د. عبدالله سعيد الذُّبحاني
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed مدارات
RSS Feed د. عبدالله سعيد الذُّبحاني
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
د. عبدالله سعيد الذُّبحاني
دستوريات ( 3 )
دستوريات ( 2 )
دستوريات (1)


  
في ضرورة فهم السياسة كمدخل لحل إشكالية الدولة
بقلم/ د. عبدالله سعيد الذُّبحاني
نشر منذ: سنة و 5 أشهر و 25 يوماً
الإثنين 22 مايو 2017 05:44 م


1- السياسة هذا اللفظ المتداول يومياً لدرجة الإسراف وأحيانا الابتذال . السياسة هذه الكلمة العجيبة التي نرميها أحيانا باللعنة وأحيانا أخرى نُـمخِـضّها كل ما يوحي بالجلال والسمو والرفعة . فـما سر هذه الكلمة (السياسة) ؟ و ما سحرها ؟ حتى نُـشبِّهها بـأسطورة الإله اليوناني القديم (چانوس) ذي الوجهين: المشرق ؛ الذي يعكس حكم الحق، والعابس؛ الذي تطبعه الأهواء التي تحرك الحياة السياسةفنرى فيه نُـذر الشر ووعيده . إنها السياسة كما نرددها؛ واعين أو غير واعين، ونمارسها؛ راغبين أو مكرهين ، بل وحتي لو كُـنّا لها رافضين . إنها بَـلّـورة تعطينامن الألوان والأطياف ما يرى فيه كل شخص نفسه؛ فهي مِرآة عاكسة لما يدور بدواخلنا وما تحتويه قيمنا؛ فنراها إخلاصا للدين أو الوطن أو الدولة ورغبة في خدمة الآخرين، كما نراها ممارسات مراوغة ودنيئة للنفوس الخسيسة, وللطموح الأناني, ولمجرد الرغبة في التسلق على حساب الآخرين، بل ولو على حساب رقابهم.
2- ومع كل ذلك الذي تثيره كلمة السياسة؛ من أشياء مقبولة أو مرفوضة. ورغم ما تفيدنا هذه المواقف عن السياسة من الخير والشر ، إلاّأنها لا تكشف عن جوهرها. فما هي السياسة ؟. سؤال ـ نعتقـد أنه ـ ما زال يطرح نفسه علينا. لكن هل من الضروري في الأصل طرح مثل هذا السؤال؟ وهل السؤال قابل للإجابة الواضحة، الصحيحة والصريحة ؟.
3- هذا السؤال يمكن أن يُعـد ساذجاً لأنه يبدو وكأنه من الاسئلة التي لا تطرح ؛ فكل فرد لديه صورة "ما" عـمّا تعنيه هذه الكلمة (السياسة). كما ان الشخص العادي، حتى ولو لم يكن لديه الوعى الكافي بمضمونها،إلاّ أن لديه ـ على الاقل ـ الاحساس بها ، وبما تُـثـيره بل وبما تعنيه على نحو أو آخر . غير أن طرح السؤال، مع ذلك، يمكن أن يكون مناسباً لتبرير الجهد المطلوب للتقدم بعيداً في فهم الظاهرة وبشكل أعمق.فالسؤال إذن ليس عديم الفائدة خاصة في وضع وبلد تمارس فيه السياسة بعيداً عن الفكر، بل وحتى بعيداً عن التفكير في السياسة نفسها إن لم يكن دون معرفة بمضمونها وبعلمها .
4- إن تحليل استعمالات كلمة (السياسة) ومضمونها وطبيعتها ستُـفِـيدنا بالضرورة في تحديد جوهرها، وأقرب طريقة لتمييز معاني السياسة بغرض تحديد ماهيتها هي المُقابَلة بين الاستعمالات غير النوعية التي يمكن لنا إحلال كلمة بديلة عنها لتعطينا نفس المعنى؛ كما لو كانت مرادفا لها،والاستعمالات النوعية حيث لا يمكن أن تحل محل كلمة السياسة مفردة أخرى تعطينا نفس المعنى .
5- وفى الإطار غير النوعي؛ تعادل كلمةالسياسة تقريبا كلمةإدارة : فإذا قُـلنا (سياسة التعليم) و(سياسة الطاقة) فإننا في هذه الحالات نتذكر من خلال هذا التعبير الوجود الموضوعي لمشكلة يطرحها على الناس الواقع الطبيعي أو الاجتماعي؛ فالجماعة تجابه مشكلة ويجب عليها حلها.إن السياسة هنا هيعملية إدارة تتطلب تحديد مجموعة أهداف ووسائل لازمة للاستخدام مع الأخذ بالحسبان الإمكانيات التي يعرضها والإكراهات التي يفرضها . كما تعادل كلمة سياسة،كلمة استراتيجية. فالسياسة تتوقف ان تكون سياسة شيء"ما" لتصبح سياسة شخص أو مجموعة أو نقابة أو حكومة؛ فسياسة (أ) هي تلك التي يرسمها ويقودها (أ) وليست تلك التي هي موضوع لها ؛ في حين أن العكس هو الذي كان قائما في الحالة الأولى وسياسة الحكومة بالبقاء في موقعها هو التحرك وفق مخطط كبير ومدروس تسعى بشكل خاص للحفاظ على السلطة بيدها. إن تحديد الأهداف وطبيعة الوسائل الملائمة لتحقيقها يمكن أن يلخص كلمة استراتيجية كمرادف للسياسة . وأخيرا فإن السياسة تعادل معنى الدسيسة؛ فالسياسة تصطبغ بقيمة تحقيرية بشكل واضح تضعضع من قيمة من يدمغ بها . فعبارة (هذا من قَـبِـيل السياسة) هي عبارة سيئة تجعل من الأسلم الابتعاد عن الشى الذي يوصم بها.
6- ورغم المعاني العديدة السابقة، وغيرها من المعاني الشائعة والمتعارف عليها، فإنه إذا ما أردنا التقدم إلى الأمام والبحثنوعيا وبشكل أعمق للإجابةعن جوهر السياسة فإننا نجدها في رؤية بعض علماء السياسة والقانونلماهية السياسة بمعـنى مزودجاً لها: السياسـة )LE POLITIQUEبأداة التعريف للمذكر المفرد) هو مفهوم وجودي؛ يتعلق بكينونة الجماعة، والسياسة (بأداة التعريف للمؤنث المفرد)LA POLITIQUE هي مفهوم أدواتي؛ باعتبارها نشاطا ووسيلة.
7- فالسياسة LE POLITIQUEكمفهوم وجودي تجد أساسها وتبريرها في وجود المجتمع وغايته،كما يتحدد هدفها بالخير الاجتماعي الذى أوله وعلى رأسهكينونة المجتمع ذاته. من هنا اعتبرت السياسة ذات طبيعة بنيوية لأنها تتعلق بكينونة الأشياء وتستجيب لمسألة البنية المادية والمعنوية المكونة لثقافة المجتمع الكلي، وبالتالي ترتبط بفكرة ضرورة الانتظام والنظام للجماعة. فمع السياسة ندخل عالم أو عائلة الجواهر حيث تجد دعمها ودعامتها في قيمتها الذاتية التي تستمدها من طبيعتها الخاصة وليس من حيث هيإشارة إلى شيء آخر .
8- أما السياسة LA POLITIQUEكأداة فان المرء يكون إزاءها أمام تقنية/تكنيك كوسيلة لتحقيق غاية من خلال نشاط وممارسة. لذلك فهي:من ناحية،لاتوجد بذاتها ولذاتها، ومن ثم لا تجد سبب وجودهاإلاّ فيالهدف الذي وجدت من أجله؛ ومن ناحية أخرى، فإنها - هنا - رديئة السمعة حتىأنها تبدو كعبارة تحقيرية أكثر من كونها تعريفا؛ فهي ترتبط بنشاط الحكام وممارساتهم وما يجري وسط الجماعاتمن لهثلشغل المناصب القيادية أو التأثير في قرارات من بيدهم الأمر والذي في خضمه تظهر كل الرغبات والأهواء الانسانية السيئة ... وهو ما يدفع بعض رجال السياسة إلى محاولة إثبات أنهم لا يمارسون السياسة مع أنهم منغمسون فيها من أخمص قدميهموحتى أم رأسهم .
9- على ان التمييزالسالف بين مفهومي السياسة لا ينفي وجود العلاقة المتبادلة بينهما. فإذا كان التحليل النظري يسمح لنا بالتمييز بين السياسة POLITIQUELEكبنية STRUCTURE والسياسة POLITIQUELA كوسيلة وأداة TECHNIQUE فإن مثل هذا التمييز يكاد أن يختفي أو على الاقل يحتجب من الناحية الواقعية: فمن ناحية، لا تظهر السياسة كبنيةإلاّمن خلال السياسة كأسلوب مجسد لها ، ومن ناحية ثانية، فإن السياسة كنشاط يتولىإخضاع المجتمع لا يُبرر إلاّ بواسطة السياسة كبنية يرتكز عليها . وأخيراً، ومع الإقرار بالدور الوظيفي الخاص لكل منهما إلاّأن لهما دوران متكاملان فالسياسة LEكعنصر تكويني توجد به الجماعة وتتطور كوحدة جمعية لا تغنى عن السياسة LA كتقنية تحقيق هدف باعتبارها شرطا أساسيا لبقاء المجتمع. فإذا كان جوهر الوظيفة السياسية هو صنع الواحد من المتعـددالتي تحافظ على بقاء وجود الناس "معاً" نحو غاية معينة، فإن السياسة LA كممارسات هي التي كثيرا ما تفرق بينهم . من هنا تبرز أهمية السلطة السياسية وسبب وجودها باعتبار أنها تسمح للمجتمعات الإنسانية أن تحقق الوحدة من خلال التنوع، والالتحام والاستمرار حتى أثناء مراحل التحول المتقطعة. إنها تسمح للمجتمع بالتجديد دون أن تتسبب في التفسخ.
10- وإذا كان المفهوم المتداول والشائع لا يميز بين مفهومي السياسة (المتعلق بالبنية) والسياسة (المتعلق بالنشاط والممارسات)، فإن أهمية هذه التفرقة تكمن فيأن ما يهم الأفراد في مجتمع مستقر ومتقدم ليس مفهوم السياسة (البنيةstructure)ولكن ما يهمها هو المفهوم الآخر (الأسلوب STAYLE?)؛أي السياسة كأفضل تكنيك لتحقيق الفكرة الجماعية المستقرة، وباعتبار أنها تمثل نشاطا وممارسات لذلك الإنجاز. وذلك عكس ما ينشده الأفراد في مجتمع متخلف وغير مستقر؛إذ أن ما يبحثون عنه هو السياسة كبنية تخلق التماسك الوجودي للكائن الوطني،وتؤسس قواعد الحياة المشتركة ابتداءً فيما بين مجموعات جزئية منغلقة على نفسها أو تتجاذب الانغلاق تجاه بعضها.
11- يوازي ذلك ، ما ذكرناه في (مقال دستوريات3)، إنه، يجب معرفة أن لـ"مأسـسة" السلطة السياسية مستويين: مأسسة السلطة ذاتهاكسلطة دولة، ومأسسة ممارستها كسلطة داخل الدولة. ويقصد بالمأسسة في المستوى الأول: من ناحية، فصل السلطة السياسية ذاتها عن الأشخاص ثم تحويلها من سلطة فرد إلى سلطة دولة ، ومن ناحية أخرى؛ خلق مؤسسات، نظم، جيش، قضاء، مالية، قوانين، إلخ، تتعلق بكيان الدولة ذاته. أما المستوى الثاني، فيقصد به مأسسة النظام السياسي في إطار الدولة القائمة من خلال مأسسة العمل السياسي الرسمي وغير الرسمي، وسواء في ظل نظام حاكم قائم أو في غضون محاولة تغيير نظام سياسي قائم أو تعديله ... حيث يتم ذلك داخل الدولة. ولذلك يتطلب تحقيق مأسسة السلطة، خاصة في البلدان الناميةابتداءً، إنجاز المستوى الأول من مأسسة السلطة ذاتها؛ كي يتحقق لها بعد ذلك بناء نظام سياسي سليم، وهو عكس ما تقوم به حاليا ؛ إذ تظل شخصنة السلطة قائمة في العمق، مع وجود مظاهر المأسسة على السطح. وهذا ما يفرض علينا التساؤل حول كيفية تحويل الدولة الشكلية إلى دولة حقيقية.
12- وأخيراً، فإنه إذا كانت السياسة كلفظ تعتمد على تاريخ الكلمات،وتعريف السياسة كعلم يعتمد على تاريخ الأفكار ؛ فإن مدلول الكلمة يؤثر، ولا شك، على موضوعها العلمي. ومع ذلك ، وفي كل الأحوال، فإن السياسة من حيث الواقع الاجتماعي إنما تتعلق بالإنسان؛ فإذا كان للحيوان أن يكون اجتماعيا، فإن الإنسان هو وحده الكائن (السياسي)؛فبدلا من العيش في قطيع ، فإن خاصيته المميزة هي العيش في قلب التنظيم الجماعي الذي يُشكل الدولة والتي هي بالنسبة له فيآن واحد؛ضرورة طبيعية ونموذج فكري، ومرحلة وجودية وكيان اخترعه... لماذا ؟ حتى لا يشعـر الإنسانأنه خاضع لقوة إنسان آخر (أنا الدولة) ، وإنما هو موجود في حضرة دولة (نحن الدولة)؛ مما يشعـرهأنه بحضن دولة تصون كرامته،فتعـلو هامته !!!

  
تعليقات:
الإخوة / متصفحي موقع الوحدوي نت نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى مدارات
مدارات
عبدالرحمن بجاش
عن ساكني صنعاء
عبدالرحمن بجاش
علي عبدالملك الشيباني
يا نفس ما تشتهي؟!
علي عبدالملك الشيباني
محمد جميح
دروس السبع العجاف
محمد جميح
غمدان أبو أصبع
الجنوب العربي.. إسم بلا هوية
غمدان أبو أصبع
د. عبدالله فارع العزعزي
ما أرخص الإنسان في وطني
د. عبدالله فارع العزعزي
علي عبدالملك الشيباني
قهري عليك يا جنوب !!
علي عبدالملك الشيباني
المزيد