ملالا اليمنية مريم بسام
سليمان السقاف
سليمان السقاف

شئ ما دفع إلبرت اينشتاين يوما ليقول كلاما فلسفيا على غير عادته، عندما قدر أن الخطورة الكبرى على هذا العالم ليست بسبب من يرتكبون الجرائم، وإنما بسبب من يسمحون بحدوثها، أما ألفريد نوبل -مخترع البارود- فإنه -بعد فوات الأوان- أعتبر أن ابتكاره هو الأخطر على العالم وعلى استمرار الجنس البشري، لكنه تجرع الندم حتى احتضاره جراء ما صنعته يداه من جرم بحق الإنسانية، وإن كان رصد جوائز عالمية سنوية تحث على السلام آملا بأن يكفر عنه شيئا من خطيئته ...

لكن تحذير اينشتاين لم يغير من سلوك البشر، وجوائز نوبل لم تمنع الجريمة ولم تصنع أبطالا، وأجزم أن الفتاة الباكستانية ملالا يوسف -مثلا- لم تكن تفكر بجائزة نوبل حين كانت تناضل منذ عامها ال11 للدفاع عن حقوق الطفل والمرأة أمام همجية طالبان، بل أنها ربما كانت حينها تمقت نوبل وهي ترى باروده يترصد لها ويحصد أرواح البشر حولها من خلال رصاصات الموت الطالبانية، ولا مجال من الاقرار الجازم أنه ليس إلا انعكاس نور الايمان الساطع على النفوس النقية، واشراقة الأرواح البريئة التي لم تطأها شياطين الكون بعد وتجلياتها المذهلة دون حساب للأعمار والسنين، وبمعزل عن الجوائز التي تأتي لاحقا ...

وبعيدا عن ملالا وطالبان وجائزتها النوبلية، فنحن أمام بطلة جديدة، طالبة شجاعة، وطفلة مقاتلة اسمها مريم، جنسيتها يمنية، وأصولها من عدن التي يقبع فيها جبل حديد، ومريم طفلة من حديد متين أيضا، إنها فارسة من فولاذ صلب كسيوف الفاتحين الأوائل، ويالها من مقاتلة وهي تخوض معركة لا هوادة فيها لاسترداد شرفها المستباح والاقتصاص لطفولتها المنتهكة، دون أن تبالي بمواجهة فاسدي -مدينة الحديدة- أجمعين ...

مريم تبكي مثلها مثل أي طفل في ال13، لكنها تمسح دموعها بكف دون أن تفلت سيفها من الأخرى، وبمفردها تناضل اليوم لاسقاط ثقافة اللاقيم ولأجل نسف قيم اللاثقافة التي تكلست في عقول فارغة وأفسدت آدمية الكثيرين، ومنذ طردها من قاعات التعليم فقد رمت مريم قلمها ليلتقم أقلام أشباه المثقفين وأنصاف الجهلة ممن يحسبون على التربويين، ولتجعل منهم عبرة لمن تسول له نفسه النيل من شرف الفقيرات...

لقد قررت المقاتلة الصغيرة أن تحول ردهات القضاء إلى قاعة محاضرات تتلو فيها دروسا عظيمة لمديرتها ومعلماتها عن الشرف والكرامة وكل ما يجهلنه عنهما، وهن اللائي أوغلن طعنا في شرفها الرفيع، وتقصدن اغتيال براءة سنواتها القليلة، وتوجب عليها أن تلقن آخرين من المتسولين لمودتهن الكثير مما لم يتعلمونه منذ طفولتهم...

على انيشتاين أن يعترف أن هذه الفارسة قد فطنت لما أدركه هو في كهولته، لأن مريم قد قررت فعلا أنها لن تسكت عمن ارتكب هذا الجرم بحقها، مهما بلغت المشاق وأيا كانت الصعاب، وهي الآن هناك تغادر إحدى ردهات القضاء منتصرة بل وبانتصار ساحق، أما ذلك العالم السويدي فليعد جائزته النوبلية لملالا اليمنية مريم بسام دون أن ينبس ببنت شفة..

تحية من الأعماق للقاضي وضاح سلطان امين القرشي الذي أثبت أن القضاء اليمني لازال يتنفس، ولو برئة واحدة، وتحية له بصفته ابن البطل المخفي منذ السبعينات وهو يضيف لرصيد والده البطل انجازا جديدا، لقد كنت انسانا فضيلة القاضي، إنسانا رائعا بحق....

شكرا أستاذ اكرم المسني المحامي أنت وفريقك القانوني، كنتم جنودا للانسانية أيها الرائعين...

شكرا لكل المتضامنين مع البطلة مريم بسام، وتهانينا.....


في الأحد 18 يناير-كانون الثاني 2015 07:26:08 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=1788