غزة والمقاومة: ميزان الحق
د. مخلص الصيادي
د. مخلص الصيادي

من حق غزة أن ننحني أمامها إجلالا وتقديرا، ومن حق غزة أن نفخر بها عنوانا لعزة عربية، شحت في هذا الزمن، ومن حق غزة أن نلوذ بها لنتعرف إلى الموقف الصحيح ، ولنمتلك الرؤية الصحيحة.

وغزة التي نعني ليست الجغرافيا، على أهمية هذه الجغرافيا.

وليست التاريخ وقد صنعت لنا صفحات مضيئة فيه.

وإنما غزة التي نعني غزة الناس، الشعب ، وغزة المقاومة.

غزة الشهداء، وأسر الشهداء.

غزة الأنفاق، والصواريخ.

غزة الكتائب المجاهدة، وطواقم الاسعاف والمستشفيات.

وفي غزة توحد الطرفان: الشعب والمقاومة في فعل الجهاد، فأصبحا عنوانا واحدا، دلالتهما واحدة، والموقف منهما واحد، ومصيرهما واحد.

من هو مع شعب غزة، مع الشعب الفلسطيني في غزة، فيجب أن يكون مع المقاومة، فليس هناك موقف وسط بينهما، إذ المقاومة كانت وما تزال وستبقى ضمير الشعب وعنوانه، ومن أراد أن يعتز بهذا الضمير، فالطريق إلى ذلك الاعتزاز بهذه المقاومة، لاطريق آخر.

الوطنية هنا عنوانها، ومحكها، وصدقتها، والقومية هنا معيارها وتجلياتها، والاسلامية في غزة تسطع معانيها، وتظهر حقيقتها.

خارج غزة، أو بعيدا عن غزة، أو مناقضا لغزة: الشعب والمقاومة، لا توجد وطنية ولا توجد قومية ، ولا توجد اسلامية.

من كان يؤمن بهذه الأمة العربية وشعوبها، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فميزان هذا الايمان هنا العمل لأجل غزة، ومع غزة، وفي اتجاه ما تطالب به غزة، ويوصلها لهدفها.

من سابق قال جمال عبد الناصر: إن المقاومة الفلسطينية وجدت لتبقى ولسوف تبقى حتى تعيد تأسيس وطنها الفلسطيني ، وحتى يمارس هذا الوطن دوره في النضال الشامل لأمته العربية "

واليوم كما في ايام سابقة تثبت هذه المقاومة أنها وجدت لتبقى.

المسألة هنا ليست حماس، وليست الجهاد، وليست الجبهة الشعبية أو مجاهدي فتح أو هذه المنظمة أو تلك، المسألة هنا هي المقاومة، هي العمل الجاد العسكري وغير العسكري ضد العدو الصهيوني، هي ثقافة المقاومة التي تستند إلى إرادة الشعب وتجسد هذه الإرادة.

ومن هذه الزاوية، فإن وعاء المقاومة هي هذه المنظمات، هي حماس والجهاد والتنظيمات والجبهات المختلفة التسميات.

كل هذه التكوينات هي التشخيص أو التجسيد الراهن للمقاومة، والموقف منها هو الموقف من المقاومة.

ولكلٍ من هذه التنظيمات وزنها في تجسيد فكرة ووجود المقاومة بمثل ما لها من وزن في فعل المقاومة نفسه، لذلك من حق حماس والجهاد أن يتصدرا مشهد المقاومة، ويتصدر معهما ومن خلالهما الشعب الفلسطيني عموما، وشعب غزة على وجه الخصوص.

ما من أحد يطالب أن نكون متوافقين مع كل المواقف لكل هذه التنظيمات المجاهدة، إذ هي نفسها غير متوافقة في مواقفها العقدية والسياسية والتنظيمية، لكن توافقها الأساسي متحقق في مقاومة العدو، وفي رفض الاستسلام، وفي العض على راية الجهاد بالنواجذ، تطلعا إلى النصر الحقيقي الذي لن يستكمل بنيانه إلا في راية التحرير ترتفع فوق الأقصى.

ليس تأييد حماس هو تأييد للإخوان المسلمين، ومن يوهم نفسه بذلك، فإنه يريد أن يغطي عوار موقفه بغطاء هش لا قيمة له، ما من شيء يمنع أن تكون ضد تنظيم الاخوان المسلمين، وسياساته في هذا البلد أو ذاك، وأن تكون مع المقاومة الفلسطينية ومع حماس قلبا وقالبا، فتجاه "الاخوان المسلمون" أنت أمام سياسات وتكتيكات ومواقف وأفكار وتاريخ من حق أي منا أن يكون ضدها دون حدود ودون حرج.

أم أمام حماس والجهاد وأضرابهما، فأنت أمام الشعب الفلسطيني، وأمام المقاومة، وأمام قضية الأمة الرئيسية، وأمام ضمير هذه الأمة.

إن فلسطين العظيمة قادرة على أن ترفع كل من ينتسب إليها، ويعمل من أجلها، ويواجه عدوها، ويحفظ شرفها، ويرفض تسليمها إلى أي جهة، مهما كانت قساوة الظروف ومهما كان الثمن مرتفعا، أن ترفعه إلى عليين.

وفلسطين العظيمة قادرة أن تسقط في هوان الذل والعار كل من يقف في الجانب الآخر مهما كان انتماؤه العقدي أو الفكري أو السياسي، أو الاقليمي.

ونسترجع هنا في هذه اللحظات وفي هذا الموقع قول العز بن عبد السلام:

"أيها الناس من رآني على الجانب الآخر والقرآن فوق راسي فليرمني بسهمه".

لن نتحدث هنا عن انجازات المقاومة في التصدي للعدوان الراهن على غزة، فأي حديث لا يستطيع أن يوفي هؤلاء المجاهدين حقهم، وأن يصف على وجه الحقيقة إنجازاتهم، أو يرسم كما الحقيقة صمود هذا الشعب وقدرته على التحمل.

ولن نتحدث عن مظاهر الذل والعار الذي بدا عليه النظام العربي في مواجهة هذا العدوان، ويتحمل كل طرف من هذا النظام نصيبه من ذلك بقدر قربه، وتأثيره، ومسؤوليته، تجاه هذه المقاومة وهذا الشعب، فكل حديث وكل قول عاجز عن اكتشاف الألفاظ والصفات التي يستأهلها هذا النظام.

لكن نحن هنا نقدم المعيار الذي يستطيع كل أحد أن يستخدمه ويقيس به، ويتعرف من خلاله على موقعه الحقيقي : موقعه من دينه، ووطنه، وأمته، وإنسانيته.

ميزان واحد يتحدد من خلاله أين يقف كل منا، إذ ليس هناك في مثل هذا الصراع منطقة وسطى، ليس هناك حياد، ليس هناك إلا حق واحد فكن معه، أو كن خارجه، وغزة وشعبها ومقاومتها ومعركتها هي الحق وهي المقياس .

الشارقة 21 / 7 / 2014

 
في الثلاثاء 22 يوليو-تموز 2014 12:14:03 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=1632