قناة الجزيرة.. هرولة نحو الأفول
غازي المفلحي
غازي المفلحي

الذين قدر لهم ان يعيشوا لحظة انطلاق قناة الجزيرة عام 1996 يتذكرون ان ظهورها للمرة الأولى كان حدث غير عادي في تاريخ الإعلام العربي ، بل لا نبالغ اذا قلنا انه كان بمثابة زلزال هز المنطقة العربية كلها من الخليج الى المحيط .

استقبل الناس اول جرعة إعلامية قدمتها الجزيرة بشيء من الدهشة والذهول بل والشك فيما وراء ذلك من اهداف ونوايا ، فالذي يرونه امام اعينهم ويسمعونه بآذانهم هو شيء غير الذي اعتادوا أن يروه أو الذي تكيفوا على سماعه أزمان ودهور .

هل يعقل ان تظهر في منطقتهم التي لايعلو فيها صوت على صوت الحاكم العربي وإعلامه المسبح بحمده ليل نهار، قناة تلفزيونية تتجرأ على تخطى عتبات الفرمانات وتخرق المحظورات لتقدم للناس رسالة إعلامية مختلفة تماما عما هو سائد ، تقف على الحياد ولا تدعي احتكار الحقيقة ، وتقدم نفسها بأنها صوت من لا صوت له وقناة الرأي والرأي الأخر ، ثم يكون ادائها مصداقا لما تدعيه وتزعمة فتتيح مساحة واسعة للرأي الآخر والمعارض المقموع كي يطرح وجهة نظره بحرية وشفافية غير مسبوقة.

في البداية كان الأمر مدهشاً ، ومع مرورالوقت تحولت الدهشة الى انبهار ثم اعجاب جذب الى القناة شعبية جارفة امتدت بامتداد الوطن العربي كله ، وبسبب هذه الشعبية اصبحت القناة مرهوبة الجانب كما ان كل حاكم عربي أصبح يحسب للقناة وتأثيرها الف حساب .

لأول مرة اصبح للشارع العربي قناة يتسمر الناس امامها لمتابعة برامج حوارات ونقاشات سياسية جادة كانت قبل ظهور الجزيرة تثير الإمتعاض والمغص ، ومع ظهورها تحولت الى برامج شعبية يحرص على متابعتها الملايين ، والواقع ان طريقة عرض وتقديم هذه البرامج كان ايضاً مشوقاً وغير مألوف ، اذ لم يكن من النادر ان تتخللها معارك كلامية واحيانا مشادات وعراكات بالأيدي او بما تصل اليه الأيدي وكان ذلك كله مدعاة للإثارة والشغف.

ولو أردنا تتبع التأثير الذي احدثته الجزيرة في وعي الإنسان العربي على مدى خمسة عشرعاما وتحديدا منذ انطلاقها عام 1996 وحتى قيام ثورات الربيع العربي ، فسوف يتعين علينا الإقرار والإعتراف بأنه كان تأثيرا واسعاً وعميقاً ، لقد حملت المعاول والمطارق ودخلت المنطقة المحرمة حيث ينتصب التابو المقدس للحاكم بأمر الله ، مكتوبٌ عليه منذ مئات السنين ممنوع الإقتراب أو اللمس أو النقد ، فهو المنزه عن الخطأ ، والعارف ببواطن الأمور ، نُطقهُ حِكمهْ .. وفِعلهُ صوابْ ، وأمرهُ فيه صلاح البلاد والعباد ، ثم انهالت عليه ضرباً وتكسيراً حتى ازالته من مكانه او كادت ، لتكتشف الشعوب ان حكامها بشرٌ عاديون ، يصيبون مثلهم ويخطئون ، ويأتيهم الباطل من بين ايديهم ومن خلفهم مثل اي بشر ، وهم لا يحكمون بالحق الإلهي كما يزعمون بل بما اخترعوه من هذا الحق ، وأن الأساس في العلاقة بين الحاكم والمحكومين هو قبول الناس ورضاهم واختيارهم ، وما الهالات المقدسة التي صنعها الحكام حول انفسهم او صنعها اعلامهم لهم ، إلا هُراءٌ وزيفٌ وباطل .

صحيح ان تصحيح خلل المفاهيم في العلاقة بين الحاكم والمحكومين لم تكن اكتشاف خاص بالجزيرة ، فهذه العلاقة شهدت تغييرات هائلة في مناطق كثيرة حول العالم ، كان ابرزها التطورات التي شهدتها القارة الأوروبية منذ بداية عصر النهضة ، حيث أُجبر الحكام هناك على التنازل عن حقهم الإلهي في الحكم وتسليمه عن يدٍ وهم صاغرون للشعوب التي تولت ممارسته وفق آليه ديمقراطية يختارون من خلالها حكامهم او يزيحوهم ، لكن ما ينسب الفضل فيه لقناة الجزيرة هو انها قدمت لهذه الرؤية أداة الإنتشار الواسع على المستوى الشعبي العربي فادخلتها الى كل بيت وفي كل عقل.

جيل كامل من الشباب العربي تربي على وقع مطارق الجزيرة وهي تهدم وتحطم المسلمات من خلال برامج مثل الإتجاه المعاكس أو الرأي والرأي الآخر .. الخ .. وبمجرد ان نضج هذا الجيل متسلحاً ومتشرباً هذه المفاهيم خرج ليصنع الثورات فيما سمي بالربيع العربي كأول ثمرة من ثمار هذه الرؤية .

وفي اعتقادي فان الرؤية التي وقفت خلف انشاء هذه القناه – من غير البحث عمن وقف خلفها او ما مصلحته في ذلك – قد هدفت الى تغيير الوعي الشعبي العربي بما يخدم ويعزز تحرير هذا العقل من أَسار الميراث (الأُموباسي*) الذي حكم بمبدأ الخليفة ظل الله على الأرض وما يستتبعه من وجوب طاعة وخضوع الشعب للحاكم ، لينقله الى وقتنا الحالي بمفاهيمه العصرية القائمة على ان الشعب هو سيد نفسه ومصدر كل السلطات والقوانين والتشريعات ، وما يستتبعه من وجوب طاعة وخضوع الحاكم للشعب .

وعلى الرغم من ان الفضاء العربي شهد في فترة لاحقة ظهور قنوات كثيرة حاولت تنكب خطى الجزيرة وانتهاج نهجها ، الا ان جمهورالجزيرة بقي مشدودا ووفيا لها ، وظلت القناة تستحوذ على النسبة الكبرى من المشاهدين العرب حتى وقت قريب .

كان اهم ما ميز الجزيره خلال الفترة من انشاءها وحتى قيام ثورات الربيع العربي ثلاث علامات رئيسية تمثل في مجملها سر الثقة والإلتفاف الواسع التي حضيت به القناة لدى الجمهورالعربي :

الأولى : الحفاظ على قدر كبير من الحيادية ، والظهور بمظهر غير المنحاز بالنسبة للقضايا العربية الداخلية ، اذ كانت تحرص على ابراز وجهات النظر المتعارضة وتقديمها للمشاهدين بصورة متوازنه ، ثم تترك الحكم للمشاهد للإقتناع بوجهة النظر الأكثر قبولاً واستحساناً ، وفي الأعم الأغلب فقد كان الصوت المعارض للأنظمة عادة ما يكسب جولات المواجهات التي كانت تتم على الهواء مباشرة ، فالأصوات التي مثلت الأنظمة في هذه الحوارات لم يكن لديها شيء تضيفه الى ما يردده الإعلام الرسمي ، في حين كان الطرف الآخر يأتي محملا بشتى الأفكار والمعلومات الجديده التي تستحوذ على انتباه المشاهد واعجابه واقتناعه .

الثانية : استضافتها لمثقفين وأعلام ومفكرين من العيار الثقيل محسوبون على الجانب المعارض للأنظمة العربية بعضهم ممن سبقت شهرته ظهوره على شاشة الجزيرة وبعضهم ممن لم يره او يسمع به المشاهد العربي إلاعبرها ، لكن القاسم المشترك لهم جميعا هو انهم كانوا يعانون من تشديد الحصار عليهم من قبل الإعلام الرسمي فلا يتمكنون من ايصال رؤاهم وافكارهم الى الناس ، وقد اتاحت لهم قناة الجزيرة هذا الظهور التي كانوا يحتاجونه لإيصال وجهات نظرهم ، وفي كل مرة كان يظهر فيها واحد من هؤلاء كانت جدرانٌ تسقط ، وأستارٌ تزاح ، وحقائقُ تكشف أمام اعين المشاهدين عن حجم القمع والإرهاب والإستلاب الذي يمارسه الحاكم العربي تجاه شعبه في العلن ، او في الخفاء وتحت جنح الظلام .

الثالثة : الإنحياز للقضايا العربية في مواجهة العدو اوالخصم الخارجي ، وظهر ذلك جليا في تناولها لقضية العرب الأولى القضية الفلسطينية ، وكذلك في تغطيتها للحروب التي شنتها امريكا والغرب على المنطقة والعالم الإسلامي عموما خصوصاً بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر ، ووصل الحال في احدى المرات الى تهديد رئيس أمريكي بقصف الجزيرة ان لم تتوقف عن نهجها في تسليط الأضواء على ما تسببه هذه الحروب من معاناه انسانية هائله وما ينتج عن العدوان من آثار مدمرة تطال الآرض والإنسان في هذه المنطقة من العالم .

ثم تصل الجزيرة الى قمة تأثيرها على الشارع العربي في تغطيتها لثورات الربيع العربي التي اندلعت في مستهل العام 2011 ، حيث لعبت الجزيره دورها ببراعة وحرفية في اتجاه نجاح التغيير لأكثر من نظام عربي من خلال اتباع نفس النهج التي سارت عليه بتخصيص مساحة واسعة للصوت المعارض الذي اصبح ثائراً في مواجهة صوت الأنظمة الذي لم يغب بدورة عن تغطية الجزيرة ، كما اطلقت العنان للشارع كي يعبر عن نقمتة وغضبه من هذه الأنظمة ، وهو ما زاد من شعبية القناة وقوة تأثيرها ، وكان نجاح الثورات في احداث عملية التغيير لبعض الأنظمة جوائز نال الجزيرة نصيباً منها .

والى هذه النقطة تكون (الجزيره) قد حققت نجاحا مبهراً ، حيث اسهم تأثيرها في صنع تغييرهائل في حياة العرب حتى ليصح القول ان حالهم قبل ظهور القناة ، هو بالتأكيد غير حالهم بعد ظهورها.

لكن .. لكل شيء اذا ما تم نقصان .

اذ يبدو ان ما بنته الجزيرة خلال السنوات الماضية بصبر وجهد ودأب من شعبية ومصداقية معرض للتآكل والإنهيار ، وتأثيرها الكاسح في طريقه الى التلاشي والإضمحلال أمام ما يبدو خروجاً فاضحاً عن النهج الذي عرفت به في عدم الإنحياز في القضايا العربية الداخلية ، اذ أصبح واضحا اليوم ان الجزيرة قد تخلت تدريجياً وتحديداً منذ وصول الإخوان الى الحكم في مصر عن حياديتها وبدت اكثر انحيازا للإخوان وحكمهم ، ثم تحولت الى الإنحياز الكامل بعد قيام الجيش بحركتة التي ازاح بها الرئيس الإخواني مرسي عن سدة الرئاسة ، ثم تحولت الى وسيله اعلامية إخوانية بالكامل بعد قيام الجيش المصري بفض اعتصامات الإخوان في ميداني النهضة ، ورابعة العدوية .

لم يعد احد يصدق ماتنقله الجزيره باستثناء المنتمين الى الخط الإخواني او من يناصرونهم وهم لا يمثلون الا شريحة محدوده من المجتمع ، ليس لأن ما تنقله غير صحيح ، فبعضه او جزء كبير منه قد يكون صحيحا ، لكن ظهور القناة بمظهر المنحاز بشكل كامل لطرف معين وتغييب شبه كامل للرأي الآخر في صراع سياسي داخلي القى بظلال قوية من الشك على اداءها ورسالتها .

هل هو تأثير الطابور الخامس الإخواني داخل الجزيرة ؟ لا يخفى على العامة الإنتماءات الإخوانية لبعض مقدمي البرامج في القناة ، لكن لأنه كانت هناك سياسية اعلامية واضحة ومحايدة فإن الإستنتاج المنطقي ان قدرة هؤلاء المقدمين كانت محدودة على تحويل برامجهم الى منابر دعائية للأجندة السياسية التي ينتمون اليها ... فما الذي حدث ؟ هل اصبح المخططون وراسمي السياسات في القناة من المحسوبين على هذا التيار السياسي؟ وقرروا الدخول بالقناة على خط المواجهة مع الغالبية العظمى لنصرة هذا التيار على ما عداهم من تيارات وقوى سياسية .

كنا نتمنى ان لا ينظر القائمون الجدد على الجزيرة الى المتلقي العربي بانه صاحب عقل فارغ، وان بإمكان الجزيرة بقوة تأثيرها ورصيد مصداقيتها ان تحشوه بما يتوافق مع رؤية القائمين على القناة ثم تقوده الى حيث تشاء حتى لو لم ينسجم هذا الحشو مع حقائق الأمور ، ان مثل هذه النظرة سوف تكلف القناة شعبيتها وشارعها وما تبقى من رصيد مصداقيتها ، فالمتلقي العربي الذي اعطى الجزيره كل هذا التاييد والإلتفاف فعل ذلك لأن الجزيرة قدمت له الحقيقة التي كان يبحث عنها والتي كان النظام الرسمي العربي يحرص على إخفائها وتغييبها ، بالإضافة الى حرص القناة على الظهور بمظهر الوسيلة المحايده التي تتيح الفرصة لكل طرف ان يقدم براهينه وحججه ، ثم تترك للمشاهد استخلاص النتائج واصدار الأحكام ، وهذا هو بالضبط ما تفتقده الجزيرة اليوم .

ان ما فقدته الجزيرة من مصداقيتها خلال شهور يعادل ما بنته من هذه المصداقية خلال سنوات واتوقع انها اذا استمرت بالسيرعلى هذا النهج ان تأتي على البقية الباقية من هذه المصداقية والشعبية ، ونكون بهذا قد فقدنا مبكرا وقبل الأوان اهم واشهر وسيلة اعلامية عربية ظهرت في تاريخ الإعلام العربي خلال القرن العشرين .

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الأموي – العباسي 


في الإثنين 09 سبتمبر-أيلول 2013 04:59:52 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=1290