الواعظ ك كائن حَرْفي
أيمن نبيل
أيمن نبيل

واعظ المسجد هو في اصطلاحنا كائن "حَرْفي" .. وهو لهذا يمتاز بالإلتزام المُجهد لكل "نافل بسيط " , عاشق للتفاصيل وغارق في "الحشو " في هيئة "المأثور" , تكمن كارثيّة هذا التفكير حين يسوّق في الحيّز العام .. ولسوء الحظ فإن هذا الكائن الحَرْفي يتحرك في صميم هذا الحيّز : في مكان اداء الممارسة الدينية اجتماعياً , وفي الخطاب الديني الموجّه لـ"الناس" .. ما يحدث هنا هو ان طريقة التفكير هذه تنقل وتوظف في تفسير ونقاش الشأن العام .. واهم مظاهره غياب الرؤية المقصدية في الخطاب الديني.

من هنا مثلاً نفهم كيف يناقش هؤلاء الوعّاظ بحماس وانهماك مسألة " جواز لعن مقاتلي القاعدة " .. الكائن الحَرْفي هذا يجعل من قيمة "الحياة" -بنقاشه هذا - قيمةً "فيها نظر" والمفترض والطبيعي ان تكون قيمة مطلقة .. الكائن الحرفي يرى "القيمة" الاخلاقية نسبيّة , وهذا يعني انه باختصار يضربها في مقتل.

ما تجدر الاشارة اليه انه في ظل غياب مأسسة الدولة للخطاب الديني , وتسييرها لظاهرة الدين بالتوجيه العام , وفي ظل كون بلد "منفي" جغرافياً كما هو الحال في اليمن , فإن واعظ المسجد هو من يشكّل تسلسل القيم الجَمعي , ولهذا فإننا نجد -بصورة مثيرة للقلق- ان كثيراً من المواطنين في اليمن يتناولون الشأن العام ككائنات حرفيّة : نفس الممارسة العقليّة .. تجد المواطن -والذي قد يكون مهندساً او طبيباً- منهمكاً في مناقشة التفصيل قاتلاً بهذا القيمة .... ما نريد ان نقوله باختصار ان تسلسل القيم الجمعي في اليمن قد تشوّه بصورة ملفتة : لم تعد قيمة "الحياة" في قمة السلم القيمي .. اصبح القتل "عادياً" .. ولغياب فكرة الدولة , اصبح الكائن الحرفي الديني هو الأساس في تكوين النسق الاخلاقي والتسلسل القيمي للمجتمع.

الاهم من هذا .. هو ان الكائن الحَرفي موجود عند "التقدميين" بذات الممارسة العقلية الضعيفة والغارقة في المأثور "التقدمي هذه المرة" ويمارس ذات الجرم الاخلاقي: تصيير القيمة نسبيّة والتفصيل مُطلقاً .. ولكننا خصصنا واعظ المسجد بالحديث -وبالمناسبة لا نعني به فقط من يخطب في المساجد , بل نعتقد بان من يدعون "العلماء الكبار" في اليمن هم وعاظ مساجد لا اكثر - لانّه أثر في المجتمع تأثيراً عميقاً باكثر مما يتصور البعض .. اما الكائن الحرفي التقدمي فهو بائس وكسول , ولا يؤثر الا في نطاقه الذي ينتمي اليه وليس تأثيره شاملاً للحيّز العام كما هو الحال مع واعظ المسجد.

 
في الإثنين 14 يوليو-تموز 2014 01:24:00 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=1624