الدورة ال 23 لمخيم الشباب القومي العربي: نهضة الأمّة بشبابها
معن بشور
معن بشور

انطلقت فكرة مخيم الشباب القومي العربي قبل 23 عاماً من رحم المؤتمر القومي العربي الذي استشعر لحظة تأسيسه في ربيع 1990 في تونس الحاجة إلى تجديد العمل القومي العربي عبر مشروع نهضوي عربي متكامل، كما عبر التوجه نحو شباب الأمّة ليحملوا مع أجيال سابقة لهم مشعل العروبة كهوية تنطوي على دعوة للنهضة والوحدة عبر عمل تراكمي تكاملي طويل الأمد.

 

كانت الفكرة الأم (المؤتمر) ومعها الفكرة الوليدة (المخيم) ثمرتي من ثمار إدراك مبكّر للمخاطر التي تتهدد الهوية الجامعة للأمّة، كما لطبيعة الأداة المهيأة لجبه تلك المخاطر وحمل لواء المقاومة عبر الوحدة، ولواء الوحدة عبر المقاومة، وهي الأداة المتمثلة بالشباب في زمن زاغت فيه أبصار كثيرين عن دور الشباب العربي وأهميته.

 

ولم يكن سهلاً أن تنمو فكرة مخيم لشباب الأمّة يتجاوزون فيه حدوداً أقامها أعداء الأمّة بين أقطارها، أو يتحررون فيه من رواسب عصبيات التفتيت والتمزق التي تعصف بكياناتهم تحت ألف مسمى ومسمى، ولم تكن كذلك صدفة أن يستضيف لبنان، الخارج من حرب فُرضت عليه على مدى 15 عاماً، مخيم الشباب القومي العربي في مركز عمر المختار في البقاع اللبناني، وأن يختار الذكرى 38 لثورة يوليو الناصرية موعداً لافتتاحه، فقد علّمت "الحرب في لبنان وعليه" غالبية اللبنانيين معنى ارتباط أمنهم الوطني بأمن أمّتهم القومي، كما علّمتهم أن العروبة الجامعة التي يشكّل الإسلام مضمونها الحضاري وتراثها الروحي، والمسيحية المشرقية بقيمها النهضوية ركيزة التنوع فيها، هي ضمانة سلامهم الأهلي وتنميتهم المستقلّة وديمقراطيتهم الميثاقية، بل أنها حصن مقاومتهم لعدو ما زال محتلاً لأجزاء عزيزة من أرضهم، وطامعاً مع حلفائه، في الهيمنة على قراره وموارده ومقدراته.

 

وتوالت دورات مخيم الشباب، كما دورات المؤتمر القومي العربي ذاته على مدى يقارب الربع قرن، بل دار المخيم على معظم أقطار الأمّة تحتضنه إرادة الوحدة في الأمّة عبر شخصيات ومؤسسات وجمعيات وهيئات أدركت مبكراً تلازم فكرة العروبة مع فكرة الشباب.

 

ولم يكن من تعبير أفصح من حاجة العمل القومي العربي إلى شباب الأمّة يحتضنهم ويحتضنوه، سوى تلك الانتقادات القاسية التي توجه إلى المؤتمر القومي العربي بعد كل دورة من دوراتهم بأنه مؤتمر يكسو البياض رؤوس معظم أعضائه، متجاهلين عن قصد أو غير قصد، أن لهذا المؤتمر، الذي اختار منذ انطلاقته أن يكون بالأساس اجتماعاً لأهل الخبرة والحكمة والتجربة الفكرية والنضالية، توأمه الشبابي الذي ينعقد كل عام بعد أشهر على انعقاده، والذي خرج من رحمه ألاف الشابات والشباب ليتبؤوا في بلادهم مراكز فاعلة في الإنتاج بكل مستوياته، كما ليشاركوا في حركة التغيير الثوري بكل تجلياتها بدءاً من مقاومة الاحتلال، إلى مقاومة الاستبداد والفساد والتبعية، كما لمع من خريجي المخيم شباب بعضهم بات أسيراً لدى العدو الصهيوني في فلسطين كراوي سلطاني، وبعضهم قائداً للتغيير كمنسق حركة تمرد في مصر محمود بدر، ناهيك بالعشرات من الإداريين والمحامين والأطباء والمهندسين والنقابيين والإعلاميين الذين تمتلأ ساحات بلادهم بعطاءاتهم.

 

ولقد أعطى نمو وسائل التواصل الإلكتروني لهذه العائلة الشبابية العربية المتنامية دفعاً كبيراً، كما أعطى التواصل والتضامن بين شباب الأمّة لهذه الوسائل مضمونها الإيجابي الخلاق لتكون جسوراً تعزّز الروابط بينهم، وحصوناً حضارية تحررهم من محاولات أعداء الأمّة لتحويلها إلى وسائل للانقضاض على قيم الأمّة وأخلاقياتها، أو للتحوّل إلى منابر بذيئة تغذي الروح الفردية الاستعراضية، ومشاريع الفتنة في المجتمع، كما تغري البعض بلعب أدوار متضخمة.

 

وعلى عكس إحساس بالحرمان حاصر جيلنا وحال دونه ودون التعرّف باكراً على أقطار وطنه العربي الكبير وأبنائه، فها نحن اليوم، بفضل هذا المخيم أمام شباب، وبعضهم ما زال دون العشرين، بات له أصدقاء من المحيط إلى الخليج، لا تشده إليهم روابط التعارف والصداقة فحسب، بل بات الشاب متابعاً للتطورات في بلدان أقطارهم بكل تفاصيلها ليصبح قومي الهموم والاهتمام لا قومي الهوية والانتماء فقط.

 

وكما البذار تنمو في الحقل لتحمل ألاف السنابل، كانت فكرة مخيم الشباب القومي العربي، بذرة نبتت إلى جانبها مخيمات ومنتديات عديدة مماثلة بعضها على مستوى الأمّة، وبعضها حتى على مستوى القطر الواحد، كما في تجربة "شباب لبنان الواحد" التي ولدت هي الأخرى في البيئة التي ولد في رحابها المخيم الشبابي القومي العربي، حين اكتشف شباب وشابات لبنانيون خارجون للتو من حرب لعينة كادت تدمّر بلدهم، وآتون من مختلف البيئات والمناطق اللبنانية، بعضهم بعضاً في مخيم صنعاء عام 1991، وقرروا أن يجتمعوا في لبنان في تجربة وحدوية شبابية نجحت في أحدى السنوات أن تجمع أكثر من 30 ألف شاب وشابة لبنانية من كل لبنان في "رحلة الاستقلال" إلى قلعة راشيا التاريخية.

 

طبعاً لم تخلُ هذه التجربة المتعدّدة السنوات من محاولات محاصرتها ومصادرتها وتجويفها وتخريبها، لكن عزيمة الشباب وقوة الفكرة كانتا لهذه المحاولات بالمرصاد، فصان الشباب، المتجدّد مع كل دورات المخيم، تجربتهم، وأثبتت العروبة أنها هوية جامعة، بل وحصن منيع رغم كل محاولات الإحباط والتيئيس المتتالية.

 

مخيم الشباب القومي العربي الثالث والعشرون المنعقد في البقاع اللبناني، وفي المركز ذاته الذي انطلق منه قبل 23 عاماً، بات اليوم رمزاً شبابياً للوحدة في زمن التفتيت، وتغليباً للعروبة الجامعة على الهويات الفرعية التي إذا تكاملت ضمن الهوية الوطنية والقومية تعتزّ، وإذا تناثرت وتناحرت تهتزّ، فتهتز معها الأوطان والمجتمعات.

 

فأهلاً بشباب الأمّة إلى لبنان، بلد الرسالة المضيئة، ووطن التبشير الدائم بالنهضة وبالوحدة القائمة على التنوع والتكامل والحرية.

 
في الأحد 18 أغسطس-آب 2013 10:03:57 م

تجد هذا المقال في الوحدوي نت
http://www.alwahdawi.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://www.alwahdawi.net/articles.php?id=1258