آدم الحسامي
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed مدارات
RSS Feed آدم الحسامي
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
آدم الحسامي
تعز.. دلالات على هامش المعركة
إلى سيدة المشاقر: ثلاثة سيناريوهات أمام معاليك!
إلى سيدة المشاقر: ثلاثة سيناريوهات أمام معاليك!
عن رمزية الثورة...سبتمبر التي تكرّست، فبراير التي انتكست
غزوة هاشم علي
مقترحات لنتدارك أزمتنا الأخلاقية إزاء إرث البردوني
مقترحات لنتدارك أزمتنا الأخلاقية إزاء إرث البردوني
سميح القاسم: ارحموني من هذه التوأمة القاسية!
أميرة أنور عكاشة تجترّ «سرايا عابدين»
لم نردها باهظة..انحرفت زائفة
أنصارٌ للهِ ولشرْعةِ نبيّهِ لم يمسّوا خنجراً
اعتقال وإخفاء أكاديمي يمني في الإمارات
اعتقال وإخفاء أكاديمي يمني في الإمارات


  
بحثاً عن السريالية في قرية شرعبية
بقلم/ آدم الحسامي
نشر منذ: 3 سنوات و 11 شهراً و 5 أيام
الإثنين 13 أكتوبر-تشرين الأول 2014 11:21 ص


لقضاء إجازة العيد في قريتي المتشبثة بخصبها وبينابيعها دون أن تأبه برياح تشرين، عبر أوعر طريق قد يخطر على بال سيارة يابانية، مع أنها قرية قريبة من المدينة، حيث نرى أضواء تعز من على قمم جبالها. المسافة القريبة حسابياً والبعيدة سفراً واقعياً، أولى المفارقات التي تجابهك بها "العزلة" الواقعة بين مديرتي شرعب الرونة وشرعب السلام "بني الحسام"، المكونة من عدة قرى وأودية تفصلها جبال سامقة كأنها جدران بيت واحد. على أن هذه العزلة، حسب التسمية التي فرضها الأئمة، لعزْل القرى اليمنية عن بعضها، مفارقة أخرى، إذ لم تكن "بني الحسام" بمعزل عن المجريات والأحداث والتحولات المعتملة في اليمن والعالم، حيث استقبلت هذه العزلة المنفتحة! جلّ الحركات السياسية والثورية منذ الاحتلال العثماني، مروراً بالتيارات السياسية، قومية، يسارية، إسلاموية، في النصف الثاني من القرن الـ20، وليس آخرها حلبة الصراعات الحزبية بعد تحقيق الوحدة، كأنموذج مصغر للحياة السياسية في اليمن. ثم إن الأحداث السياسية والحياة الحزبية بعد 1990 تحديداً بعد انتكاسة حرب 94، قد تكون المدخل الأنسب للحديث عن المهمة الرئيسية من سفري إلى القرية، أي البحث عن قصائد "الشعر الدوخشي" كأبرز أنواع الشعر الشعبي التي انبثقت في بني الحسام في عقد التسعينيات، ضمن أنواع شعرية أخرى معظمها ساخرة، عوضاً عن الأحزاب الافتراضية الساخرة التي تشكلت موازية للأحزاب المتصارعة، كحزب الحمير، حزب المفلقين، حزب الدبّيهة.. وقد صاحبت هذه الأحزاب السياسية الساخر قصائد شعرية معبرة عن برامج ورؤى توغل في التهكم من الانتكاسة الوطنية على كل المستويات سياسية وثقافية، وأهمها المستوى الاقتصادي والمعيشي، كما الإحباطات التي منيت بها الأجيال السبعينية والثمانينية، كذلك الأجيال الجديدة التي تفتح وعيها على مسرحيات التعددية الحزبية والبطالة والاحباطات الوطنية والقومية التي ألجأتهم إلى ابتكار الأحزاب الافتراضية الساخرة، والأهم تلك الحركات الشعرية التي ابتدعها شعراء بني الحسام، ومنه الشعر الدوخشي.

ويسمى الشعر الدوخشي بالشعر الشلف، إذ تعني التسمية الأولى الخليط العشوائي غير المتجانس، والثانية مستوحاة من الأحجار الهامشية غير المصقولة في البناء، ولتلك دلالة؛ حيث إن شعر الشلف يستخدم الكلمات بطريقة اعتباطية في بناء القصيدة، كما تبنى "الديمة" بطريقة تلقائية دون تخطيط مسبق ودون قصدية وظيفية.

استمعت إلى نماذج قليلة من الشعر الدوخشي بعد مغادرتي القرية إلى مدينة عدن، كتلك المقطوعة المؤسِّسة للشاعر محمود عبده صالح: ثنتينْ ذرورْ قامينْ بالدساسةْ/ وأطلقينْ عَ الجولبةْ رصاصةْ/ دجّي الدْهوف تحلمْ بالرئاسة".

في بني الحسام فقط تقوم اثنتان من الذرور "النمل" بالدساسة والتآمر على الجولبة "اليمامة"، ثم ما علاقة هذا الصراع بالدجّي (التسمية التصغيرية للدجاجة في شرعب) التي تحلم بالرئاسة؟

وكقصيدة الشاعر عبده الحيدري: جنيتْ من عنقودَ احْلامي/ فراسلْ تُتَنْ/ وزّعتهِنْ يشربين القهوةْ معطّرْ بملحْ/ ويدْهُنين بالمفارصْ/ ويطلعين منزل/ يردّين لي الكسب/ وأنا فوق العلبة/ أجدّلْ ثُعَبْ.

هذه القصيدة رأيت فيها تمثّلات الحداثة الشعرية كتراكيب غريبة وصادمة للمتلقي "عنقود أحلامي"، وحيث ينتظر المتلقي أن يجني الشاعر عنباً أو حتى حلوى، إذ إن "الفراسل" مقياس وزني للحلوى، ينصدم المتلقي بحقيقة المرحلة، أي حصاد أحلامنا المتمثل بالتتن، وهي التسمية الشعبية للتبغ!

أبهرني هذا التهكم الشعري من الواقع برمته إن لم نقل من الحقيقة ذاتها، ومن المنطق الذي تزيّف، فأراد هؤلاء الشعراء السخرية من الزيف بتداعيات شعرية لا تتحكم بها مواضعات اللغة والمجتمع وما أفرزاه من تكريسات أدبية وقوانين تجرّأوا عليها في قرية منسية، كما جرؤ رواد الحركة السريالية في باريس الأضواء.. على أن الفن السريالي لم يقترب كثيراً من الشعر مثلما توغل في الفنون البصرية وبعض الأنواع السردية كذلك مسرح العبث. أي أن المدرسة الدوخشية قد تعد من أجرأ التمثلات الشعرية للحركة السريالي التي تعتبر حسب أحد منظريها "فوق جميع الحركات الثورية"، فهل كان الشعر الدوخشي فعلاً نقداً للثورات المنتكسة بفعل عقلانيتها الزائفة؟! لم أكتفِ بهذه النماذج القليلة التي وصلتني، قلت سأذهب إلى النبع أجمع نتاجاً فنياً أراه من أهم ما أُنتج في الشعر الشعبي.

وصلت إلى القرية والأمطار المستمرة ليلاً ونهاراً في غير موسمها أقلقت المزارعين على غرسهم، خلخلت السقوف وتسربت القطرات عبر ثقوب السقوف الترابية إلى منامات أهل القرية الذين واصلوا سخريتهم من المشهديات الغريبة لحياتهم، كذلك الطفل الذي قال لي إن الدنيا صحو وما زال بيتنا ممطراً! على أن الزمن كان أبرع سخرية وتهكماً من شعراء بني الحسام، حيث وصل بهم إلى اختيار إجازة اختيارية من الشعر وحتى من السياسة التي ملّوا من سورياليتها. جلّهم منهمكون في دوامة البحث عن لقمة العيش، الأقسى أنهم لم يدونوا نتاجهم أو أضاعوا أوراقهم في غيابات النسيان. لكنهم لم يبخلوا عليّ حين رأوا إصراري على جمع النتاج الشعري لأغراض بحثية سأشتغل عليها لاحقاً في تناولات متأنية ليست كهذه العجالة الخاطفة التي لم تتسع لدراسة منصفة لشعراء بني الحسام: محمود عبدالواحد، عبدالحكيم محمد مقبل، عبده الحيدري، محمود عبده صالح، عبدالله محمد أنعم، وضاح عبدالله محمد، فؤاد محمد أحمد صلاح، مختار حمود... نتاج شعري منه الفصيح المواكب لأحدث الحركات الشعرية الحديثة، ومنه الشعبي المتميز بمدارسه التي لم أجدها خارج القرية السريالية الشرعبية!

هنا أبيات من أحدث قصيدة دوخشية لمحمود عبده صالح:

حاميْ حَمَا ثلجْ ساقِعْ مثلما البركان/ والطائرةْ في ضروس النوبْ تتقلبْ

سافرت شهرين من حدة إلى سعوان/ ودقيقتين بس من طهرانْ لا شرعبْ

زعلت لما رأيت العُنصرةْ زعلان/ والبُقري مقلوبْ والدجي لها تسحبْ

 

ــــــــــــــ

* السريالية "أي ما فوق الواقعية أو ما بعد الواقع"، هي مذهب أدبي فني فكري نشأ في فرنسا، أراد أن يتحلل من واقع الحياة الواعية، وزعم أن فوق هذا الواقع أو بعده واقعاً آخر أقوى فاعلية وأعظم اتساعاً، وهو واقع اللاوعي أو اللاشعور، وهو واقع مكبوت في داخل النفس البشرية، ويجب تحرير هذا الواقع وإطلاق مكبوته وتسجيله في الأدب والفن .

    
تعليقات:
الإخوة / متصفحي موقع الوحدوي نت نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى مدارات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
د. علي مهيوب العسلي
عام هجري جديد ..لا عام تهجير جديد. ولاعام ترحيل لمشاكلهم ..!
د. علي مهيوب العسلي
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
قادري أحمد حيدر
صباح الراتب
قادري أحمد حيدر
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
د. علي مهيوب العسلي
حكاية جديدة.. من وسط الحكايات والكتابات الساخرة
د. علي مهيوب العسلي
مدارات
فائز عبده
العيد.. إذ فقد بعض معانيه
فائز عبده
فخر العزب
لنا سيفٌ به نثقُ
فخر العزب
د. عبدالله الخولاني
الموقف الوحدوي : أكتوبر شهر الأفراح والأتراح في هذا الجو الكئيب
د. عبدالله الخولاني
الوحدوي نت
السلطان.. والثائر الشهيد
الوحدوي نت
فتحي أبو النصر
شعب تلاحقه اللعنات لأنه فرط بدم إبراهيم
فتحي أبو النصر
د. أحمد قايد الصايدي
الطائفية خطر يهدد التعايش الإجتماعي
د. أحمد قايد الصايدي
المزيد