مصادرة الاحلام
محمد شمسان
محمد شمسان

تبخرت احلامنا وامالنا وتطلعاتنا التي رافقتنا منذ بداية ما عرف بالربيع العربي  , وذهبت  كل تلك الاماني والتمنيات ادراج الرياح  , فلم نعد نحلم ببناء دولة مدنية حديثة قوية ومتقدمة ومتطورة , بالقدر الذي نحلم فيه بوجود دولة حتى وان كانت بأقل صورها ومعانيها  , لم نعد نحلم بجيش وطني قوي بالقدر الذي نحلم فيه بنزع السلاح من المليشيات  والجماعات المسلحة .

لم نعد نحلم بشوارع واحياء وحدائق ومتنزهات راقية ونظيفة ومٌزينة – بالقدر الذي نتمنى فيه شوارع واحياء ومدن وساحات خالية من السلاح والمسلحين , لم نعد نحلم بمستويات متقدمة من العيش والرفاهية والتطور الاقتصادي - بالقدر الذي نتمنى فيه تحقيق ادنا مستويات الامن والسلامة لأرواحنا واطفالنا ومساكننا , لم نعد نحلم بمجتمع مدني واعي قوي ومتماسك ومترابط بقدر حلمنا بالحفاظ على ما تبقى من نسيجنا ووحدتنا الاجتماعية .

 , لم نعد نحلم بالعيش والتعايش على اسس المحبة والتسامح والاخاء والمشاركة – بالقدر الذي نحلم فيه بالعيش بعيدا عن الفتن الطائفية والازمات السياسية والصراعات المسلحة , لم نعد نحلم بأنهاء الصراع والاقتتال بين اخواننا واحبابنا في الصومال الشقيق بالقدر الذي نسعى فيه جاهدين لأنهاء الصراع والحرب والاقتتال فيما بيننا البين , لم نعد نتطلع الى التغلب على اعدائنا من الخارج وكف شرورهم واخطارهم – بالقدر الذي نتمنى فيه التغلب على انفسنا وشياطيننا وكف شرورنا واذانا ضد بعضنا , لم نعد نحلم بوطن يتصدر قوائم الدول المصنعة والمنتجة – بالقدر الذي نحلم فيه بوطن لا يصنف ضمن الدول الفاشلة والاكثر فسادا وخرابا ودمار .

 ليس بوسعنا ان نحلم بنظام مدني ديمقراطي او تداول سلمي للسلطة بين الاحزاب , او حرية تعبير او تحرير وسائل الاعلام او اشراك المرأة في صناعة القرار , ولم نعد ننادي بحقوق الانسان او حقوق الاطفال او توسيع المجال امام المنظمات المدنية والحقوقية والدولية , ولم نعد نكترث لشكل النظام الانتخابي او حجم ونوع جداول الناخبين , ولم نعد نهتم لنوع الطاقة التي نحلم باستخدامها مستقبلا كانت شمسية او نووية – كل ذلك الان وفي هذه اللحظات لا يعنينا - كوننا نفتقر للحياة الامنة والمستقرة وبلدنا وعلى وشك الانهار والمجاميع المسلحة هي من تحدد مسارنا وتقرر مصيرنا .

لقد صادرت القيادات العسكرية والسياسية والزعامات الدينية والقبلية - احلامنا وامانينا في هذا البلد منذ عشرات السنين , ولا تزال تحاصرنا بأفكارها ومشاريعها وتقيد حرياتنا وتمتهن حياتنا وكرامتنا - بفرضها الوصاية علينا وعلى حياتنا ووطننا ومستقبلنا - بقوة السلاح او بذريعة الدين , وكل ذلك في سبيل تحقيق مصالحها وتوسيع نفوذها وبسط سيطرتها , فاختزلت الوطن في شخوصها وجيرت الولاء الوطني بالولاء لها ورهنت العبودية لله بالعبودية لها والانصياع لأوامرها والالتزام بتوجيهاتها , و تقاسمت السلطة والثروة والبشر والشجر والحجر والبر والبحر والجو فيما بينها , وهكذا يستمر العبث بنا وبوطننا ومستقبلنا من قبل هؤلاء دون ان تأخذهم بنا شفقة ولا رحمة , ودون ان يتركوا لنا حتى ولو فسحة قليلة من الامل بأن نكون بشر كسائر البشر .

لذلك نحن بحاجة ماسة الان الى وطن يحتضننا ويأوينا خالي من كل هذا الضجيج ومن كل هذه التشوهات والصور المقرفة والمزيفة , ما نحتاجه الان هو استعادة وعينا المفقود والانتصار لقيمنا واخلاقنا التي فرطنا بها , ما نحتاجه الان هو التوقف عن التفكر لعل في ذلك سبيل عودة انسانيتنا ورشدنا وحكمتنا وصحوة ضمائرنا , ما نحتاجه الان هو ان نكون نحن كما ارادنا الله بشر مكرمين - لا كما ارادوا هم عبيدا مٌحقرين .

  
في الأحد 28 سبتمبر-أيلول 2014 08:44:09 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=1690