الفكرة القوميّة في اللحظة الراهنة
أيمن نبيل
أيمن نبيل

تشكّل الثورات العربية في 2011 مفصلا مهما في السياق التاريخي العربي المعاصر, ولاهميتها هذه, فإنها تمثل تمفصلاً في العمل السياسي والأنساق الفكرية التي تنظر في الحيز العام في حال فهمت القوى السياسية/الفكرية هذه اللحظة التاريخية كفرصة مهمة للاقتراب من الواقع والمجتمع ونقد الذات على اساس من هذا الاقتراب.

بتخصيص اكثر, نعتقد بأن اللحظة الراهنة "مَكْنَز" للقوى القوميّة تحديداً لما فيها من تأكيد جلي على فكرتها المركزية وكذلك لما تفتحه من ابواب للنقد الذي يتوجب اخذه بعين الاعتبار اذا ارادت القوى القومية الإستمرار في الفضاء العام بقوة وليس بدور هامشي.

فمن ناحية اولى, لا تخطئ البعد القومي الواضح في ثورات 2011 الا عين مكابر, وهذا التأكيد التاريخي كان مهماً بالمناسبة, لانه يأتي بعد تاثيرات الواقع العربي المحبط منذ مطلع التسعينات, وتفشي نزعات القَطْرَنَة -اي اعتبار البلد قطر مستقل له هويته "القومية"!- في الفضاء العربي على الفكرة القومية او حتى "وجود" امة عربيّة.

من ناحية ثانية, وهذه هي الأهم, فإن اللحظة الراهنة مشحونة بإمكانيات النقد التي توفرها لاصحاب الوعي النقدي الذاتي, ونقد القوى القومية في هذه الحالة سيكون بالضرورة بنيوياً.

الثورات العربية الاخيرة اظهرت ان الامة العربيّة ليست "جماهيراً" -والجماهير مفهوم بنيوي في الفكر القومي العربي منذ الستينات- بل امّة مواطنين, واستيعاب هذه الفكرة ليس بالامر السهل بالمناسبة, لان تنظير القوى القومية وممارستها السياسية كانت تستبطن على الدوام هذا التصور عن الأمة العربية: انها مجموعة جماهير.

إستيعاب هذه الفكرة من قبل القوى القومية يعني اولاً انتاج تنظير يربط الفكرة القوميّة بالمواطنة.. وهذا يعني بالضرورة التخلي عن الشعاراتيّة والحديث المكرور عن "الامة العربيّة" كلازمة إنشائيّة, بالاضافة الى تمييز الحيز العربي والحيز القُطري في الممارسة السياسية, على القوى القومية ان تخاطب المواطن بصفته هذه وليس باي صفة اخرى, خصوصا وان المجتمعات العربية مليئة بالاقليات الاثنية, وعليه فإن ربط الفكرة القومية بالمواطنة يعني تجاوز الاشكال الذي رافق الفكر القومي من بدايته وهو مكان الاقليات الاثنية في "عالمه".

بالاضافة الى هذا, فإن النظر الى الامة العربية كأمة مواطنين, يعني بضرورة دَمَقْرَطة الفكرة القومية, والتي ارتبطت تاريخياً بشخصيات ديكتاتورية, وهذا على العموم لا يعيبها فهي بالنهاية انتاج انساني يعرف الزمن والسياق, ولكن الاهم الان هو تجاوز هذا الاشكال من خلال استبطان الديمقراطية وجعلها مفهوماً بنيوياً في التنظير والممارسة السياسية المتعينة.

القوى القوميّة مرشحة لان تكون قوة سياسية كاسحة في الوطن العربي في عهد مابعد الثورة, ولكنها لن تكون كذلك الا بعمليات النقد الذاتي البنيوي, وانتاج تنظير ديمقراطي مواطني قومي وممارسة تستبطن مبادئ هذا التنظير.


في الأحد 15 يونيو-حزيران 2014 10:31:28 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=1607