عن "الغيرة" في الفضاء العام!
أيمن نبيل
أيمن نبيل

الغيرة عموماً شعور انساني مفهوم , ولا يقتصر على حقل حياتي واحد فالغيرة تتواجد حيثما وجد الانسان في الحيز الخاص والحيز العام .. ومدار النقاش حول الغيرة لا يكون في وجودها ذاته , فهذا نقاش عقيم في راينا , وانما يكون النقاش في تحديد ونقد ما يترتب عليها فقط , اي نقاش انواع السلوك الانساني المدفوع بالغيرة .. وفي ما يخص الفضاء العام ينبغي الى جانب ذلك نقاش شروط تواجدها وكيف توظف.

الفضاء العام كما قلنا فضاء انساني في النهاية , ولهذا فإن المرء بالتأكيد يجد الغيرة شائعة بين مكوناته .. ولكن الاهم هنا وجود "مشترك" يجعل القول بالغيرة معقولاً .. نتذكر اننا قرانا منشوراً لاحد المثقفين اليمنيين المرموقين ينتقد فيه شخصية عامة , فاذا باحدهم يعلق على المنشور بقوله لصاحب المنشور "دع عنك الغيرة " !! .. هنا لا يمكن فهم وجود الغيرة لغياب "المشترك" : فكيف يغار مثقف او كاتب من سياسي او رجل دين؟! اين هو تقاطع الحقول الذي يخلق مشتركاً يجعل الغيرة معقولة؟! .. الغيرة في الفضاء العام تكون موجودة بين سياسي وسياسي , مفكر ومفكر اخر , ناشط حقوقي وناشط مثله , اكاديمي واخر تفوق عليه او منافس له ... اما القول بالغيرة بدون وجود تقاطع في الاهتمام والنشاط فلا معنى له , والطريف ان "شيعة" المنقود غالباً ما يلجأون الى تفسير النقد بغيرة وحسد الناقد له .. يذهبون كل مذهب نفسي في تفسير النقد الا ان يكون نقداً طبيعياً لشخصية عامة! .. ثم ان هناك جانباً آخر يستحق الالتفات : اذا افترضنا ان هناك غيرة فعلاً دفعت الناقد لتوجيه نقده , فما هو الرابط بين دافع النقد وتقييم النقد ذاته؟ .. هذا الربط بين الدافع والتقييم غير ذي معنى عقلياً , ولكنه نفسياً ذو معنى كبير: محاربة اي كلمة نقد بالتقليل من شانها عبر تصغير دافعها , وهنا يعتقد القائل بالغيرة بانه قد دفع النقد عن المنقود وقلل من شأن الناقد .. وهذا كما هو واضح محض هراء .... التعامل الصحيح مع النقد يكون بتقييمه .. اما "تفسيره" فهو بحث آخر , وهو غالباً بحث غير مفيد.

اخيرا نناقش الغيرة في الفضاء العام عند تقاطع الحقول والنشاط , وهنا نجد ظاهرة مهمة : وهي ان عظمة النفوس تظهر في السلوك المترتب على الغيرة هنا .. فتكون دافعاً لنقد الذات وتحسين المشروع وتطوير الفكرة واحترام الطرف الآخر .. وفي حالات نادرة تكون بتشجيع الطرف الآخر! , هنا تكون الغيرة في ارقى تجلياتها .. اما اذا لم يحدث هذا , ودفعت الغيرة المثقف او السياسي الى اهمال الاخر او التقليل من شأنه فهذا لا يعني انه شخص سيء , ولكن هذا يعني انه شخص "عادي" لم يصل بعد الى درجات الرقي العالية في الشعور والسلوك.

 
في الثلاثاء 08 يوليو-تموز 2014 12:27:19 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=1621