حسام ابراهيم
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed مدارات
RSS Feed حسام ابراهيم
RSS Feed ما هي خدمة RSS 

  
مصر بين محنة النيل ومكر التاريخ
بقلم/ حسام ابراهيم
نشر منذ: 8 سنوات و 6 أشهر و 26 يوماً
الثلاثاء 20 إبريل-نيسان 2010 12:45 م


اي مكر ابلغ من مكر التاريخ في محنة النيل؟..حقا انها محنة ذات مستويات متعددة من بينها صراع بين مصر التاريخية ومصر الآنية بعد ان بلغت الهوة بينهما مبلغها فيما تبدو الشريحة المرتبطة فيها بالرأسمالية المتوحشة والمبهورة بأدبيات الهيمنة والعدو التاريخي لمصر والأمة العربية والقارة الافريقية اعجز ماتكون عن ابداع مطلوب في مواجهة العدوان واجابات لأسئلة المحنة وادراك لخطورة الحرب العالمية الجديدة التي وجد المصريون انفسهم في بؤرتها. 
تكاد الأزمة الراهنة حول مياه النيل واختلاق نزاعات بين دول المنبع والمصب تشكل مثلا ونموذجا لمقولة المؤرخ العظيم ارنولد توينبي حول التحدي والاستجابة.. اذا كان العدو التاريخي لمصر والأمة العربية وافريقيا يسعى لهندسة جغرافية جديدة في سياق عدوانه المستمر فهل تنجح مصر في ابداع هندسة سياسية ترد بها على الحرب الجديدة التي تتخذ من النيل ساحة لها لتهدد شعبها بالموت عطشا؟
تحولت المياه للعبة خطيرة وربما تكون الأخطر الآن في اطار مايعرف بلعبة الأمم باشاراتها المختلطة ورسائلها المتضاربة..ومن هنا فليس من الغريب ان تركز الكتابات الغربية على النيل كعامل صراع بين دوله وحتى بين مصر والسودان وان تؤكد جمهرة من اصحاب هذه الكتابات على انه كلما ارادت دول حوض النيل تطوير اقتصادياتها كلما تصاعدت حاجاتها للمياه وازدادات فرص اندلاع نزاعات مسلحة بينها حول مياه النيل.
ولعل من يتصفح هذه الادبيات والكتابات الغربية في المركز الرأسمالي سيلاحظ فورا ان هناك نزعة واضحة لادراج مسألة توزيع مياه النيل بين دول المنبع والمصب تحت لافتة النزاعات المرشحة للتحول الى حروب مع احاديث مسهبة حول اشكاليات البيئة التي بات الغرب مغرما بالحديث عنها مع انه هو سببها الأول ومصدرها الأصلي..الأقوياء والأثرياء الذين جاءت الليبرالية الجديدة لصالحهم هم انفسهم وراء مايسمى بحرب البيئة واشكاليات الاحتباس الحراري ومحنة الانسان المعاصر في علاقته بالكوكب الأرضي وما حدث في قمة كوبنهاغن العالمية الأخيرة حول المناخ يظهر بوضوح مدى سيطرة وتعسف قوى الهيمنة العالمية فيما حق للمفكر الأمريكي نعوم تشومسكي القول ان الفقراء كالعادة هم الأكثر معاناة وخسارة في الحرب العالمية الجديدة حول البيئة.
فمصر المهددة من منابع النهر مهددة ايضا من البحر الذي ينذر بتآكل واختفاء مساحات كبيرة من دلتا النيل تماما كدولة اخرى من دول العالم الثالث هي بنغلاديش حيث ينذر الارتفاع المستمر في منسوب المياه باختفاء مناطق كبيرة في هذه الدولة ومن بينها لسوء الطالع المناطق الأكثر انتاجية في بلد يعاني من ازمة غذائية طاحنة. 
من نافلة القول ان المواجهة العصيبة التي تخوضها مصر لتأمين حقوقها المائية تتطلب ان يدير هذه المواجهة اصحاب الرؤى بدلا من خسارتها على يد شراذم تابعة للرأسمالية المتوحشة وفلول البيروقراطية فقيرة الخيال التي لاتفقه شيئا اسمه الابداع والعلاقات الشبكية ..فالمواجهة الدائرة حول مياه النيل ليست بعيدة عن الجدل المحتدم بشأن قضايا البيئة والمناخ والدعوات التي تنطلق من هنا وهناك مؤكدة على الحاجة الماسة 'لهندسة جغرافية جديدة'.
الواقع ان الأمر يبـــــدو بالفعل وكأن البـــيئة تحــــولـــت الى ساحة مفـــتوحة لحـــرب عالميـــة جــديدة يشــنها الشـــمال ضد الجنوب والأغنياء ضد الفقراء..واذا كانت ادارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الصغير التي عبرت عن غلو وعلو الرأسمالية المتوحشة قد رفضت الالتزام بما عرف ببروتوكول كيوتو للحد من الاحتباس الحراري فان ادارة الرئيس الحالي باراك اوباما لم تفكك بعد الارتباط العضوي بالرأسمالية المتوحشة وافكارها كما يعبر عنها وزير الدفاع الحالي روبرت غيتس واحد صقور ادارة بوش وان كانت تعالج هذه الأفكار الفظة بألعاب العلاقات العامة.
حرب البيئة والمياه على امتداد الساحة العالمية تثير اشكاليات تتجه للتفاقم بدلا من الانفراج وتتركز بؤرها الأكثر سخونة في مناطق تعاني بالفعل من توترات سياسية حادة وازمات غذائية..وفي منطقة جنوب اسيا على سبيل المثال تواصل انهار الهملايا الجليدية ظاهرة التلاشي وتختفي معها الأنظمة البيئية للنهر العظيم التي ابقت هذه المنطقة قابلة للحياة.
تنصهر الانهار الجليدية في مرتفعات بجبال الهملايا تحاربت عندها من قبل قوات هندية وباكستانية وكأن التاريخ يسخر الآن من الحروب بين الفقراء في الجنوب ويطالبهم بالتضامن معا في الحرب العالمية الجديدة التي يديرها بدهاء المركز الرأسمالي في الشمال وتهددهم بالفناء..انه درس موجه لهؤلاء الذين يراد استدراجهم لمواجهات عسكرية في حوض النيل لتتحقق اماني العدو التاريخي في ان يتحول النهر الى دم يفصل للأبد بين العرب والأفارقة. 
ومن مفارقــــات التاريخ واشاراته الدالــــة ان تحــــتدم الأزمة المائية الراهنة وتدور رحى المعــــركة على مياه النيل في وقت تحمس فيه نفر من الــــذين انقضــــوا بليل على دوائر صنع القرار المصري لأدبيات البنك الدولي المعبرة عن الرأسمالية المتوحشة حول خصخصة المياه وتسعيرها بأعلى ثمن ممكن لتحقيق الربح فاذا بالجماهير تتجرع ويلات هذا التوجه الرأسمالي المتوحش من اسعار جزافية وفلكية لمياه الشرب وممارسات استبدادية لهؤلاء الذين زينت لهم اوهامهم ومصالحهم خصخصة النيل.
نعم هذه شريحة تسعى بكل السبل للنهب وافقار الجماهير حتى عبر مايسمى بصيغة 'اختلاق المستهلكين' وهنا فان لعبة بيع المياه بأسعار فاحشة للكادحين والفقراء والمعدمين كمستهلكين جرى اختلاقهم اختلاقا ، خطيرة حقا وغير اخلاقية بأي حال من الأحوال لأن النهر ليس ملك هذه الشريحة المبهورة بأفكار البنك الدولي ومرجعياته الرأسمالية المتوحشة والحاحه على تسليع المياه وتسعيرها بأعلى سعر ممكن وانما هو حق للشعوب التي يجري النيل في اراضيها ومنها شعب مصر.
منذ التمهيد لاتفاقيات كامب ديفيد راحت الاشارات تتوالى من مصر الساداتية حول نهج جديد في افريقيا مختلف كل الاختلاف عن النهج الناصري الذي تصالح مع حقائق الجغرافيا ووقائع التاريخ واضاف مآثر مجيدة في دعم الثورات وحركات التحرر الأفريقية لالحاق الهزيمة بالعدو المشترك للعرب والافارقة..جاء الانقلاب الساداتي في افريقيا ضد مصالح مصر ذاتها وورطها في مغامرات لصالح العدو التاريخي سواء في زائير او تشاد وحتى في انغولا وموزمبيق وكان ماحدث عدوانا باغيا على مصر التاريخية قبل اي شيء اخر.
على 'مصر السياسية' في ازمتها الراهنة ان تستفيد من 'مصر التاريخية' وتستثمر 'الأصول الناصرية الراسخة' في افريقيا وتتقدم في معركتها الجديدة على معابر اقامها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر ربطت بين نضال الأمة العربية وكفاح الأفارقة..هاهم الأبناء والأحفاد يطلبون المدد من عبد الناصر بعد نحو 40 عاما من غيابه عن الحياة الدنيا.
اختار جمال عبد الناصر ان يخوض احدى اعظم معاركه مع العدو التاريخي على النيل وحولـــه فبنى السد العالي ليحمي شعب مصر من شرور العطش ووجد غطاء افريقيا مساندا بقوة لمعركته المجيدة فيما تسعى كتابات غربية سعيا حثيثا ومتأثرا بعوامل ايديولوجية لتحميل السد العالي اكبر قدر ممكن من اوزار مايسمى بالاشكاليات البيئية ..ورغم المتغيرات يبقى جوهر الاطار التفاعلي العربي- الافريقي الذي ظهر في المرحلة الناصرية ملبيا اشواق الشعوب ومدركا لمعاني الجيبوليتيك واستحقاقات الجغرافيا السياسية هو الحل لأزمة مصر الحالية مع دول منابع النيل.
ها هي مصر السياسية في محنة النيل لاتجد العون والملاذ الا في مصر التاريخية المرتبطة بعرى لا تنفصم مع امتها العربية وقارتها الافريقية والمنحازة قبل كل شيء للجماهير وليس لحفنة من السماسرة بددت ورهنت الكثير من اصول الوطن بثمن بخس لدى مراكز الرأسمالية المتوحشة في حقبة مابعد الصهيونية..انها لحظة يتجلى فيها مكر التاريخ حقا بين تهديدات نحر البحر في الشمال وغيض النهر في الجنوب..انه التحدي الذي يستوجب استجابة تاريخية فهل من مستجيب؟..وقى الله مصر شرور محنة العطش ولينصر شعبها في معركة الحياة. 

تعليقات:
الإخوة / متصفحي موقع الوحدوي نت نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى مدارات
مدارات
عمرو  صابح
لماذا لايموت عبدالناصر
عمرو صابح
ياسر العواضي
البسط على الآخرة
ياسر العواضي
بلقيس خالد الهاشمي
وزارة الإعلام تكسر الأقلام وتصادر الكلام
بلقيس خالد الهاشمي
عبدالله السويجي
عن العروبة في زمن التردي
عبدالله السويجي
صادق ناشر
الإباحية في ' يمن نت '
صادق ناشر
محمد الغباري
وهل بعد هذا دليل؟!
محمد الغباري
المزيد