د.عبد الودود الزبيري
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed مدارات
RSS Feed د.عبد الودود الزبيري
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
د.عبد الودود الزبيري
تعويم أسعار المشتقات النفطية تشريع للنهب
تحالف صالح والحوثي وخطر الحرب الطائفية
شهيد التوافق المفقود...!!!
شهيد التوافق المفقود...!!!
فريق التنمية المستدامة ووهم التأسيس للتنمية المستقبلية ...!!!
وزارة التخطيط والتحول الاقتصادي في ظل غياب الرؤية وشكل الدولة ...!!!!
الفساد المنظم المسكوت عنه.. شركة السلامة للفحص الدوري للسيارات نموذجاً ...!!!
الفساد المنظم المسكوت عنه.. شركة السلامة للفحص الدوري للسيارات نموذجاً ...!!!
الوقوع في حضن القبيلة لإدارة وتسيير الدولة ..!!
إعادة إنتاج التهميش في المؤسسة العسكرية..!!


  
نفط الكلفة والنهب المنظم للثروة اليمنية..!!
بقلم/ د.عبد الودود الزبيري
نشر منذ: 4 سنوات و 11 شهراً و 30 يوماً
الخميس 14 نوفمبر-تشرين الثاني 2013 02:58 ص


إن اتفاقيات الاستثمار في القطاع النفطي تضمنت أحد البنود المهمة والمتمثل بنفط الكلفة، والذي يكفل للشركات الأجنبية استعادة استثماراتها الرأسمالية في الآلات والمعدات والإنشاءات المختلفة المستخدمة في البحث والتنقيب وبالتالي الإنتاج، وهي تعمل على سرعة استعادة هذه الاستثمارات من نفط الكلفة الذي يُسْتَقطَع من إجمالي إنتاج النفط قبل تقاسم صافي الإنتاج وفق اتفاق المشاركة بين الشركة والحكومة اليمنية. إلا أن هذا البند يعد من البنود المرنة جداً والأكثر ضبابية وغير المسيطر عليه في جانبه التنفيذي والفني من الجانب اليمني، فهو العنصر الأكثر فاعلية في التأثير على حجم التكاليف الإنتاجية، حيث تحصل من خلاله الشركات النفطية على نسبة عالية جداً من الإنتاج، تجاوزت في بعض القطاعات الإنتاجية نسبة 70% من إجمالي الإنتاج، بحجة انخفاض الاحتياطيات وارتفاع تكاليف الإنتاج وحاجتها إلى سرعة استعادة استثماراتها الرأسمالية في الشراكة. وهو أيضاً يستقطع كميات كبيرة من النفط جراء هذا الاستثمار وعلى حساب الثروة الوطنية. في ظل عدم تحديد سقف معين لحجم رأس المال المستثمر الواجب استعادته من نفط الكلفة ولا تحديد الفترة المتوقعة لاستعادته. وعلى سبيل المثال بدأ تنفيذ مشروع تنمية وتصدير الغاز عام 1998 تقريباً، وعلى الرغم من ذلك لا زالت قيمته الصافية غير معروفة، ولا تكاليف التطوير والنقل والتسييل حتى عام 2008 لَمْ تتحدد،(1) وتظل الشركات تستقطع نفط الكلفة لاستعادة الاستثمارات المستخدمة في عمليات الإنتاج ودون تحديد دقيق ومسبق لهذا الاستثمار، حيث إن التحديد المسبق لحجم الاستثمار الرأسمالي يسهل متابعة استرجاعه وجدولته على مدى زمني محدد من فترات الاستثمار، إلا أن اتفاقياتنا النفطية لم تولي هذا الجانب الأهمية الكافية التي تعكس الولاء الوطني أو الحرص على الثروات العامة، رغم أن بعض الاتفاقيات تضمنت تحديد نسبة استعادة التكاليف والمصروفات بما يساوي 30% كحد أقصى في السنة من النفط المنتج والمدَّخر، وتضمنت استعادة نفقات التنقيب والتنمية وغيرها من النفقات والمصاريف،(2) كما هو في اتفاقية شركة هنت اليمنية والتي تعد أول اتفاقية للمشاركة في الإنتاج. والتي لم يتم تحديد حجم رأس المال المطلوب استعادته والمستثمر في منطقة الامتياز ولا الفترة الزمنية لذلك في قطاع المشاركة. وعلى العكس منه الإنفاق التشغيلي الذي هو مستمر باستمرار الإنتاج وبالتالي استعادته في سنة التشغيل أو السنة التالية لها، إلا أن رأس المال المستثمر في الآلات والمعدات والإنشاءات المختلفة يفترض تحديده أو تقديره مسبقاً وبالتالي توزيع تكاليفه وفق آلية معينة على سنوات محددة من الإنتاج، وهو ما لم يتم تحديده في اتفاقياتنا النفطية، حيث يتم نقل ملكية هذا الاستثمار إلى الحكومة اليمنية بعد استعادته من نفط الكلفة كما تضمنته بعض الاتفاقيات. إلا أن الواقع الفعلي يترك ذلك للشركات العاملة ويقل تدخل الجانب الحكومي أو يكاد ينعدم الدور الرسمي في التحكم والرقابة على هذا البند.

وفي اتفاقية القطاع رقم (34) البالغ مساحته 7015.99 كم2 والتي وصلت فيه نسبة نفط الكلفة إلى 50% كحد أعلى في كل ربع سنة من النفط المنتج وبعد خصم الإتاوة.(3)* وهذا البند في هذه الاتفاقية يعكس التراجع في الحرص على المصلحة العامة للدولة، مقارنة باتفاقية هنت، حيث إن الاتفاقية السابقة كانت في مضمون هذه المادة أفضل، من حيث إنها تكسب الدولة على الأقل 20% فارق نفط الكلفة وكذلك الإتاوة التي حُدِّدت بنسبة 10% من الإنتاج وليس وفقاً لشرائح الإنتاج كما ورد في هذه الاتفاقية الأخيرة.** ولم تتضمن الاتفاقية أسباب رفع نسبة نفط الكلفة أو تخفيض نسبة الإتاوة، وهذا بدوره يخفض من عائدات الدولة من استغلالها للثروة النفطية ومن إهدار واضح لها، وقد يعكس أيضاً القصور الرسمي في الحرص على رفع مستوى العائدات والإيرادات من مصادر الدخل المتاحة من الثروة، ولا اعتقد بأن ذلك وسيلة من حوافز الاستثمار في هذا القطاع، التي تراعي مصالح الشركات الأجنبية برفع أنصبتها من نفط الكلفة ومن تخفيض الإتاوة وعلى حساب المصلحة العامة.

ومن المنطقي في حالة عدم الجدوى الاقتصادية من الاستثمار أو محدودية الاحتياطيات النفطية المكتشفة، عدم القيام بالاستثمار من الأساس وبأن لا يتم استغلال المورد في ظروف لا تحقق الجدوى الاقتصادية ولا تراعي المصلحة العامة للدولة وتخفض من العائد الاستثماري للثروة، حيث إن ذلك يهدر الثروة وتستفيد منها الشركات الأجنبية أكثر مما تستفيد منها الدولة. وبالتالي يترك للشركات فرصة الاستمرار في خصم نفط الكلفة من الإنتاج وبكميات كبيرة نسبياً، وتكون في الغالب تحت سيطرة وتحكم الشركات الأجنبية وفي غياب الرقابة الفعالة للجانب اليمني.!! حيث ترتفع نسبة نفط الكلفة في العديد من القطاعات الإنتاجية، بسبب انخفاض حجم الاحتياطيات وانخفاض الإنتاج والارتفاع النسبي في مستوى التكاليف، إلى مستويات قياسية وصلت إلى 70% من إجمالي الإنتاج في قطاع (4) غرب عياد، وفي البعض الآخر تقرب من 50% في قطاعات S2 ، 9 ، 43 ، 51 ، وتتزايد في بعض القطاعات المسيلة شرق شبوة شرق سار وكما يتضح من الجدول رقم (1).

الوحدوي نت

هذه القطاعات وبالذات قطاع غرب عياد تراجع الإنتاج فيه بشكل كبير أو أن قرار استغلاله غير اقتصادي من الأساس، حيث كان إنتاجه منخفض جداً منذ البداية ولم يتجاوز إنتاجه عن 533 برميل في اليوم عام 2001، وتراجع بشكل مستمر إلى أن وصل إلى 102 برميل في اليوم عام 2009 وكما يتضح من الجدول رقم (2).

وللأسف لم يتم التمييز بين سنوات خصم نفط الكلفة مع تغير أسعار النفط، إلا في بعض القطاعات، حيث إنه من المفترض أن تتراجع نسبة نفط الكلفة حينما ترتفع أسعار النفط والعكس حينما تنخفض، لأن ارتفاع السعر يرفع من قيمة النفط المخصص لتغطية التكاليف السنوية المحددة في بعض الاتفاقيات عند مستوى حوالي 50% من الإنتاج كحد أعلى لكل ربع سنوي، وبالتالي تقل الكمية المخصصة لذلك كما في اتفاقية القطاع رقم (34) و قطاع (53)،(4) إلا أن البيانات الرسمية المتاحة تؤكد إغفال هذا الاعتبار في معظم القطاعات الإنتاجية، وتظل الشركات تستقطع نفط الكلفة باستمرار، وبالتأكيد أن هناك تكاليف للتشغيل السنوي تُستَعاد أيضاً من نفط الكلفة، ولكن المشكلة هي في استمرار استقطاع نفط الكلفة دون تحديد لنهاية هذا الاستقطاع الخاص باستعادة التكاليف الاستثمارية للشركات وعلى حساب الثروة الوطنية، فضلاً عن عدم معرفة متى ستؤول الأصول إلى الملكية اليمنية بعد استيفاء ثمنها من نفط الكلفة.

الوحدوي نت

مع الإشارة إلى أن ملكية الموجودات الثابتة والمنقولة للمقاول الأجنبي تنتقل إلى الدولة في نهاية السنة التي يسترد فيها كامل التكلفة،(5) وهو ما لم تفتينا به أو تشير إليه أية اتفاقية من اتفاقياتنا المتاحة أو منشوراتنا الوطنية الرسمية أو الشعبية وما آلت إليه من الملكية الاستثمارية إلى ملكية الحكومة اليمنية من هذا الاستثمار.

كما أنه ينبغي التمييز عند احتساب نفط الكلفة، في المنشورات الرسمية وهو ما لم يحدث، بين المخصص لاستعادة الاستثمار في الأصول والآلات والمعدات المختلفة والتي يجب تقديرها مسبقاً وتحديد المدى الزمني لاستعادتها من النفط المنتج، وبين التكاليف التشغيلية التي يتم استقطاعها سنوياً مع نهاية كل سنة تشغيلية من النفط المنتج أو السنة اللاحقة للإنتاج.

ومن خلال الإحصاءات المتاحة يتضح تذبذب نسبة نفط الكلفة السنوية المستقطعة للشركات الأجنبية من إجمالي الإنتاج مع اتخاذها مساراً متزايداً بشكل عام خلال ال

الوحدوي نت

فترة 2001-2009، حيث ارتفعت النسبة من 13.95% في عام 2001 إلى 16.72% في عام 2005 ثم إلى 24.69% في عام 2009. وقد تزامن ذلك مع تراجع الإنتاج السنوي للنفط من 160.05 مليون برميل إلى 146.09 مليون برميل وإلى 103.57 مليون برميل بين سنوات المقارنة، رغم تزايد أسعار النفط خلال نفس الفترة، إلا أن نفط الكلفة ظل تقريباً عند مستوياته في السنوات الأولى للمقارنة التي كانت فيه أسعار النفط متدنية، وكان يفترض انخفاضه مع ارتفاع الأسعار، إلا أن ذلك لم يحدث باستثناء عام 2008 وكما يتضح من الجدول رقم (3). 

وقد تزايدت قيمة نفط الكلفة من سنة إلى أخرى وفقاً لمتوسط السعر السنوي، من 513.14 مليون دولار في عام 2001 إلى 1.26 مليار دولار في عام 2005 ثم إلى 1.62 مليار دولار في عام 2009 وبإجمالي وصل إلى 9.67 مليار دولار خلال تسع سنوات من الاستثمار في الصناعة النفطية اليمنية، وكما يتضح من الجدول رقم (3).

وما يلفت النظر مقارنة قيمة نفط الكلفة التي حصَّلتها الشركات النفطية خلال الفترة 2001-2009 والتي بلغت 9.67 مليار دولار(جدول رقم 3) بحجم الاستثمارات المنفقة للشركات العاملة في مجالات الإنتاج والاستكشاف واستثمار الشركات المنسحبة من العمل خلال الفترة 1990-2002 والتي بلغت 7.6 مليار دولار (جدول رقم 4)، وبغض النظر عن عدم اتساق الفترة الزمنية بينهما ، إلا أن ذلك يعكس كبر حجم المتحصلات التي تجنيها الشركات الأجنبية جراء الاستثمار الرأسمالي، والتي تجاوزت قيمة الاستثمارات الفعلية كثيراً. مع استمرار التحصيل من قبل الشركات المنتجة، وما تم تحصيله في السابق يرفع من مستوى قيمة نفط الكلفة المحصلَّ كثيراً، وهو ما يعكس الارتفاع الكبير لما تفقده الدولة من الثروة الوطنية للوفاء بهذا البند، في الوقت الذي يقل فيه نصيب الدولة صاحبة الثروة من العوائد والإيرادات النفطية بقدر هذه التكاليف الباهظة.

 

هذه السياسات المتبعة للاستثمار في القطاع النفطي والتي تمكننا من التشكيك والاعتقاد بغياب الرؤية الوطنية التي ترفع شأن العائدات من الاستثمار في الثروات الوطنية وتعطي الأفضلية للاستثمارات الأجنبية، كما تعطي الانطباع باللامبالاة في الثروة العامة وتمكين المستثمرين من السيطرة وجني المزيد من الأرباح وعلى حساب ثروة المجتمع ومزيداً من الإهدار لحقوقه التي لم تمكن القائمين عليها من الحفاظ عليها وحمل أمانة المجتمع في رعايتها كما ينبغي.

 

الإتاوة ومستوى إيرادات الدولة

ويعطينا بند الإتاوة التي تدفعها الشركات مقابل ريع الأرض المستغلة في إنتاج النفط، رغم أنه يعد مصدر دخل نسبي للدولة، صورة من صور الإهدار الممنهج للثروة الوطنية في مختلف جوانب استغلال الثروة النفطية، حيث أن بعض الاتفاقيات المتاحة تضمنت آلية تحصيل مربوطة بمستويات إنتاج متفاوته، فمن اتفاقية المشاركة في الإنتاج بين اليمن وشركة هنت، تقضي في مادتها التاسعة الفقرة (هـ) على أنه من تاريخ الإنتاج التجاري الأول، تملك الدولة الحق في الحصول على إتاوة واجبة على مجموع كمية البترول المنتج والمحتفظ به في منطقة الاتفاقية، وبنسبة 10% من قيمة الإنتاج الزائد عن 100 ألف برميل في اليوم.(6)

هذا النص المشروط للحصول على الإتاوة كنسبة من قيمة الإنتاج وليس من كمية الإنتاج وعند مستوى يتجاوز 100 ألف برميل في اليوم، وفي إطار العمل على تحقيق المصالح الخاصة من قبل الشركة، يفقد الدولة الإتاوة في الإنتاج الأدنى من مستوى الإنتاج المشروط، وقد يعطي فرصة للشركة لعدم الوفاء به أو التحايل عليه في حالة الإبقاء على الإنتاج عند مستوى أقل من 100 ألف برميل في اليوم وخاصة في الحقول الصغيرة أو منخفضة الاحتياطيات وهي السمة الغالبة لمعظم القطاعات الإنتاجية اليمنية، أو التلاعب بالسعر، مما يحرم الدولة الكثير من حقها في الإتاوة. وحتى مرحلياً قد يتمادى المقاول-الشركة المنتجة أو المشغِّلة- عن عدم رفع الإنتاج لكي لا يدفع الإتاوة بحجة انخفاض مستوى الإنتاج، ليس ذلك فحسب بل أن الشركة لم تقدم للدولة مقابل الإتاوة وفقاً لهذه الاتفاقية، وخاصة في السنوات الأخيرة من الاتفاقية، سوى 1.1% في عام 2001، و 0.66% في عام 2002، و0.12% في عام 2003، ولم تصل حجم الإتاوة الفعلية نسبة 5% في معظم القطاعات الإنتاجية، باستثناء قطاعي رقم (5) و(9).

ولغياب المعلومات عن مسار تحصيل الإتاوة خلال الفترات الماضية لأمكننا التحقق من مدى تحصيل الإتاوة. وللأسف ليس هناك من الاتفاقيات المسموح بتداولها وخاصة اتفاقيات القطاعات الإنتاجية للتحقق من محتويات بنودها وخاصة بند الإتاوة ونفط الكلفة، ومدى اتساقها وما تم تحصيله من عوائد الإتاوة أو خصمه من نفط الكلفة لمصلحة الشركات المستثمرة. 

ولو نظرنا إلى مستوى الاتفاقيات التاريخية في بعض الدول العربية، حيث كان يتم تحصيل أكثر من 10% من الإنتاج كإتاوة، فقد كانت ليبيا تحصل على 12.5% وفقاً لقانون صادر في عام 1955.(7) وفي ألاسكا 12.5%،(8) كما كانت الكثير من الدول المنتجة تحصل على نفس النسبة من الإنتاج، وبعض الاتفاقيات كانت تتضمن 20% في اتفاقيات كل من السعودية والشركة اليابانية في عام 1957، والكويت وشركة النفط العربية في عام 1958، وفي مصر مع شركة أيني في عام 1963 وغيرها، ووصلت في بعض الاتفاقيات إلى 40% من الإنتاج، كما هو الحال في اتفاقيتي شركة النفط الوطنية الإيرانية مع شركتي بان أمريكان وسفير الأمريكيتين في عام 1958.(9) وتراوحت في فنزويلا ما بين 16.6% إلى 33.3%.(10) وفي النرويج ارتفعت من وضعها الأصلي عند 25% إلى 50%.(11)

الوحدوي نت

هذه الاتفاقيات وغيرها الكثير يفترض أن تعطي للمشرِّع اليمني أو المسئول اليمني الكثير من الدروس والعبر في الحفاظ على الثروة الوطنية عند صياغة الاتفاقيات النفطية، التي غيَّبتْ من هذا الحق كثيراً وفقاً للإحصاءات الرسمية والمتحصل من الإتاوات السنوية، والتي لم تصل في معظم الاتفاقيات إلى 5% من الإنتاج.  والتي تهدر بالتالي الثروة الوطنية، رغم أن بعض الاتفاقيات تنص على شرائح إنتاجية لتحصيل الإتاوة كما هو الحال في اتفاقية القطاع رقم (34)،(12) حيث تبدأ عند 4.5% لمستوى الإنتاج أقل من 25 ألف برميل في اليوم، و 5.5% لمستوى الإنتاج 25 ألف برميل التالية وحتى 50 ألف برميل، ثم 6.5% لمستوى الإنتاج 25 ألف الثالثة وحتى 75 ألف برميل، 8% لمستوى الإنتاج 25 ألف الرابعة وحتى المستوى 100 ألف برميل، و10% لكميات الإنتاج أكثر من 100 ألف برميل.*** مما يعني أن المئة ألف الأولى لا تزيد فيها الإتاوة عن 6.125% فقط وفقاً لهذه الشرائح الإنتاجية، وهو ما يؤكد تغييب تجارب الآخرين وخبراتهم وإهدار الثروة العامة وانعدام الحرص في رفع مستوى عوائد استغلال الثروة النفطية الوطنية. وفي اتفاقية الإنتاج لقطاع رقم (53) قطاع منتج كانت الاتاوة متدرجة وفقاً لمستويات الإنتاج أيضاً، حيث تبدأ عند 3% لمستوى الإنتاج اليومي 25 ألف الأولى، ولترتفع إلى 6% في الـ 25 ألف الثانية، ثم 8% لـ 25 ألف الثالثة، 10% لمستوى الإنتاج الذي يتجاوز 75 ألف برميل يومياً.(13) أي أن نسبة الإتاوة لـ 75 ألف برميل الأولى من الإنتاج لا تتجاوز 5.67%، وهناك انخفاض في مستوى الإتاوات المفروضة في الاتفاقيات عن ما كانت تحصل عليه الدول المنتجة للنفط في ستينات القرن الماضي مع تزايد أهمية النفط في العالم.

ورغم ما تضمنته الاتفاقيات النفطية إلا أن واقع تحصيل الإتاوة كما هو وارد في الجداول رقم (5) يعكس حقائق أخرى غير ما هو وارد في الاتفاقيات، ولو سلمنا جدلاً بتطبيق الشرائح لكانت النسبة أعلى من الحد الأدنى على الأقل، باستثناء القطاع (53) الذي يقرب من النسبة المحددة بـ 3% لتحصيل الإتاوة في الشريحة الأولى، حيث لم يتجاوز الإنتاج 25 ألف برميل في اليوم، إلا أن تلك البيانات تترك علامات استفهام لعمليات تحصيل الإتاوة. وهي بالتالي تقلل من نصيب الدولة في المشاركة وما تعود عليها عملية الاستثمار في القطاع النفطي، وبالتالي انخفاض مستوى إيرادات الدولة من العوائد وضياع جزء من الثروة.

كما أن هناك من العائدات التي تضمنتها اتفاقيات المشاركة من مِنَحْ نقدية تُدفع لمرة واحدة أو سنوياً مثل منحة التوقيع ومِنَحْ التدريب والبحوث والتطوير والدعم المؤسسي لوزارة النفط والتنمية الاجتماعية لمواقع الحقول النفطية ومِنَحْ إنتاجية تتغير بتغير مستويات الإنتاج، وهناك بعض العوائد الضريبية وضرائب الدخل ايضاً. إلا أن هناك في المقابل الكثير من الإعفاءات الجمركية والضريبية والتي تضيِّع على الدولة الكثير من العائدات، وخاصة في ظل تزايد واردات الشركات العاملة في القطاعات النفطية والشركات العاملة معها من الباطن لمختلف بل ولكل احتياجاتها من الخارج. ومن المتناقضات في الاتفاقيات أنها تفرض على الشركات دفع 50% ضريبة دخل، وتتضمن نصاً يعفي المقاول من كل الضرائب اليمنية والفروض والرسوم والواجبات بما في ذلك تلك المتعلقة باستخراج وإنتاج ونقل البترول المنصوص عليه في الاتفاقية، وتتحمل الوزارة مسئولية الدفع نيابةً عن المقاول.(14)

مما يعني عدم تحصيل ضرائب الدخل من الشركات الأجنبية العاملة في القطاع النفطي باستثناء ضريبة ثابته يبلغ قدرها 3% فقط من المصاريف الفعلية الخاصة بالاستكشاف المحملة والمدفوعة للقيام بالعمليات البترولية.

ومصطلح المحملة هنا من ضمن المصطلحات المبهمة الواردة في الاتفاقيات اليمنية فقط والتي لا تعطي وضوح كاف للمعنى، غير أنه يستنتج منه أن الشركة الأجنبية تتحمل النسبة من الضريبة للمصاريف المدفوعة والمحملة بالميزانية التشغيلية السنوية للشركة ...!!، أي أن النسبة تحسب على المصروفات التشغيلية للشركة فقط، وليس على الإنتاج أو الأرباح من مزاولة النشاط.

هذه العوائد في حالة تحصيلها توفر بعض الموارد النقدية من الشركات النفطية لمواجهة بعض متطلبات التدريب والبحوث لكوادر وزارة النفط والمؤسسات التابعة لها، بهدف رفع مستوى كفاءة الأداء للعاملين وتوفر بعض الآليات والتجهيزات الفنية للدعم المؤسسي وغيرها، وتعمل على دعم التنمية المحلية في تنفيذ بعض المشاريع الخدمية للمحليات التي تتواجد بها الحقول النفطية، فضلاً عن مِنَحْ التوقيع والإنتاج التي تُدفع للوزارة، إلا أن معظم هذه العوائد قد تَضِلُّ طريقها إلى الخزينة العامة للدولة أو معظمها، وخاصة في بيئة تغيب فيها الرقابة وتسيطر جماعات أو أشخاص على مقاليد الأمور النفطية، وهي في الغالب ليست هبات ولا مكرمات تُقدم من الشركات للمستهدفين منها دون مقابل، حتى ولو لم تتضمن الاتفاقيات طرق استعادتها فهي في الغالب تستعاد من نفط الكلفة أو من فوارق أسعار النفط عند تقييم نفط الكلفة أو عند حصول الشركات على خصومات عند شرائها لجزء أو نصيب الدولة من النفط الخام وبأسعار تفضيلية، أو قد تتضمنها قوائم التكاليف التشغيلية ..!! وبالتالي فالحرص العام على الاستفادة منها يظل محدوداً أو يستأثر به قله من الأشخاص.(15)

وتتضمن الاتفاقيات مواد وبنود وفقرات كثيرة يضيع معها الباحث عن المعلومة موضوع النص ومن ثم تفسيرها ومدى اتساقها والمصلحة العامة للدولة، والأكثر وضوحاً في هذه الاتفاقيات هو حق الشركات الأجنبية فقط، مع احتمال أوجه متعددة للحق العام للدولة. وإذا كانت المحصلة النهائية للمواد الخاصة بالضرائب هو الإعفاء وتحمُّلْ الوزارة مسئوليتها فلماذا أصلاً يتم ايرادها بالتفصيل كون النتيجة عدم تحصيل ضرائب الدخل ...!!! وهي تهدر هذا الحق على الدولة وتوهم الغير بأن هناك ضرائب تتضمنها هذه الاتفاقيات وهناك عوائد أخرى يتم تحصيلها، ولكن مقارنتها بما يتم التنازل عنه من الإعفاء الصريح لهذه الضرائب وبالإعفاءات الجمركية الكبيرة التي تحصل عليها الشركات الأجنبية وموظفوها وموظفو الشركات التابعة لها والعاملة معها من الباطن تفقد الدولة الكثير من حقوقها ومن المصادر السيادية للدخل الممكن الحصول عليه من نشاطات الصناعة النفطية، الأمر الذي يجبر الباحث على اتهام مسئولي أطراف التعاقد بالهدر الواضح للثروات والحقوق العامة للدولة، ويهدر الاستفادة والاسترشاد بتجارب الآخرين في استغلال الثروة ورفع مستوى كفاءة استغلال الثروة والفائدة منها.

وهذه الأنماط من الاتفاقيات هي التي تعتمدها الشركات النفطية الدولية لاحتوائها بعض من المواد والفقرات التي تتناول مختلف جوانب الاتفاق بالتفاصيل الدقيقة والمتناقضة أحياناً والمكررة بصور متعددة، ومحتوية على بعض العبارات الفنية غير الواضحة أو غير القابلة للقياس إلا فيما ندر منها، ويتم إيرادها بهدف إرباك الطرف الآخر في التعاقد أو بهدف تمرير بعض التأويل التي من الممكن تفسيره لصالح هذه الشركات. وليس أدل على ذلك ما أورده أحد الباحثين من أن هذه الاتفاقيات غالباً ما يختبئ الشيطان ضمن التفاصيل الدقيقة لهذه العقود.(16) وهي تتعمد ذلك لافتراضها بمحدودية خبرة المفاوض الرسمي في بعض الدول إن لم يكن كل الدول النامية المنتجة للنفط التي تدخل فيها هذه الشركات بشراكات استثمارية، علها ترفع من مستوى ملكيتها وأرباحها من عملية التعاقد مع هذه الدول. وهذه الاتفاقيات الموقعة مع الحكومة اليمنية هي من هذه الأنماط التي تحتمل الكثير من بنودها أوجه متعددة للتفسير ..!! كما أن الاتفاقيات تتضمن من النصوص ما يمكنها من أن تسود على قانون الدولة في حالة تعارضها مع نصوص قوانين الدولة،(17) وهي بذلك تفرض شرعية أعلى من سيادة الدولة ...!!!

 

الهوامش:

1)    وزارة التخطيط والتعاون الدولي، مسودة تقرير المراجعة نصف المرحلية لخطط التنمية القطاعية غير منشورة، 2008

2)    وزارة النفط اليمنية، اتفاقية المشاركة في الإنتاج بين الجمهورية العربية اليمنية وشركة هنت اليمنية للنفط، ص14-15

3)    وزارة النفط والمعادن، اتفاقية المشاركة في الإنتاج بين وزارة النفط والمعادن وكل من شركات ريلا نيس اكسبلوريشن أند برود كشن(دي أم سي سي)، وشركة هو إنرجي ليمتد، والمؤسسة اليمنية العامة للنفط والغاز، قطاع رقم (34)، محافظة المهرة، ص27

*هناك إشارة إلى أن نفط الكلفة في معظم الاتفاقيات يصل إلى 20% لتغطية التكاليف، والنسبة الباقية-الأرباح يتم تقاسمها على أساس 20% للشركات و 80% للحكومة، انظر في ذلك، البنك الدولي، النمو الاقتصادي في الجمهورية اليمنية، المصادر، العوائق، والإمكانيات، دراسات البنك الدولي القطرية، HC415.34.E255 2002 ، ص31

** الإتاوة في اتفاقية شركة هنت يتم تحصيلها بعد تجاوز الإنتاج اليومي 100000 برميل وبنسبة 10% من إجمالي الإنتاج، مما يعني حرمان الدولة أية إتاوة في الإنتاج السابق لهذا المستوى الإنتاجي

4)    الجمهورية اليمنية، وزارة النفط والمعادن، اتفاقية المشاركة في الإنتاج بين وزارة النفط والمعادن وكل من شركات ريلانيس اكسبلوريشن أند برودكشن(دي أم سي سي)، وشركة هو إنرجي ليمتد، والمؤسسة اليمنية العامة للنفط والغاز، قطاع رقم (34)، محافظة المهرة، ص27

- الجمهورية اليمنية، وزارة النفط والثروات المعدنية، اتفاقية المشاركة في الإنتاج بين وزارة النفط والثروات المعدنية وكل من شركة دوف للطاقة (المحدودة)، الشركة الفرعية التابعة للمؤسسة اليمنية العامة للنفط والغاز (تحت التأسيس)، في القطاع رقم (53)، شرق سار-حضرموت، ص22

5)    الجمهورية اليمنية، وزارة النفط اليمنية، اتفاقية المشاركة في الإنتاج بين الجمهورية العربية اليمنية وشركة هنت اليمنية للنفط، ص20

6)    الجمهورية العربية اليمنية، المؤسسة العامة للنفط والثروات المعدنية، اتفاقية المشاركة في الإنتاج بين الجمهورية العربية اليمنية وشركة هنت اليمنية للنفط، ص 22، ص15-16

7)    د.طارق عزت رخا، دور القانون الدولي في حل مشكلات استغلال الثروة البترولية، دار النهضة العربية، القاهرة، ص114-115، انظر أيضاً، د.سراج حسين محمد أبو زيد ، التحكيم في عقود البترول، رسالة دكتوراه، 1998، ص50-51

8)     Brian C. Mooney, Fueled by oil taxes, Alaska spending soared under Palin, September 13, 2008, www.boston.com/news/nation /

9)    د.احمد عبد الحميد عشوش، النظام القانوني للاتفاقيات البترولية في البلاد العربية 1975، رسالة دكتوراه في العلوم القانونية، جامعة القاهرة، ص264-265

10)   Oxford Analytica, Venezuela's Oil Policy Has Risk Premium, www.oxan.com/partners/forbes/landung.asp?WT.mc_id=FRBI_box

11)   Jeffrey Paul Truman Phillips, Collecting Rent: Political Culture and Oil and Gas Fiscal Policy in Alberta, CANADA AND NORWAY, August 2008

12)  الجمهورية اليمنية، وزارة النفط والمعادن، اتفاقية المشاركة في الإنتاج بين وزارة النفط والمعادن وكل من شركات ريلانيس اكسبلوريشن أند برودكشن(دي أم سي سي)، وشركة هو إنرجي ليمتد، والمؤسسة اليمنية العامة للنفط والغاز، قطاع رقم (34)، محافظة المهرة، ص11-12

***معظم الاتفاقيات غير منشورة وغير متداولة

 

(13) الجمهورية اليمنية، وزارة النفط والثروات المعدنية، اتفاقية المشاركة في الإنتاج بين وزارة النفط والثروات المعدنية وكل من شركة دوف للطاقة )المحدودة(، الشركة الفرعية التابعة للمؤسسة اليمنية العامة للنفط والغاز )تحت التأسيس(، في القطاع رقم (53) ، شرق سار-حضرموت، ص 10-11

(14) اتفاقية قطاع (18) هنت ص 22، اتفاقية قطاع (84) ص 55-56، اتفاقية القطاع (34) ص 33-34، اتفاقية القطاع(53) ص29-31

(15) انظر في ذلك، د. يحيى صالح محسن، خارطة فساد القطاع النفطي في اليمن، 3 يونيو 2008، www.attagammua.net/index.php?action=showSection&id=1

- كتبها حضرمي من الشحر، البنك المركزي لا يخضع للرقابة، 4 نوفمبر 2008، www.maktoobblog.com/search ? ،

- الوسط نت، فساد النفط يبلغ مداه ومكافآت مسئوليه بالملايين لأعمال نفذها غيرهم ،الأربعاء 11 نوفمبر 2009،  www.alwasat-ye.net

- ماجد همام، نفط اليمن والنهب، منتديات شبوة نت، 15/7/2010، www.forum.sh3bwah.maktoob.com/forum.php

(16) جريج ميوتيت، عقود مشاركة الإنتاج، خصخصة النفط تحت مسمى آخر؟، مرجع سبق ذكره، ص 6

(17) اتفاقية القطاع (18) شركة هنت، ص 1، لم تتضمن اتفاقيات القطاعات الأخرى هذا النص

 

  wadod2008@gmail.com


تعليقات:
1)
العنوان: فقر اليمن
الاسم: عبد المجيد محمد
السلام عليكم اشتي اعرف عائدات النفط وين تروح وليش الغلا في البلاد مادام ان عائدات النفط تروح لخزينة الدولة كم عدد فقراء اليمن
الخميس 19/يونيو-حزيران/2014 01:25 صباحاً
الإخوة / متصفحي موقع الوحدوي نت نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى مدارات
مدارات
عبدالله محمد الدهمشي
جديد التصفية المحتملة للقضية الفلسطينية
عبدالله محمد الدهمشي
خالد الهمداني
حرب دماج.. جذورها, دوافعها, اهدافها وتداعيات استمرارها
خالد الهمداني
عبدالوهاب الشرفي
الاولى والشارع يدفعان ضريبة الحقيقة
عبدالوهاب الشرفي
د. عيدروس النقيب
اليمنيون في السعودية . . أصل المشكلة !
د. عيدروس النقيب
د. عبدالعزيز المقالح
لا مناص من التفاؤل بمستقبل اليمن الواحد
د. عبدالعزيز المقالح
عبدالوهاب الشرفي
مساجد لا جبهات
عبدالوهاب الشرفي
المزيد