رجاء .. لا تذهب بعيداً يا دكتور ياسين !
غازي المفلحي
غازي المفلحي

لسنوات مضت تابع الكثيرون خطواتك بشيء من التعجب والإعجاب وانت تتنقل بين العزل والقرى النائية تبحث وتسأل وتتقصى عن الذين أُجبروا على مفارقة مجتمعاتهم واسرهم واحبائهم في الكهوف البعيدة او الأكواخ المعزولة بسبب اصابتهم بمرض الجذام اللعين .

 تلك كانت – ولا تزال- طريقة اليمنيين للتعامل مع من يصاب بمرض الجذام ، اذ يتعين عليه - اختياراً أو جبراً - ان يفارق اهله وعشيرته ومحل اقامته ، وان يذهب للعيش وحيداً في مكان ناء هو اشبه بالعزل اوالحجر الصحي حيث لا يتمكن فيه من التواصل اوالإختلاط بأحد خوفاً من العدوى، أفراد من اسرته فقط كان عليهم ان يذهبوا اليه بين الحين والحين ليزودوه بما يحتاجه من ماء أو مأكل أوملبس يحفظ عليه حياته ، وحتى عندما كانوا يتسللون اليه بهذه الإحتياجات فقد كان عليهم ان يقتربوا من كهفه او كوخه بحذر ثم يتركون له الماء والطعام على بعد امتار ويهربون سريعا ، لم يكن أحدٌ منهم ليتجرأ على لمسه أو حتى الحديث معه ، ولنا ان نتخيل اي حياة بائسة كان يتعين على هؤلاء ان يتكيفوا مع بؤسها ولياليها الطويلة بانتظار موت لا يأتي اليهم على الأرجح الا بطيئا ومؤلما .

كان بإمكانك يا دكتور ياسين أن تنتظر في عيادتك لكي تنظر في حالة من تساعده الظروف على الخروج من عزلته الموحشة والمجيء اليك طلبا للعلاج ، وكنت بالتأكيد ستقوم بواجبك تجاهه كطبيب كفؤ ، ولوفعلت ما كان لأحد ان يعتب عليك او يلومك فليس مطلوبا منك ما هو اكثر من ذلك.

 لكن لأنك لم تكن طبيباً فحسب بل كنت انساناً رفيع الإحساس والشعور بالآخرين ، فقد انتقلت اليهم حيث هم ، تبحث عنهم في الأماكن المعزوله وفي الكهوف لا تكتفي بالإقتراب منهم بل وتجلس اليهم ، تتناول طعامهم ، وتتبادل معهم اطراف الحديث ، تحاول ان ترفع معنوياتهم ، وان تعيد اليهم شيئا من التفاؤل والثقة التي فقدوها بالحياة وبالناس، وتأمل بالسلوك والقدوة أن تتمكن من تصحيح مفاهيم ومعلومات خاطئه ترسخت في اذهان الناس حول كيفية التعامل مع المجذومين ، وفي الأخير تقوم بترتب انتقالهم الى المستشفى حيث يجدون الرعاية والعناية التي تساعدهم على الشفاء والتعافي .

كنت اراك تقترب منهم دون خوف او تردد ، تمسك أطرافهم التي اتى المرض عليها فلم يترك منها سوى بقايا أيادي اوأقدام ، تسري القشعريرة وربما الإشمئزاز في نفس من يرى هذه المناظر المؤلمة لكنها لم تكن تثير فيك هذه القشعريره ولا هذا الإشمئزاز ، كنت تضاحكهم وتمازحهم وتحتضنهم بمودة وحب ، وكنت اسأل نفسي كيف تستطيع ان تفعل ذلك بكل هذه الأريحية حتى ليخيل لمن يراك انك تستمتع وتسعد بمثل تلك الأحضان. 

هكذا عرفناك يا دكتور ياسين عبد العليم ، وهكذا عهدناك .. من غير تجميل او تلميع وهل يحتاج الى تجميل او تلميع من يملك جمال روحك ولمعان معدنك ؟ ولأنك كبيرا في النفوس وفي القلوب - ونحسبك عند الله كذلك والله حسيبك - فقد كان السؤال الكبير ايضا كيف يمكن ليد تنتمي الى بني البشر ان تمتد بالإيذاء لرجل لم تمتد يده الى الناس الا بكل الخير والعطف والمحبة والإحسان ؟ وهل جزاء الإحسان الا الإحسان .

أهو الجنون ؟ او انه تصديق لقول نزار :

فكم من وليٍّ قتلنا

وكم من إمامٍ ذبحناه وهو يصلي صلاة العشاء

فتاريخنا كُلهُ محنةٌ

وأيامنا كلها كربلاء .

رجاء .. لا تذهب بعيداً يادكتور.. فمرضاك لا يزالون بحاجة الى يدك الحانية .. نسأل الله لك الشفاء العاجل.

  
في الجمعة 21 يونيو-حزيران 2013 07:46:49 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=1197