عن "الشماتة" في الحيّز العام
أيمن نبيل
أيمن نبيل

يعرف الفضاء العام والسلوك الجمعي بعض المظاهر السايكولوجيّة الخاصة بالفرد, لان الفضاء العام في النهاية حيّز انساني, وبالتالي فإن بروز هذه الظاهرة البنيويّة طبيعي ومفهوم .

من هذه السلوكيّات السايكولوجيّة التي اصبحت سمة العمل السياسي في المراحل الانتقالية لدول الربيع العربي فكرة "الشماتة" .. الشماتة هي التوصيف الدقيق لسلوك القوى السياسيّة في كل من مصر واليمن في المرحلة الانتقالية التي يعيشها البلدان, وبفهم ونقد هذا السلوك بالامكان تأسيس فهم جيّد للوضع الراهن .

الشماتة بصورتها الاشد عموميّة هي إعتداء نفسي لا إنساني , "الشامت" بالضرورة لا يعترف بالانسان في لحظة ممارسته لهذا السلوك, فهو حينها يقوم بعمليات تبخيس للطرف الآخر المُحطّم اصلاً! , ولهذا فإن ممارسة فعل "الشماتة" يدل في راينا على انحراف نفسي وأخلاقي واضح غالباً باستثناء حالات العداء الوجودي .

إذا ما ناقشنا ممارسة هذا السلوك في الحيّز العام لمجتمع معين, فإننا نجد ابتداءً ان الشماتة هي تغليب الخاص على العام , حيث لا تصبح القضية الاساسية (العام) هي الحاضرة, بل تصبح الافكار (الخاصة) عن الطرف الآخر هي القضيّة .. بالاضافة الى هذا, فإن ممارسة فعل الشماتة من طرف سياسي/فكري ضد طرف آخر في المجتمع الواحد يعني انه يرى فيه عدواً وجودياً, وبالتالي فإن الصراع بينهما يكون غالباً صراع هويّات, ولا حل الا بنفي الطرف الآخر وإبادته .

حين حدث انقلاب الجيش على محمد مرسي في يوليو الفائت, لم ينظر خصوم الاخوان لـ"العام " وهو عرقلة التجربة الديمقراطيّة وتحطيم آمال الناس بدولة المواطنين بعد ثورة شعبيّة, ولكنهم عوضاً عن ذلك رأوا في الامر ازاحةً لـ"العدو"! واستباحوا كل شئ لاحداث هذه الازاحة, وحين قتل المتظاهرون في ميدان رابعة, ابتدأت طقوس الشماتة المنحرفة بصورة لافتة للنظر والمستمرة الى اليوم . وحين خسر حمدين صباحي الانتخابات قبل ايّام لم يُنظر للموضوع كتدمير لأمل عودة احلام الثورة بل وعودة ربما لما قبل نظام مبارك!, بل كـ "عدو" تمت ازاحته بصورة مهينة وابتدات حفلات الشماتة من قبل الخصوم/الاعداء .

ان الشماتة بمفهومها الذي اشرنا اليه وهو تغليب الخاص على العام واعتبار الآخر عدواً وجودياً, تدل على الإشكاليّة الاساسية في القوى السياسية العربية: وهي عدم ادراكها لمهمتها المفصلية في المرحلة الانتقالية المتمثلة في التوافق على قواعد اللعبة الديمقراطية لتجنيب البلد انتكاسات العودة الى ما قبل الثورة, وهذا ما فهمته بعض النخبة السياسية التونسيّة فجنبت البلد كثيراً من المشاكل والاعاقات ... اي انّ مهمة القوى السياسية في المرحلة الانتقالية العربية تتمثل في أمر واحد "تغليب العام على الخاص", وهذا هو ضد فكرة "الشماتة" التي تمارسها القوى السياسية العربية وكثير من النخبة المسيّسة وقواعد الاحزاب ... إن دلالات فعل الشماتة في الحيّز العام خطيرة ومهمة, واهمها انها تكثّف لنا اشكاليات الممارسة السياسية والتسيّس الشعبي في الفضاء العام الذي يغدو بفعل الشماتة حيّزاً خاصاً وهويّاتياً !


في الإثنين 02 يونيو-حزيران 2014 11:33:08 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=1583