رحلة الألف عدد.. تبدأ بموقف!!
توفيق الحرازي
توفيق الحرازي

الاحتفاء بعمر صحيفة ملتزمة ليس ترفاً.. بل احتفاء بمهنة متاعب، برحلة تعب لذيذ في بلاط صاحبة جلالة، وبقيمة سلطةٍ رابعة هي لسان حال مجتمع- قبل أن تكون لسان أحزاب!

بصرف النظر عن الانتماءات واختلاف المواقف ووجهات النظر، هو احتفاء بحرية التعبير، بجرأة الرأي والجدل الآخر، بالموقف والكلمة الحرة.. احتفاء بوعي، بمسيرة تنوير صِيغت من ورقٍ وحبر، مسيرة مضنية ربما رافقتها فوضى؛ لكنها أضاءت عقولاً، غيّرت مفاهيم، أيقظت ضمائر، وانتصرت لحقيقة! هكذا نشعر حين نحتفي بصحفنا الجادة.. أما حين تكون بحجم(الوحدوي) فللاحتفاء مذاق آخر- بطعم التحدي!

1000عدد من عمر (الوحدوي) هو 1000تاج يرصّع جبيناً عصياً، وأنفةً لم تنكسر، ويكلل تجربة من نوع خاص لزملاء مهنة، هيئةً ومحررين، اختاروا لأنفسهم مسلكاً وعراً، محفوفاً بالمشاق.. وسلكوا طريقا شائكاً لم يسلموا من وخزاته الموجعة، مضوا فيه حفاةً، رابطي بطون، لا يلوون على شيء، إلا من فتات أجور لا تؤكل عيشاً- اشتروا به حريتهم وراحة بالهم وسقفاً مفتوحاً.. فيما هناك من يتكئ على دعم مريح- يحكم سقفه ووجهته!!

نتحدث هنا عن موقف ثابت، عن إيمان بمبدأ، بغض النظر عن اتفاقك او اختلافك معه.. إذ يستحيل ان تبني مجتمعا حراً دون صحافةٍ حرة.. لكن لا يمكن لصحيفة حرة أن تستمر بلا دعم أو إعلانات، سيما في بلد فقير.. غير أن الدعم في عالمنا الثالث مايزال مشروطا بسقفٍ أو وجهةٍ ما.. وذاك مالم ترضخ له الوحدوي.. كان بإمكانها أن تجلب المال والإعلان أكثر من غيرها، حينها ستتسيد الصحف الحزبية ويعيش محرروها بأيسر حال.. لكنها طيلة مشوارها فضلت الجوع على أن تدفع ضريبة، أصرت على خطها المكابر، خط عنيد؛ جلب لها حساسيات وعداوات، عرّضها للتجويع وعزوف المعلن، وكبّدها ثمنا باهظاً من ضنك محرريها!

أتحدث هنا عن صحيفة وصحفيين لا عن حزب وساسة، وأقول هذا عن معرفةٍ قديمة بصحيفة (الوحدوي) تعود إلى بداية التسعينيات- مابين92 أو93م.. أعني الحقبة الذهبية للوحدة اليمنية والتعددية وحرية الصحافة.. يوم كانت صحافتنا في أوج ازدهارها.. أكثر من خمسين صحيفة تمر مروراً عابراً لكن دون ضجةٍ تُذكر.. قلة منها كانت تلفتك.. (الوحدوي) مثالاً!

كطلاب إعلام؛ كنا نحرص على اقتنائها اسبوعيا.. ربما لانبهارنا بشخصية الزعيمين الخالدين عبدالناصر والحمدي.. صورتاهما اللتان تتصدران ترويسة الصحيفة كانت أكثر مايشدّنا.. لاندري لماذا.. ربما لشعورنا بحسرة جيل لم يعرف زمنيهما.. تربينا على ذكرياتهما- نعم- لكن ليس أصعب من ان تتربّى على ذكريات كرامةٍ لم تعشها كالآباء.. حينها تطحنك الحسرة، فتدفعك إلى التعلق- ولو بصورة!

كنا طلاب سنة أولى وثانية بكلية الإعلام جامعة صنعاء، نتـنـقل من صحيفة لأخرى، ومن حزبٍ لآخر.. زملاء دراسة من كل التوجهات- حزبية ومستقلة.. لا يهمنا البحث عن عمل أو عن أدلجة مُقيِّدة، بل عن تطبيق واحتكاك مباشر بفنون الصحافة وعالم السياسة، مستفيدين من علاقة بعضنا بالصحف.. كنا نزور (الوحدوي) في مقرها القديم- بالخط الدائري- جهة الجامعة.. يومها؛ وقبل ان يصبحا رئيس تحرير ونائب رئيس؛ كان "المدعو" محمود شرف الدين، و"المدعو" عبدالعزيز الصبري- زميلي دراسة- محررَيْن تعيسَين، حبيسَي جدرانٍ مهترئة، يقبعان في غرفةٍ ضيقة، يجتهدان مع إدارتهما وزملائهما في مهمتين نقيضتين: بحث عن اخبار، وبحث عن لقمة عيش!! هاذان وغيرهما؛ من هيئة (الوحدوي) بالتأكيد صحفيون، لكن برتبة مناضلين- (ملتزمون بالتضوُّر)!!

من هنا خرجت أقلام بارزة، وتوالى على إدارتها أساتذة محترفون، وتَخرَّج زملاء وزميلات دفعة.. بعضهم لم يحتمل بؤسها، فاختار الانعتاق من الوحدوي- الصحيفة والحزب- ليرفس اُمّ الفقر.. فيما البعض الآخر ظل مرابطاً في خندقه، أشبه بقدامى المحاربين، كمن أصيب بوعكةٍ مهنية مستديمة ألزمته مقر (الوحدوي) فأقعدته طريح بؤسها، لايَحـيد عن بابها قيد أنملة، ولا يبدّل بها صحفاً مدعومة!!

في تلك الحقبة كانت صحافة(الرأي) هي السمة الطاغية على معظم صحفنا، بينها (الوحدوي)، باستثناء القلة!! موجة صحافة نمطية؛ مقالات وكتابات سياسية وبضعة حوارات؛ أكثر منها صحافة خبر وتقارير وتحقيقات واستطلاعات وتخصصات وتبويب.. ربما لشحة الكوادر المتخصصة- صحفياً.. حينها كانت كلية الإعلام قد تأسست للتو- على يد الرائدة د.رؤوفة حسن وزملائها، فبدأ ضخ كوادر مؤهلة لسوق الصحافة بكميات غير مسبوقة انتشرت في كل وسائل الإعلام، لنشهد انتعاش صحافة الخبر والتحقيق والملف.. كان نصيب الوحدوي منها دمٌ جديد دخل على الخط، أسهم في تطعيمها بمضمون تخصصي، فلم تكن تخلو من تحقيق او استطلاع وإن على استحياء، قد تفرد له صفحة أو صفحتين!! استحياء لافت، مَردُّه إما لرتابةٍ حزبية، أو لعدم تمكين الدم الجديد- لتغيير الصورة، ورغم كان لروادها بصمات مميزة!

أما اليوم أضحت (الوحدوي) بأكملها في عهدة الجيل الجديد.. جيل متخصص، طَموح، معوّل عليه ان يُحدث نقلة نوعية.. ليرتقي بها من صحافة نمطية ورتابة حزبية إلى صحافة مجتمعية قريبة من الناس.. وليس اقرب للناس من قضايا الناس، صحافة الخبر والماجَرَيَات، التحقيق والملف، الملحقات المشبعة، الصفحات المتخصصة، المانشيت الاحترافي، اللغة الجديدة، التكنيك، التنوع، الكاريكاتير، الصورة المجسَّمة والإخراج الحديث!! متطلبات هامة، ربما بدأت تتضح ملامحها مؤخراً.. فثمة اهتمام متوازي بالشكل والمضمون.. وفرق بين الأمس واليوم.. مؤكد أننا نشهد انطلاقة جديدة تستحق ألف تحية لجيل أدرك دوره.. تهانينا للزملاء، ومزيداً من التطور للوحدوي- الصحيفة التي تفوقت على حزبها.. وألفية مباركة!!

 
في الأحد 01 ديسمبر-كانون الأول 2013 06:09:12 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=1372