توفيق الحرازي
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed مدارات
RSS Feed توفيق الحرازي
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
توفيق الحرازي
رحلة الألف عدد.. تبدأ بموقف!!


  
السفر إلى أيام البردوني
بقلم/ توفيق الحرازي
نشر منذ: 3 سنوات و شهرين و 13 يوماً
الأحد 06 سبتمبر-أيلول 2015 10:29 ص


في كل مرة أحاول الهروب من الكتابة عن الراحل العظيم.. حتى في أوقات الرخاء والسلام.. فما بالك اليوم ونحن نعيش أسوأ مراحل اليمن في التاريخ ياصديقي محمود.. حيث الظلمة والحصار والقصف وصوت الطائرات والمضادات يطمس الذاكرة.. وجنون الدم يعربد في المدى.. وأخبار القتل والدمار بين إخوة الوطن تُسمم الروح لتقتل الرغبة في الكتابة والأكل والشرب والحلم.. فما الذي سأتذكره عن رفقة عشر سنوات متواضعة في حضرة عظيم اليمن عبدالله البردوني؟ وماالذي تستطيع قوله في ذكراه السادسة عشرة؟؟ رُفعت الأقلام وجفت الصحف!!

هي هذه الحِقب التي كان يكرهها البردوني، ويحذر منها ويستعيذ، ويشعر فيها بالغربة والوحشة.. ولعل الملايين من محبيه غالباً مايتساءلون لو أن البردوني بيننا اليوم، لو أنه عاش حتى يرى هذا الجنون كيف كان سيبدو موقفه؟ أين كان سيتموضع؟ وعلى اي جانبيه سيميل؟ وماذا سيقول؟؟ وكيف كانت تمر عليه مثل هذه المحطات السوداء؟

لعلي هنا أتذكر محطة مشابهة؛ قريبة نوعاً ما؛ عايشته فيها عن قرب ولاحظت كيف يعيش تفاصيلها.. آخرها حرب الانفصال المشؤومة صيف94 .. كان يشعر فيها بالغصة والاختناق.. رغم فارق الحربين والظرفين والزمنين، إلا أنهما يتشابهان في أجواء الدم والدمار، وقتال الأخوة والانقسام المروع..

في فترة حرب الانفصال كنت ألمس تغيراً طارئاً على أحواله وبرنامجه اليومي.. ففترة عملي المعتادة معه كانت في المساء لساعتين يومياً.. نستقبل فيها ضيوفاً وأصدقاء من الداخل أو زواراً من الخارج.. كان معتاداً على القراءة اليومية بنهم، أو الكتابة الغزيرة للصحف المجلات والاذاعة.. غالباً ما أقرأ وأكتب له.. تلك عادته باستمرار.. اتقاسمها مع العزي الشاطبي- رفيق دربه الطويل.. وقد أتناوب مع زملاء آخرين وبعض رفاقه الأثيرين.. أما في حرب الانفصال فقد تراجعت رغبته في الكتابة والقراءة إلى أقصى درجة.. كانت تمر فترة المساء ونحن في دردشة (هدرة) على غير العادة؛ عن أحوال الناس وقصص الحرب.. وإذا ملّ منها يناولني كتاباً من الرف ليقول: "أرِحنا يافتى".. لأن ذروة راحته في القراءة.. لكن كنا إذا قرأنا صفحات من كتاب؛ أو شرعنا في الكتابة لصحيفةٍ ما؛ سرعان ما يمل، قد يختصر ويعتذر عن مواصلتها ليقلّب موجة الراديو القديم؛ أنيسه الذي لم يكن يفارقه في خلوته؛ بحثاً عن أخبار الحرب وإلى أين وصلت.. كان شغوفاً بإذاعة دمشق.. تليها صوت العرب ولندن.. أو قد أجده يتثاءب أثناء قراءتي ليستسلم للنوم بلا استئذان، فأجد نفسي مضطراً للمغادرة مبكرا!!.. وأحياناً أتغيب ليساعده أساتذة أو أصدقاء أو تلاميذ آخرون.. وما أكثر محبيه!

في تلك الحرب كان أحد ضيوفه متألماً مما يجري بين رفاق الوحدة، وغير مصدق لانفجارها، فسأله بعفوية: ياأستاذنا هل يرضيك ان يتقاتل اليمنيون وهم أرق قلوباً والحكمة يمانية؟ وماذنب الوحدة وهي نعمة وأعظم منجز عملوه؟.. فعقد البردوني حاجبيه بظرافة ثم أطلق ضحكته المشهورة وأجاب: النبي كان يقصد أبو ذر وأصحابه.. أما أصحابك طول عمرهم يتقاتلوا.. تلك أمةٌ قد خلت".. فضج الحاضرون بالضحك!

أيضاً أتذكر موقفاً ظريفاً في تلك الفترة..

 كانت علاقة اليمن بالكويت والخليج في أسوأ مراحلها ووصلت الى حد القطيعة الكاملة منذ حرب صدام مع الكويت وموقف اليمن العفوي منها وموقف الكويت من الانفصال.. يومها أتذكر ذات صباح وأنا في مهمة مؤقتة بدلا عن رفيقه الشاطبي.. جاءه اتصال هاتفي مفاجئ ونحن نكتب لصحيفة الوحدة.. رفع الأستاذ السماعة.. دار بينه وبين المتصل حديث.. ثم سمعته يقهقه ويرد على المتصل: " أرجو أن تعفوني من المهمة يافندم.. ما أنا إلا مواطن بسيط من الرعية حقكم.. لا معي سلطة ولا علاقات دبلوماسية ولا أعرف اتوسط في هذه الأمور.. معاكم سفراء ومسئولين يتولوا المهمة"!

لفتني هذا الرد.. فسألته بعد المكالمة: ممَن الاتصال يااستاذ؟

قال: مِن الرئيس!!

قلت: ماشاء الله.. ايش المناسبة؟

قال: بلغوه ان الكويت بيستضيفوني في المهرجانات والجوائز والسفريات ويستكتبوني في مجلاتهم بدون انقطاع.. ومستغرب كيف بيننا تواصل وعلاقة طيبة مع البردوني بالذات.. رغم القطيعة والحقد بين اليمن والكويت!!

قلت: يااستاذ انت قامة ثقافية.. طبيعي يكرموك العالم.. ما علاقتك بالقطيعة؟؟

أجاب: بيقول لي ان الكويت معصلجين، مش راضين يسامحوا اليمن.. فقالوا نشتي نستغلك تتوسط لنا نرد العلاقات مع الكويت حتى لا يمعنوا في الحقد والإضرار؟.. معتقدين اننا ممكن أنجح في المهمة افضل من حقهم الوزراء والسفراء"..

قلت: وما المانع يا استاذ؟ قد يصلح الشعر ما أفسدته السياسة!!

قال مقهقاً: "على غيري.. مش عاجب لهم علاقتي الطيبة بالكويت.. يشتوا اتوسط ليخربوها عليّا؟؟.. اكتب سكتة"..!!

أغلقت فمي مقهقهاً.. وعدت لمواصلة الكتابة له.. وكل شوية أحاول أن أكتم الضحك دون جدوى.. لكن بصمت حتى لا أقطع حبل أفكاره!

رحم الله الأستاذ.. كانت هذه المهمة الديبلوماسية فكرة ذكية لاستغلال الثقافة في رأب الصدع.. وكانت فرصة ذهبية للسفر والهروب من كآبة الأوضاع في البلد حينها.. كان كثيراً ما يسافر ويلبي دعوات المهرجانات، لكن حتى شغفه بالسفريات تراجع بشكل لافت.. لقد انكسر شيء في القلب عقب حرب الوحدة دون شك..

موقفه معروف من الوحدة.. وكثيراً ماكانت جرأته تعرّضه للمتاعب بسبب قراءاته الساخنة.. ولعله أول من تنبأ بنكستها.. ليس لأنه انفصالي .. كان وحدويا حتى النخاع.. بدليل قصائده التي لا يخلو بعضها من التغني بالوحدة العربية.. بل لأنه كان يقول: ما بُني على باطل فهو باطل!!

كان يردد: الوحدة تمت بدون مصارحة للشعب عن تفاصيلها ومادار بين صالح والبيض عندما وقعوا الاتفاقية، وكيف ستكون الشراكة.. وكيف تمت بدون ضمانات لترسيخها.. حتى لا يتحول حلم الأجيال الى لعنة تسيء لقيمتها العظيمة!

هذا بعض ما جادت به الذاكرة في ذكرى العملاق.. وهناك الكثير بالتأكيد.. لكن أحاول أن انفض غبار النسيان عبثاً.. لقد أفقدتنا الحرب الصواب.. فما يجري اليوم أمرٌ يخلع الألباب ويحرق ماتبقى من ذاكرة!

كان الوطن قضية البردوني طيلة ستين عاما .. اشتغل عليه في كل شعره ونتاجاته.. رافق أوجاعه وأحزانه، وعاصر كبواته وخيباته.. تجده في شعره ينتقد ويجلد بقسوة.. لكنها قسوة المتألم حد البكاء.. كان يحلم بوطنٍ معافى ومستقبل خالٍ من أمراض الأمس.. وطن تتسلمه أجيال قادمة لم تجد من جيل اليوم ما ترثه غدا لتفاخر به..

نحمدالله ان البردوني لم يعش حتى يرى هذه اللحظة الكارثية.. أحسبه كان سيهجو هذا الجيل أسوأ مما هجاه توأمه "المقالح" ولن يكون أقل منه حين قال:

ماليس مقبولاُ ولا معقولا ** ان يصبح اليمن الحبيب طلولا

أن يشتوي بالنار من أبنائه ***ويناله منهم أذىً وذهولا

الراكعون لكل علجٍ أجربٍ ***والخاضعون أذلةً وخمولا

يتقاتلون على سرابٍ خادعٍ ***ويرون فيه المغنم المأمولا

وطن يباع على الرصيف بحفنةٍ ***من مال اسرافيل او عزريلا

لا يسمعون نداء صوتٍ عاقلٍ***او ياخذون الى الوئام سبيلا

لعنتهم الاحفاد في أصلابهم *** ونفتهم الأجيال جيلا جيلا

 
تعليقات:
الإخوة / متصفحي موقع الوحدوي نت نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى مدارات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
همدان العليي
مهام سياسية لمنظمات دولية في اليمن
همدان العليي
مدارات
حسين الوادعي
عن معركة صنعاء
حسين الوادعي
محمود ياسين
أيها الكاتب
محمود ياسين
نبيل سبيع
اعتراف.. تأخر كثيراً
نبيل سبيع
حسين الوادعي
أجمل طفل غريق في العالم!
حسين الوادعي
عارف أبو حاتم
تعز مأوى الأحرار
عارف أبو حاتم
فائز عبده
غلطة الشاطر..
فائز عبده
المزيد