الرجل الأنثى
نُهى محمد مُلهي
نُهى محمد مُلهي

أثارت هذه التسمية التي أطلقتها الناشطة والحقوقية (توكل كرمان) على الثائرة اليمنية ضجةً إعلاميةً كبيرةً ومادةً خصبةً لنقادها ومعارضيها وإن كان الأصح أن نقول "أعداءها وحسادها" !

وكانت توكل في برنامج (بلا حدود) الذي يعرض على شاشة الجزيرة تتحدث عن المرأة اليمنية الثائرة التي أدهشت العالم بقوتها وإرادتها فقالت "خرجت المرأة اليمنية أو (الرجل الأنثى)...." 

وبالرغم من أنني لم أسمع أو أقرأ من بنت كرمان نفسها أي ردود على الحملة الشرسة التي شُنت ضدها بسبب هذه التسمية إلا أنني ومنذ يومها وأنا أحس بنفسي الرغبة في الإدلاء برأيي حولها..

 ومن المهم ذكره أنني لست بصدد التعريج بالحديث عن السيدة توكل بشخصها, ولن يكون مقالي بالضرورة معبراً عن موقفي منها بقدر ما أودُّ أن أركز حديثي عن هذه التسمية التي أطلقتها توكل واستقبلتها العقول الفارغة – أو المفرّغة- فأقامت الدنيا ولم تقعد! إن مصطلح (الرجل الأنثى) من وجهة نظر أشباه النقاد التي لا تبعد أكثر من مواضع أقدامهم لا يمكن أن يطلق إلا على (الشواذ جنسياً)! معتبرين بذلك أن اللفظين في المصطلح متضادين من الناحية الجنسية , وهم يعلمون تماماً ان المقابل اللفظي في العربية ل (الأنثى) هو (الذكر) وليس (الرجل) ولكنهم لا يفقهون! والفضيحة أن معظم هؤلاء محسوبون على الإعلام وهو منهم بريء براءة الذئب من دم يوسف.. هؤلاء وأشباههم وأتباعهم يرون من منظورهم الأضيق من خُرم الإبرة أنه لا يمكن أن يكون رجلاً إلا من كان (ذكراً) !! لهؤلاء وأولئك الذين لم تغنِ عنهم شهاداتهم وخبراتهم الإعلامية من الجهل شيئاً أقول: (الرجولة) ما هي إلا صفة للمخلوق البشري بنوعيه: الذكر والأنثى, من الممكن أن يتصف بها أحدهما أو كلاهما كما أنه من الممكن ألا نجدها في أيّ منهما.. قد أجد عذراً لعامة الناس ومحدودي الإلمام بالعربية الفصحى إذا ما نقدوا مصطلح (الرجل الأنثى) ولم يستلطفوا تركيب اللّفظين ولكنّي أستنكر على حمَلَة الشهادات الإعلامية والامتيازات الصّحفية إذا ما جهلوا أو تجاهلوا أن (الرجولة) صفةٌ لا يمكن أن تكون حكراً على من أُوتي معالم (الذكورة) ! القرآن الكريم – منهل البلاغة ومنبع لغة الضاد – يفصل جليّاً في هذه القضيّة , فحين نقرأ الآية الكريمة : " { مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ...} فإن المقصود بالرجولة توافر صفات الرجولة في الذكر , فلم يقل الله عز وجل كل المؤمنين رجال وإنما قال: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ، ومِن للتبعيض أي ليس كل ذكر رجُلا، فأراد هاهنا صفة الرجولة ولم يرد النوع أي الذكورة , والسؤال هو هل يستطيع أحد أن يستثني النساء من هذه الآية؟!! ألا يمكن أن تكون من النساء الإناث من صدقنَ ما عاهدنَ الله عليه؟! وتجنباً لثغرة قد نقع فيها فريسة لهواة النقد المفرّغ فإن هناك آيات ذكر الله فيها "الرجال" وأراد بها النوع أو الجنس فقال تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ و قال جلّ وعلا: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ والمراد بالرجال هنا نقيض النساء, وقد ذكر المفسرون أن (الرجولة) في مواضع أريد بها الصفة وفي مواضع أخرى أريد بها النوع. وفي المقابل نجد أن القرآن الكريم في مواضع كثيرة حين يكون المعنى فاصلاً بين جنسيّ بني البشر فإنه يشير إليهما ب (الذكر والأنثى), فيقول تعالى : "{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ...} وقال سبحانه: "(فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) وغيرها من الآيات كثيرة. وأختم بقولي أن هناك من إناث اليوم من أثبتت مواقفهنّ – في حدود تعاليم الدين وآداب المجتمع - أنهنّ أكثر رجولةً من بعض أصحاب الشوارب واللّحى التي لم تستطع أن تجعل من أصحابها إلاّ ذكوراً , أما العقول البلهاء والشخصيّات الجوفاء التي تقبع خلفها فقد جعلت الرجولة منهم براء.. 

ولأنني في ما مضى من حديثي قد نفيت أن يكون كل ذكرٍ رجلاً بالضرورة, إلا أنني أؤكد أن هناك من الذكور في مجتمعاتنا من هم بحقّ رجالاً بالكلمة والمعنى وهم بالفعل تلك الفئة التي وصفها الله تعالى بقوله: { مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ...}

  
في الخميس 12 سبتمبر-أيلول 2013 07:59:54 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=1293