الحمدي.. بكاء أمي وحزني العميق
محمد الحجافي
محمد الحجافي

كان قدومي إلى هذه الدنيا ذات صباح, كأي جنين تضعه امه الريفية في مكان ترابي مفروش بفرش من غزل النخيل الذي صنعته خلال حملها.

فرحت أمي – حينها- بقدومي إلى هذه الدنيا كما فرح أبي أيضاً بذلك القدوم لطفل يضاف للأسرة.

ثلاثة إلى أربعة أشهر وأمي تشعر بالسعادة, ولكن ذلك الفرح لم يكتمل وسرعان ما تبدد!.

صوت يتدفق إلى مسمعها من عابر طريق مع رفيقٍ له يذرفان الدموع ويرددان "الله يرحمه لقد هلكت اليمن بعد مقتله"

يا الله تصاب أمي بالصدمة من هول ما سمعت.

تتركني رضيعاً في مطبخها القروي المكان الأكثر جلوساً فيه للمرأة الريفية, وتتسلل وسط الحقل المجاور لمنزلنا متخفية بـالزرع؛ لتسترق السمع أكثر, ولتعرف من هو هذا الرجل الذي كل ما مرّ بشراً في الطريق الذي يقع على أطراف الحقل, ويتباكون عليه ويقولون: لقد رحل رجل اليمن العظيم, وفي وجوههم الحزن واليأس, وأن بعد رحيله لن تجد اليمن خيراً, مع إيمانها انه الرئيس الحمدي ولكن لتتأكد أكثر وأكثر.

يا الله إنها الصدمة العظمى لامي, لقد عرفت من يكون وتأكدت أكثر من هو الرجل الذي حزن له الطير قبل البشر.

تتعثر أمي عثرة فوق عثرات ما بعد المخاض حين تسمع "الله يرحمك يا إبراهيم الحمدي قتلوك الأوباش قتلوك اللصوص" ترتمي أمي وسط الحقل وتصاب بغيبوبة لم تفق منها إلا على صوت بكاء طفلها الوليد الذي كان يصرخ بحزن كحزن أمه, والذي يبدو أن الحزن تسلل لجسده حينها.

 لم يسكت بكائي حينها غير لبنها الحزين الذي سقتني اياه وكان سبباً كافياً لأعيش حتى العقد الثالث من عمري والغصةٌ لم تفارقني بعد !.

ثلاثة عقود وما قاله من كانوا ذلك اليوم في الطريق وهم يبكون رحيلك "لقد هلكت اليمن" فعلا لقد هُلكنا بعدك.

وها أنا منذ رحيلك أعيش حزناً لازمني منذُ مولدي.

أحاول أن أنسى ذلك الحزن بذكرى مُنجزاتك, لكنهم يا شهيدنا ويا رئيسنا يقتلونا، ليلحقونا بك.

تركونا في حزن نتوارثه جيلاً بعد جيل, فلا حزن أمي انتهى ولا مستقبلي لقي النور, نعيش في بلدٍ قادته يتصارعون على من يكون الوالي والناهي والناهب لثروات الوطن, فاليوم أصبح أزيز الرصاص هو المسموع.

ولم يبق لأمي سوى أن تتذكر شيئين اثنين, الاول حين تغضب مني وتقول: لقد أتيت يا ولدي في عام شؤم, أما الشيء الثاني وهي كلمتك المشهورة حين خاطبت شعبك قائلا: لسنا حكاما عليكم بل خداما لكم.


في الأربعاء 25 مارس - آذار 2015 05:49:37 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=1883