عن رمزية الثورة...سبتمبر التي تكرّست، فبراير التي انتكست
آدم الحسامي
آدم الحسامي

حتى رمزية سبتمبر لاقت تهدياً وجودياًَ أشد من التهديد الذي يحدث الآن منذ اجتياح العاصمة صنعاء في هذا الـ سبتمبر الغريب، تهديداً كاد يقوضها لولا أن تداركتها حركة أو ثورة صغرى ولدت من رحم الكبرى أنهت أحلام قوى كادت تطفئ جذوة سبتمبر دون أن تعلن انطفائه.  هل كان ذلك التهديد حصار السبعين؟ لم يكن ذلك الحصار هو المهدد الأكبر في تاريخ المسار السبتمبري فما كان؟

إذا تذكرنا الفترة التي أعقبت انقلاب 5 نوفبر سنجد من أهم سمات تلك الفترة التوافقية التنكر للثورة ومحاولة تكريس فكرة أهمية الخيارات الإصلاحية مقابل تبكيت النزعة الثورية من قبل شركاء السلطة التوافقية آنذاك معتبرين النزعة الثورية من قبيل التطرف _ذلك كان المهدد الأكبر لرمزية سبتمبر المجيد_ ومن ثم بدأت مهادنة مكونات النظام البائد ومغازلته.. كان هذا التجريف لرمزية الثورة مهددا لجوهر الجمهورية الوليدة، وإذ تخاذلت جل المكونات السياسية إلا أن نخبة مثقفي اليمن الطليعيين الرواد تمسكوا بحلمهم السبتمبري وحتى في أشد تناولاتهم الناقدة للثوار وللمسار الثوري نراهم لا يكفرون بالثورة محاولين قدر استطاعتهم عدم الانتقاص من رمزية أيلول كالمقالح الذي يعزّي النكسة الثورية إلى الجيل الثاني من الثوار في رثائه للزبيري كأهم الرموز السبتمبرية من الجيل الأول: أشكو إليك لمن أشكو وقد غربت *** نجومُ (أيلولَ) والجيلُ المغاويرُ؟" . وهذا البردوني يعتبر نوفمبر موتا لصنعاء السبتمبرية لا لسبتمبر : ولدت صنعاء بسبتمبر/كي تلقى الموت بنوفمبر" والبردوني إذ يقسو يبشر بمخاض آخر ففي القصيدة نفسها يستدرك: مادامت هجعتها حبلى/ فولادتها لن تتأخر" هذه الأبيات اقتبستها من أصعب الفترات التي هُدد فيها سبتمبر ونلاحظ أن ملامح الانحدار الثوري لم يثنِ أدباء الثورة وفنانيها عن الارتقاء إلى منجز خاص بهم في ظل الإفلاس السياسي في الفترة النوفبرية تجلى ذلك الارتقاء باتحاد الأدباء كأول مؤسسة يمنية موحدة ثم الإصدارات الأدبية التي انبثقت من الاتحاد..على أن أبلغ دليل على استماتة المثقف السبتمبري في دفاع عن حلمه تمثل في غناء الفنان الكبير علي بن علي الآنسي في المواقع التي تمركزت فيها طلائع الدفاع عن صنعاء في حصار السبعين..ما أقصده أن الكفر بسبتمبر اقتصر على النخبة الحاكمة التوافقية، في ظل استماتة النخبة الثورية المثقفة غير يائسة من مجريات الأحداث المحبطة ناظرة إلى البعيد المنبئ بزوال التوافقيين الفاسدين المتناقضين عند أول هزة وقد كانت.أي أتت ثورة 13 يونيو أو حركة التصحيح التي أعادت لسبتمبر حيويته، وبالرغم من أن الكثيرين نادوا لاعتبار يونيو ثورة إلا أن رمزية سبتمبر كما كرستها أدبياتها أثنت كل من أراد تجاوز تلك الأيقونة الخالدة في التاريخ اليمني، تلك المرجعية الجامعة لأحلام اليمنيين الذي عانوا الموات _قبل سبتمبر_ خارج الحياة في العصر الحديث.

في مقابل ثورة سبتمبر التي ولدت وعاشت طفولتها في عهد السلال فمرضها وانتكاستها في عهد الانقلاب النوفمبري ثم ربيعها وشبابها بعد حركة التصحيح...في مقابل ذلك لا بد من الالتفات إلى ثورتنا الوليدة 11 فبراير كي لا تكون تناولتنا هنا مجرد غوص في التاريخ اجتراراً لا للاستفادة واستلهام ما يصلح من التاريخ وهو قليل إن جددنا في المسار.

مقابل تكريس الأدبيات التي أنتجها سبتمبر/ مثقفوه، أدباؤه وفنانوه فكراً وشعراً وأغنية مقابل تكريس رمزية تلك الثورة بتلك الأدوات المهمة نرى 11 فبراير مازالت جنينية حتى على مستوى الأدبيات التي حاول إنتاجها الجيل الناشئ الذي أيقظ الثورة. هل الفارق في الكفاءة الفنية والفكرية للجيل السبتمبري مقابل هذا الجيل؟! لِم لا فسبتمبر شهد ثوارت أخرى وتحولات شاسعة على مستوى القصيدة والقصة والأغنية في اليمن، كان التجديد في الفنون والآداب متماهيا مع التجديد في الحياة السياسية والوطنية، الزبيري كان إحيائيا أصيلاً على طريقة شوقي وحافظ ثم المقالح ولطفي جعفر أمان ومحمد سعيد جرادة كانوا تمثيلاً لثورة المدرستين الرومانسية والواقعية في الشعر العربي. هل هناك ثورة شعرية في ربيع العقد الثاني من الألفية؟!. على مستوى الأغنية نرى بجلاء أن أهم رموز الأغنية اليمنية ولدوا فنيا في ستينيات القرن الفائت. هل من أغنية يمنية هل من أسماء كبيرة في سماء الفن الخالية في ربيع العقد الثاني من الألفية؟! لا أبالغ إن قلت بأن لا إجابة!

ألا تجلي هذه التقابلة الخاطفة بين المشهدين الثقافيين لما بعد ثورتين يمنيتين ألا تجلّي سبب انتكاسة رمزية 11 فبراير متمثلة بغياب هذا اليوم كمعطى سياسي كما بتنكر الكثير من شركاء ساحة الثورة لهذا اليوم الخالد...إلخ قد يقول قارئ حصيف إن تكريس سبتمبر لم يكن سببه الوحيد أدبياته الثقافية فالسلطة التي حكمت فور قيام الثورة كانت متكئة على الشرعية الثورية، وسائلها الإعلامية مسؤولو حكومة الثورة كلهم يتبنون خطاب الثورة مقابل سلطة توافقية أعقبت ثورتنا المنتكسة لم تعترف صراحة بـ 11 فبراير بل إن الأحزاب المحسوبة على الثورة تقاسمت الحكومة مع مكونات النظام الذي ثرنا عليه بل تشابه نصفا الحكومة بالفساد والإفساد. ومن ثم فلا ميدان أو شارع تسمى باسم 11 فبراير ولا صحيفة ولا قاعة ولا مدرسة ولا اعتبر يوما وطنيا بالرغم من أنه كان سبب صعود الذين حكموا إلى السلطة. ثم إن الانتكاسة التي يتحملها شباب الثورة تحديداً قبول ممثليهم في مؤتمر الحوار بحذف 11 فبراير من مخرجات الحوار من أدبيات السلطة الانتقالية وحتى من الدولة المرتقبة. أليس هذا السبب الحقيقي بدلا من التعويل على المثقفين ونتاجهم؟! كأنه ذلك بيد أن دور السياسيين لا يمكن أن ينوب عن دور المثقفين ولا العكس. بيد أني مهتم بدور المثقفين في سياق أي خطاب مكرس لنقد المشهد الثقافي.. كما للمشهد السياسي نقده. ثم إني استدعي كفاءة المثقف السبتمبري استفزازا للفبرايريين المنتكسين!.


في الأحد 28 سبتمبر-أيلول 2014 08:01:06 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=1689