أميرة أنور عكاشة تجترّ «سرايا عابدين»
آدم الحسامي
آدم الحسامي

لدي ولع كبير بأغاني تترات المسلسلات، أتشارك هذا الولع مع قلة من الأصدقاء، نتبادل روابط اليوتيوب لتلك الأغاني القديمة! في الوقت الذي يتسمر فيه المشاهدون أمام سيل من المسلسلات العربية في هذا الموسم الرمضاني، ثم إني لاحظت أن قائمة مفضلاتي _معظمها_ هي أغاني مسلسلات الكاتب الروائي والدرامي العبقري أسامة أنور عكاشة والذي لا ينكر كل قارئ! لتاريخ الدراما المصرية أثر هذا المؤلف السيناريست الشهير في نقل فن الدراما التفزيونية (العربية) إلى آفاق إبداعية فارقة وَسَمت أربعة عقود من الدراما المصرية بالسمات التي وضع خطوطها وملامحها في مسلسلاته الاجتماعية التاريخية جاعلاً من هذا الفن المعادلَ البصري لأدب الرواية المكتوبة بكل إمكاناتها القادرة على اختزال الفضاءات التاريخية والمكانية والاجتماعية والنفسية في عمل أدبي يضمن المتعة والشروط الجمالية بالإضافة إلى اصطباغ تلك الفضاءات بالخلفيات الناتجة عن التأثيرات السياسية للمرحلة المتناولَة..أي نعم فعل كل ذلك العبقري الذي وصفه النقاد بمؤسس الأدب التلفزيوني.

ومن الأغاني التي استرجعتها مؤخراً تتر مسلسل « أميرة في عابدين» ذلك المسلسل الذي يعد من كلاسيكيات الدراما المصرية بالرغم من إنتاجه المتأخر (2002) إذ يتناول تاريخنا المعاصر والذي حُدّدت بدايته من قبل عكاشة_متميزاً عن تناولات المؤرخين_ بسنة نصر أكتوبر 1973م السنة التي يستشهد فيها زوج (أميرة) بطلة المسلسل _أدت دوره النجمة القديرة سميرة أحمد_ لتنتقل مصر أقصد أميرة إلى حقبة أخرى نقلتها إلى العيش في حي الزمالك مع زوجها الثاني "عبدالمنصف" ،والذي أدى دوره يوسف شعبان، التاجر الذي كان صديقاً لزوج امير مع الاختلاف الكبير بين نهجيهما...وبعد عقود من الاستقرار(الموهوم) في ذلك الحي تكتشف أميرة حقيقة زوجها بعد تهريب أمواله إلى إحدى دول الخليج ثم هروبه بعد أمواله مصطحباً ابنهما جمال.. لكن جمال يعود إلى أمه والتي عادت بدورها إلى حي عابدين التاريخي ذلك الحي الذي كان رمزاً للملكية ثم حولته معجزة يوليو إلى رمز للثورة..

وبهذا التلخيص الخاطف أعتقد أن القارئ قد تبينت له الرموز التاريخية التي أراد عكاشة تسريبها بسلاسة في مسلسل يعج بالقضايا الاجتماعية المعاصرة إذ أن الحيين المتقابلين في المسلسل _الزمالك وعابدين_ وزوجي أميرة يرسمون الإطار الرمزي للمسلسل الذي يقارن بين المرحلة الناصرية التي لم تنته بموت ناصر وإنما بالنصر الإكتوبري الموضعي أقصد تحوله إلى هزيمة بابتعاده عن ثمار النصر إلى العصر والنهج الساداتي الممتد كما أراه إلى أيامنا هذه.

ولأن أميرة هي مصر/الإنسان، وعابدين مصر/المكان فقد تعمد كاتب أغنية التتر الشاعر الكبير سيد حجاب إلى تكرار اسم البطلة أميرة في ثنايا الأغنية كحالة نادرة في أغنيات حجاب.. وكأن الوهم الفني الصادق المتمثل بالرمزية المواربة أدى إلى تحويل المركزية الروحية لمصر في الأغنية إلى رمزية قومية _بالنسبة لي_ بتحويلي مفردة المناجاة الشعبية (طاهرة) "شيلَّه ياطاهرة يا رئيسة الديوان" للسيدة نفيسة كرمزية لمكانة المرأة في مصر، إلى مفردة (قاهرة) وهي المركزية الفاعلة في مصر والمتضمنة كل المركزيات بتناغم عجيب قل أن تستطيعه عاصمة في العالم!

ما علاقة « أميرة في عابدين» المنتمي إلى الحقبة الذهبية للدراما المصرية برمزيته وفكرته.. بمسلسل «سرايا عابدين» الذي يعرض في هذا الموسم الرمضاني كأضخم إنتاج في الدراما العربية بلغ 20 مليون دولار حشدت هذه الملايين مئات الممثلين وصنعت أجواءً باذخة يعيش فيها المشاهد عياناً في قصور وسرايا الحقبة الملكية تحديداً في عهد الخديوي إسماعيل في القرن التاسع عشر تركيزاً على أحداث خاصة جداً تتمحور حول جواري الخديوي اسماعيل وقصره, والصراعات التي كانت تدور داخل القصر بين الجواري والحريم لنول رضا السلطان!.. ما علاقة هذا المسلسل المتأثر بالدراما التركية السطحية (حريم السلطان كأبرز نموذج) الهادفة إلى توفير الإبهار البصري واللذة الناتجة من التلصص على الفضائحيات الخاصة بحكام ألف ليلة وليلة بعد أن مللنا من الفضائحيات الحديثة المقرفة! ما علاقة هذا المنتج الخليجي ( MBC ) بـ عابدين عكاشة التي حفرت عميقاً في الوجدان الفني إلى يكن في وجدان الكثيرين ممن شاهدوا تلك الحارة في ذلك المسلسل.. عابدين الحارة الرابطة بين الماضي والحاضر والمستقبل؟!

هل لأن هذا المسلسل يأتي كامتداد لتوجه مدروس بدأ بمسلسل الملك فاروق؟! إذ يتسم هذا الاتجاه المُحدث بتقديم سرد تاريخي مجرد من أية زاوية رؤيوية إبداعية وهي الشرط الفني المتأصل للرواية الأدبية وللرواية التلفزيونية العكاشية والتي كنا نأمل أن تجد امتداداً لعبقريتها الأصيلة بدلاً من الانجرار إلى نماذج تجارية باهتة مستوردة من حواري وقصور لا علاقة لها بعابدين ولا حتى بجاردن سيتي!..ما العلاقة؟! تقصدون ما المفارقة؟! إنها أميرة.. التي تاهت عن حي عابدين.

ها إني أعود إلى سماع أغنية تتر « أميرة في عابدين» مصرّاً على مناجاة القاهرة بدلاً من الطاهرة نفيسة بنت الحسن!:

مين اللي قال مكتوب علينا الهوان؟!

لا الدنيا سرك ولا الزمن بهلوان

شيـ للّه يا (قاهْرة) يا رئيسة الديوان

آن الأوان نبقى إحنا آن الأوان

هل تسمعين العرب الذين ينادونك يا رئيسة الديوان العربي المثخن يا قاهرة المعز!، أما آن الأوان أن نكون نحن في ترجيديا الواقع أو حتى في دراما التلفزيون؟!


في الأربعاء 23 يوليو-تموز 2014 02:07:56 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=1636