المبعوث الأممي المدلس !!
هائل سلام
هائل سلام

في بيانه الأخير، الذي أعلن فيه ما وصفه بـ " تعليق مشاركته مرة أخرى " في حوار موفنبيك ، برر التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري موقفه هذا بمخالفة مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة جمال بنعمر لما كان قد تم الإتفاق عليه معه بشأن الإعلان، بصراحة ووضوح ، عن أن المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني وأتفاق السلم والشراكة وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة ،هي مرجعيات الحوار ، والأهم ، إعلان عدم إعتراف الأمم المتحدة بالإعلان الدستوري الصادر، إنفراديا، عن جماعة الحوثي، كشرط لإستئناف مشاركته في مايسمى بالحوار .

وهو موقف منطقي متسق مع موقف التنظيم نفسه ، المنوه عنه في ذات البيان ، قولا بأنه كان قد علق مشاركته في " الحوار المنعقد في موفنبيك ، بعد الخطوات والاجراءات الإنفرادية التي أقدمت عليها جماعة الحوثي " خروجاً عن الشرعية الدستورية والتوافقية" التي " أدت إلى إستقالة رئيس الجمهورية والحكومة " ، وقبل صدور الإعلان الدستوري لتوصله إلى قناعة بعبثية الحوار الذي أرتأى أنه لن يفضي الى نتيجة، كما قال. فكان من الطبيعي أن يشترط التأكيد على تلك المرجعيات ، والأهم ، إعلان عدم إعتراف الأمم المتحدة بالإعلان الدستوري، كشرط للموافقة على إستئناف مشاركته في الحوار ، بعد صدور الإعلان .

وإذ كان لافتا أن يبادر بنعمر الى إصدار ماوصفه بـ " بيان توضيحي " ردا على بيان التنظيم الناصري ذاك ، ما يؤكد أهمية موقف هذا الأخير ، الذي جاء كخطوة إستثنائية كسرت حالة الإجماع المصطنع مذ بدء العملية السياسية القائمة على المبادرة الخليجية أساسا . فقد جاء بيان المبعوث الأممي " التوضيحي " هذا ، على غير المتوقع، مغلفا بالغموض ومنطويا على قدر كبير من الإسفاف والتذاكي والفذلكة والحذلقة والإستغفال والتدليس والتضليل.

ذلك أن تأكيد بنعمر على " أن المرجعية الوحيدة للمفاوضات، منذ اليوم الأول لانطلاقها، هي المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني واتفاق السلم والشراكة، فضلا عن قرارات مجلس الأمن ذات الصلة باليمن " حسبما جاء في البيان ، هو تأكيد لايؤكد شيئا في الواقع ، حال أن هذا الواقع يؤكد، عيانيا وبالملموس ، أن الإعلان الدستوري ، عمليا ، هو المظلة التي ينعقد تحتها مايسمى مجازا بالحوار .

بمعنى أن الإعلان الدستوري ليس صيغة نظرية مجردة ، ليتسنى نفيها بإستعارة نظرية مماثلة، قولا بمرجعية المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني واتفاق السلم والشراكة وقرارات مجلس ذات الصلة ، بل هي صيغة صادرة عن سلطة أمر واقع ، وضعت يدها فعليا، وبالقوة المادية ، على كل مظاهر ومفاعيل القرار السيادي في البلد ، ونصبت نفسها ، بالقوة والغلبة، سلطة " إنتقالية "بديلة، مشرفة وموجهة للحوار المقول به، حلولا محل السلطة الإنتقالية " التوافقية " الكانت قائمة برئاسة هادي، وإنقلابا عليها.

وهي السلطة نفسها التي وضعت هادي وبحاح تحت الإقامة الجبرية، والتي توجه اليها الإلتماسات بالسماح لهما بحرية الحركة والتنقل، والتي مافتئت تكرس ، واقعا إنقلابيا جديدا ، منقطع الصلة كليا عماقبله ، من خلال القرارات السيادية التي تصدرها، كل يوم، على الرغم من حوار موفنبيك ومرجعياته المزعومة تلك .

بتعبير آخر ، إن القول بمرجعية المبادرة الخليجية وما تلاها وترتب عليها من إجراءات، وصولا الى إتفاق السلم والشراكة ، حال أن السلطة الإنتقالية " التوافقية " الناتجة عن تلك المبادرة هي قيد " الحل " و " الإقامة الجبرية " هو أمر لايعدو كونه مجرد لغو فاقد للحجية والأثر.

والحال كذلك بالنسبة لقول بنعمر بأنه سبق ووصف مايسمى بـ " الإعلان الدستوري " بأنه " إجراء أحادي الجانب " ، إذ هو قول لايقول شيئا، فلايعدو كونه، هو الآخر ، مجرد لعب على " البداهة " يتغرض الإيهام والتغرير والتدليس، حيث يوحي، وعلى الأحرى يوهم، بإدانة ضمنية للإعلان، في حين أنه، في حقيقته، ليس سوى وصف موضوعي، محايد، يطابق الموصوف، ولا يتضمن ، موقفا سلبيا صريحا إزاءه. فما من أحد ينازع في كونه " إجراء أحادي الجانب " بل أن رفضه والإعتراض عليه ، إنما يتأتيان من كونه بالذات " إجراء أحادي الجانب " وإلا لما كان محلا لرفض وإعتراض وإحتجاج.

وبخصوص الإحالة الى قرار مجلس الأمن الأخير ، قولا بأنه " أدان كل الإجراءات الأحادية التي أقدم عليها أنصار الله " فلا معنى له كذلك ، الا من حيث كونه يمثل إمعانا في التدليس والتلبيس. ذلك أن البيان " التوضيحي" نفسه يستطرد قائلا " وحث جميع الأطراف على الانخراط في حوار جامع برعاية الأمم المتحدة بهدف التوصل إلى حل توافقي وفقا للمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ونتائج مؤتمر الحوار الوطني واتفاق السلم والشراكة وملحقه الأمني..." فالحث على حل توافقي ، بمرجعية المبادرة الخليجية...نظريا ، وتحت مظلة الإعلان الدستوري ، عمليا ، ليس له من معنى سوى التأثير على القوى السياسية بغية دفعها الى الإتفاق على حل توافقي " جديد " ، يشرعن هذا الإعلان ، ويطبع الوضع الناجم عنه ، ليتسنى القول من ثم ، كالعادة ،بأن ذلك هو ماتوافق عليه اليمنيون، وإحاطة مجلس الأمن به لمباركته.

وذلك ماتؤكده الفقرة التالية من البيان ، بمانصه حرفيا " وقد فات التنظيم الناصري الانتباه إلى هذا التأكيد الإضافي على مرجعية أي حوار يمني يمني يجرى تحت رعاية الأمم المتحدة " ، فالحوار " اليمني اليمني " هو حوار بين سلطة الأمر الواقع، المتغلبة والمنقلبة، وبين الأطراف الأخرى ، المغلوبة على أمرها ، والمنقلب عليها، بإعتماد ومصادقة الأمم المتحدة، المؤكد على أهمية رعايتها، في البيان، إيهاما ، هنا، بكونها جهة التزام وإلزام ،سيتم التحلل منهما لاحقا ، كما جرت العادة ، قولا بأنها، عبر مبعوثها ، ليست سوى مُيسر لاتملي على اليمنيين قراراتهم. وهو الأمر الذي يحرص بنعمر نفسه على تأكيده ، في السياقات الأخرى، غير السجالية، حد الإملال.

 

دون إتخاذ موقف جدي ، حازم وحاسم ، إزاء الإعلان الدستوري الإنفرادي ، ليس بماهو صيغة نظرية مجردة فحسب ، بل بما هو ، أساسا ، إجراءات سلطوية إنقلابية قائمة ومكرسة على الأرض ، وبما يكفل العودة الى الحالة الحوارية " التوافقية " المعتمدة كآلية تقرير وتنفيذ لمخرجات الحوار ( أيا كان موقفنا منها )، يبقى كل ماورد في بيان بنعمر ذاك، مجرد إحتيالات وتهويمات لُغوية ولَغوية ، هي أقرب الى هراء الشعراء منها الى لغة القانون السياسة.


في السبت 21 فبراير-شباط 2015 01:07:35 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=1839