...!!!

بل وخرجت اللجنة الثورية مؤخراً بتسعيرة جديدة للمشتقات النفطية البنزين والديزل بسعر 2700 ريال للدبة سعة عشرين لتر يتم اعتمداها من منتصف ليلة السبت الموافق 15 أغسطس الجاري بينما هي تعجز عن توفيرها رسمياً .. وهذه بعض التخبط والفشل للجنة الثورية للحوثة وما يرتبط بها من بقايا المؤسسات العامة وبدون رؤية أو أفق يمكن تسيير الأمور العامة ...!!

Wadod2008@gmail.com

 
في الأحد 16 أغسطس-آب 2015 01:16:38 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=1969