لنحرص جميعنا على اليمن
د. أحمد قايد الصايدي
د. أحمد قايد الصايدي

في مقال نشر  بتاريخ 30 سبتمبر 2014م، تحت عنوان (الترويع بالخبر والإشاعة)، قلنا:

"لو أن المرء عمد إلى جمع الأخبار الملفقة والإشاعات المبثوثة، التي ازدهر سوقها هذه الأيام، وقام بتحليلها، أولاً بأول، لتبيَّن أموراً كثيرة. فوراء كل تلفيق لخبر وتصدير لإشاعة هدف وقوى مستفيدة. إنها أدوات حرب يُستخدم فيها الذكاء والمكر والخبرة، كوسائل تحل محل الرصاص إذا توقف، وتكمل فعله إذا انطلق". كما قلنا في المقال نفسه: "إن تلفيق الأخبار وتصنيع الإشاعات ونشرها، أمور لن تختفي من حياتنا، فهي تضعف حيناً وتزدهر حيناً آخر. ومع إدراكنا أننا، نحن المواطنيين، ضحاياها وجمهورها، الذي تتوجه إليه، وتسعى للتأثير فيه، تأثيراً يتجاوز في كثير من الأحيان تشكيل القناعات، ليصل إلى حد الترويع، فإننا نقف عاجزين إزاءها، لانملك الوسائل الكفيلة بإيقافها. فلا يبق أمامنا، والحال هذه، إلا أن نتعلم كيفية التعامل معها. بحيث لانسمح لها بأن تروعنا وتشل قدرتنا على التفكير الهادئ".

والسؤال هنا: هل نستطيع فعلاً أن ندرأ عنا تأثير الأخبار الملفقة، لاسيما تلك التي يتقن بثها الإعلام الخارجي؟ أطرح هذا السؤال، لأنني أشعر أحياناً بالعجز عن مقاومتها. فأجد نفسي أكاد أنساق إلى تصديقها. فلكثرة تكرارها وشدة إلحاحها، يشعر المرء بالإعياء، إلى درجة الإستسلام لها. فهل ماتبثه وسائل الإعلام الخارجي ناتج عن قصور في قراءة الواقع اليمني، أم أن لديها قراءتها المسبقة، الجاهزة، التي تعبر عما يُفترض أن يحدث، ومايُرتب لحدوثه؟.

 يتصنع الإعلام الخارجي الغيرة علينا والحرص على بلادنا، وكأنه أكثر غيرة وحرصاً منا على أنفسنا. إلى ماذا يريد أن يوصلنا، بتعبئته المذهبية والمناطقية؟ إنه يتحدث بإسفاف، ودون كلل، عن صراع مذهبي مناطقي في اليمن. وكأنه لايجد موضوعاً أثيراً إلى نفسه سوى هذا الصراع الموهوم. ويتعامى عن حقيقة أن مايحدث لدينا هو صراع سياسي بحت، مهما ارتدى من أقنعة ومهما لبس من أثواب. لكن هذا الإعلام يصر على تحريض مناطقنا المتآلفة ومذاهبنا المتعايشة ومكوناتنا الإجتماعية والسياسية، تحريضها، بعضها على بعض، وإشعال نيران الفتنة، ممهداً بذلك لا لحرب أهلية شاملة فحسب، بل ولتمزيق اليمن سياسياً وجغرافياً، بدءاً بتمزيقه اجتماعياً. فهل هذا هو الحرص، الذي يتصنعه؟ 

 الحملة الإعلامية، كما تدار في الخارج، لن تضر مكوناً سياسياً بعينه، بل ستضر في نهاية المطاف اليمنيين جميعهم، وتدفعهم خارج إطار الحوار المسؤول، فيما بينهم، الهادف إلى ترتيب أوضاعهم، ترتيباً يصون بلدهم ويحمي شعبهم ويؤسس لمستقبلهم، الذي يحلمون به. ولايمكن أن تؤدي هذه الحملة، بنهجها الذي تنتهجه، إلا إلى تهييج العواطف وبث الكراهية وتمزيق نسيجنا الإجتماعي المتماسك، الذي كان تماسكه دائماً موضع اعتزازنا، كما كان مثار إعجاب واندهاش، لدى من زار اليمن وعرف اليمنيين، كما أشرنا في أكثر من مقال، وفي أكثر من كتاب.

وإذا صح أن هذا هو مايرمي إليه الإعلام الخارجي، فهل هو نفسه مايريده الإعلام الداخلي؟ لا أظن ذلك. فاليمني، حتى وإن غضب، أو استُفز، أو ضاق بمن يخالفه الرأي، أو بمن يرى فيه عدواً سياسياً له، لا يمكن أن تنطوي غضبته وضيقه، وحتى تعابيره الحادة، لايمكن أن تنطوي على مثل هذه المرامي، التي نشتمُّها في تعابير وبرامج الإعلام الخارجي. ولكن مع ذلك فإن العبرة في النتائج وليست في النوايا الطيبة.

لا أظن أن الهدف الحقيقي للحملة التي يشنها الإعلام الخارجي هذه الأيام، هو مكون سياسي بعينه. فلو كان الأمر كذلك، لما استدعى كل هذا القلق، الذي نشعر به. إن مايقلقنا ويخيفنا هو ماوراء هذه الحملة من أهداف، نستشفها من الطريقة التي تُشن بها، بما تنطوي عليه من تحريض مناطقي مذهبي، لن يؤذي مكوناً واحداً أو بضع مكونات، بل سيؤذي اليمن كله. 

عندما يخطئ أي مكون من مكوناتنا السياسية، في هذا الأمر أو ذاك، فإن علينا، نحن اليمنيين قبل غيرنا، أن نبين له أوجه الخطأ، كما نراها، وأن نمارس تجاهه النقد المسؤول البناء، الذي لايعبر عن كراهية وعداء، بل يعبر عن رغبة في التصويب، وحرص على التوافق، وإيمان بأن الشراكة الوطنية هي سبيلنا، الذي لاسبيل غيره، إذا أردنا لليمن السلامة ولشعبه الخير. وفي الوقت نفسه، علينا أيضاً، إذا أصاب أي مكون، أن نعترف له بصوابه ونشجعه على التمسك بما أصاب فيه. وفي كلا الحالتين لابد أن نضع اليمن جميعه نصب أعيننا، بعيداً عن تأثيرات الإعلام الخارجي. لأن اليمن وظروفه وأوضاعه والأخطار المحيطة به والمطامع الإقليمية والدولية، المتكالبة عليه، كلها تفرض علينا أن نعيد النظر في تعاملنا، ونحسب خطواتنا وردود أفعالنا حساباً دقيقاً، حفاظاً على بلدنا وحرصاً على وحدة شعبنا، بمكوناته المختلفة. فليحرص بعضنا على بعض، ولنحرص جميعنا على اليمن. فلن يحرص على اليمن أحد، حرصاً صادقاً، إذا لم يحرص عليه أبناؤه.

 
في الإثنين 16 فبراير-شباط 2015 07:02:14 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=1836