مؤتمر لندن .. رهانات خاسرة
عادل عبدالمغني
عادل عبدالمغني

اليوم الأربعاء ستحتضن لندن مؤتمراً دولياً حول اليمن.. هكذا ظلت وسائل الإعلام المختلفة تردد منذ أن تبنى رئيس الوزراء البريطاني جوردن بروان مطلع الشهر الحالي دعوة الشركاء الدوليين لعقد مؤتمر حول صنعاء في مدينة الضباب.

لكن ومع مرور الوقت تحول المؤتمر الدولي إلى أشبه بلغز تدور حوله التكهنات والتفسيرات التي تذهب في مجملها للحديث عن أجندات دولية تحاول واشنطن ولندن فرضها على المنطقة. 

استمر المؤتمر في الاضمحلال والتلاشي مع مرور الأسابيع الأولى على إعلانه . ومع اقتراب موعد انعقاده صار المؤتمر الدولي الذي بشرت به لندن واحتفت به صنعاء، مجرد لقاء لن يستغرق أكثر من ساعتين من الزمن، يعقد على هامش مؤتمر دولي حول أفغانستان.

ومساء أمس توجه وفد رسمي من صنعاء إلى لندن على متن شركة طيران من المؤكد أنها غير يمنية، وسيضطر الوفد للتوقف في بلد آخر لاستئناف رحلته نحو بريطانيا الذي قطع رئيس وزراءها الأربعاء الماضي خطوط الطيران المباشرة بين بلده واليمن، كإحدى رسائل ما قبل المؤتمر التي رغبت المملكة المتحدة توجيهها لصنعاء.

الوفد اليمني – الذي من الواضح انه لن يكون رفيع المستوى – توجه إلى لندن دون دراية بما سيتم مناقشته هناك، فهو حتى ما قبل انعقاد المؤتمر بساعات، لم يتحصل بعد على جدول أعمال واضح، فيما الغموض يلف الأطراف التي ستحضره، مثلما هو الغموض أيضا سيد الموقف فيما يتعلق بأهداف المؤتمر التي لم تتضح معالمها بعد.

والواضح أن صنعاء كانت مخطئة حين بالغت بابتهاجها بدعوة رئيس الوزراء البريطاني لعقد مؤتمر حول اليمن، ويبدو أنها تعجلت حين بادرت لإعلان تأييدها للدعوة بعد يوم واحد من إطلاقها، رغم غياب التنسيق المسبق بينها ولندن قبل الإعلان البريطاني المفاجئ.

وهو ما اكتشفته حكومة صنعاء مؤخراً، بعد أن قُوبلت بتجاهل واضح من قبل الحكومة البريطانية في السير نحو المؤتمر، الذي ومع انه يعقد أساساً من اجل اليمن، إلا أن لندن لم تشرك صنعاء في الإعداد للأجندة التي سيناقشها. الأكثر من ذلك أنه لم يسمح لها بتمثيل واضح في المؤتمر وان حضورها سيكون بمثابة ضيف شرف ينتظر ما الذي سيخرج به المؤتمر من قرارات دولية بشأنه، كما لو انه قاصر تحت الوصاية.

بين رغبات صنعاء وأجندات الغرب:


ويبدو أن دعوة براون لعقد مؤتمر دولي حول اليمن في لندن أعاد إلى أذهان الحكومة اليمنية مؤتمر المانحين الذي عقد العام 2006 في العاصمة البريطانية ذاتها، وتعهدت خلاله الدول المانحة بتقديم قرابة خمسة مليارات دولار لليمن، وهو ربما وراء الترحيب اليمني بهذا المؤتمر على المستوى الرسمي، وتأييد الحكومة اليمنية التي وصفته حينها بـ"خطوة في الاتجاه الصحيح".

والمتابع للتصريحات اليمنية الرسمية خلال الأيام الأولى من دعوة براون يدرك أنها نظرت للمؤتمر من زاوية جني مزيد من الأموال والمنح فقط، ما سلبها الإمعان في الأهداف التي تقف وراء مثل هذا المؤتمر، بل وراحت تصف التناولات الصحفية والتصريحات السياسية المحذرة من مغبة الاندفاع نحو الغرب، بالحاقدة والمتشائمة.

إذ قال المصدر اليمني المسئول الذي رحب بدعوة برواون مطلع الشهر الحالي أن المؤتمر " سيحشد الجهود الدولية لدعم اليمن في المجال التنموي وتعزيز قدراته في مكافحة البطالة والتخفيف من الفقر". وعلى لسان ذات المصدر نقلت وسائل الإعلام اليمنية الرسمية قوله " إن القضاء على الفقر والتطرف والبطالة في المجتمعات النامية يمثل المدخل الصحيح لإنهاء التطرف وضمان عدم إيجاد بيئة مناسبة لنمو هذه الظاهرة وجذب الشباب إليها".

غير أن للقوى الكبرى وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية– التي يعتقد أنها تقف وراء دعوة براون – أجندات أخرى يأتي الاقتصاد في آخر أولوياتها بعد الجانب الأمني والعسكري والسياسي. وهو ما لم تدركه صنعاء مبكرا.. وحين حاول رئيس الوزراء البريطاني التلويح لصنعاء بطريقة دبلوماسية أن مؤتمر لندن لن يكرس للقضايا الاقتصادية والمنح وان سبب انعقاده يتلخص في القضاء على الإرهاب، عادت الحكومة اليمنية للحديث عن المال الذي ستعود به من لندن، وحاولت الربط بين محاربة الإرهاب ومجابهة الفقر ، ليقول وزير الخارجية اليمني أبو بكر القربي للصحفيين:" أن اليمن يأمل في أن يخرج مؤتمر لندن بإستراتيجية تدعم الاقتصاد الوطني والحصول على دعم دولي لتعزيز قدرات اليمن في الحرب على الإرهاب وكذلك دعمها في المشاريع الاقتصادية وإيجاد المزيد من فرص العمل لمواجهة مشكلات البطالة والفقر".

لا دولارات في لندن:


إذاً لم تفلح الدبلوماسية البريطانية في إقناع اليمن بان مؤتمر لندن لن يوزع دولارات، فأوعزت لسفيرها في اليمن بإعلان الأمر صراحة، ليصرخ الأخير في مؤتمر صحفي عقده الأسبوع الماضي بصنعاء:"لن يكون هناك أي تعهدات مالية لليمن في مؤتمر لندن القادم" . السفير لم يقل بذات الصراحة أن هناك أجندة عسكرية لبلده وواشنطن في اليمن، إلا إنه عاد ليقول أن هناك تعاون أمني وثيق بين اليمن وبريطانيا.

وبدبلوماسية مفضوحة قال السفير البريطاني بصنعاء أن المؤتمر سيكرس لتحليل التحديات التي تواجهها اليمن وفي مقدمتها الإرهاب وعدم الاستقرار .

سفير بريطانيا قال من جملة ما قاله إن بلاده تأخذ تهديدات القاعدة مأخذ الجد وأن تنظيم القاعدة كان ناجحا في تنفيذ العديد من العمليات ومنها الاعتداء على السواح في اليمن.

ورغم قسوة ما أعلنه سفير بريطانيا في اليمن إلا أن رئيس حكومته على ما يبدو لم يكتفي بذلك، ليوجه مساء ذات اليوم من عاصمة الضباب صفعة أخرى في وجه من تغنوا بمؤتمر لندن، وعلقوا عليه الآمال العراض، حيث أعلن غوردن براون التعليق الفوري للرحلات المباشرة بين بريطانيا واليمن .

وقال أمام مجلس العموم البريطاني أثناء الإعلان عن تدابير جديدة لمحاربة التهديد الإرهابي: "قررنا مع شركة اليمنية للطيران، وبانتظار تدابير أمنية مشددة، تعليق رحلاتهم المباشرة من اليمن إلى بريطانيا على أن يبدأ تطبيق ذلك على الفور".

بريطانيا قررت أيضا اعتبار أي شخص يحمل الجنسية اليمنية مشتبه به وسيخضع لإجراءات تفتيش مشددة، هي أيضا ستطبق النظام على كل وافد إليها عبر اليمن أياً كانت الجنسية التي يحملها. الأمر الذي يشير إلى أن بريطانيا تستهدف من وراء عقد مؤتمرها المرتقب معاقبة اليمن لا مساعدتها وما خفي كان أعظم.






في الأربعاء 27 يناير-كانون الثاني 2010 09:26:31 ص

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=125